الكونغرس يهدد طموحات أردوغان.. هل تخسر تركيا مقاتلات F-35؟

المستقلة/- تواجه العلاقات التركية الأميركية مرحلة دقيقة مع انتهاء انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، وسط مخاوف في أنقرة من أن يؤدي تبدّل موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية إلى تعقيد مساعيها لرفع العقوبات الأميركية المفروضة على قطاعها الدفاعي، واستعادة مشاركتها في برنامج المقاتلات الشبحية من طراز «F-35».

وتسعى الحكومة التركية إلى استثمار العلاقات الشخصية الجيدة بين الرئيسين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب لتحقيق اختراق في الملف، إلا أن القيود القانونية والتحفظات الأمنية داخل الكونغرس لا تزال تشكل عقبة أمام التوصل إلى تسوية نهائية.

وتزداد أهمية المرحلة الحالية بالنسبة لأنقرة في ظل احتمال انتقال السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما إلى الديمقراطيين، الأمر الذي قد يضيف تعقيدات سياسية وتشريعية إلى المفاوضات الدفاعية الجارية بين البلدين.

عقوبات مستمرة منذ 2020

وتعود الأزمة إلى شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية «S-400»، وهي الخطوة التي دفعت واشنطن إلى استبعاد أنقرة من برنامج المقاتلات الأميركية المتطورة «F-35»، قبل فرض عقوبات عليها عام 2020 بموجب قانون مكافحة خصوم الولايات المتحدة من خلال العقوبات، المعروف اختصاراً باسم «كاتسا».

وتبرر الولايات المتحدة موقفها بمخاوف تتعلق بإمكانية تعريض التقنيات الحساسة للمقاتلات الشبحية للخطر في حال تشغيل المنظومة الروسية بالتزامن معها.

في المقابل، تعتبر أنقرة أن العقوبات تتعارض مع طبيعة العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، ولا تنسجم مع عضويتهما المشتركة في حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وبحسب تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي في تموز 2026، تسعى تركيا إلى شراء 40 مقاتلة من طراز F-35، بالتوازي مع إنهاء العقوبات المفروضة على هيئة الصناعات الدفاعية التركية.

سباق تركي مع الوقت

وتدرك أنقرة أن نتائج الانتخابات الأميركية قد تكون مؤثرة في مستقبل المفاوضات، خصوصاً أن الكونغرس يمتلك صلاحيات تشريعية ورقابية تتيح له التأثير في صفقات التسليح والعقوبات الاقتصادية.

وكان وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قد أعلن في آذار الماضي أن بلاده تعمل مع واشنطن لإنهاء ملف العقوبات قبل انتخابات التجديد النصفي، في مؤشر إلى الأهمية التي توليها الحكومة التركية للتوقيت السياسي الأميركي.

ورغم إعلان ترامب في تموز استعداده للنظر في رفع العقوبات وإمكانية بيع المقاتلات لتركيا، فإن وزارة الخارجية الأميركية أكدت لاحقاً أن أنقرة لم تستوفِ الشروط القانونية المطلوبة لإتمام عملية نقل الطائرات.

وتتضمن هذه الشروط إنهاء حيازة منظومة «S-400» الروسية وتقديم ضمانات موثوقة بعدم الحصول عليها مجدداً، إضافة إلى استيفاء المتطلبات الأمنية والقانونية المرتبطة بحماية التقنيات العسكرية الأميركية.

الكونغرس يعقّد حسابات أردوغان

ولا تقتصر العقبات التي تواجه تركيا على الخلاف مع الإدارة الأميركية، إذ برزت داخل الكونغرس مواقف معارضة لعودتها إلى برنامج المقاتلات الشبحية.

ويستند معارضو الصفقة إلى اعتبارات تتعلق بالأمن القومي الأميركي والعلاقات التركية الروسية، فضلاً عن مخاوف بعض المشرعين بشأن التوازنات العسكرية في شرق البحر المتوسط والشرق الأوسط.

في المقابل، يرى مؤيدو إعادة التعاون الدفاعي مع تركيا أن استمرار استبعادها من البرنامج قد يضعف التنسيق العسكري داخل حلف الناتو، ويحد من فرص تعزيز التعاون الاستراتيجي بين واشنطن وأنقرة.

وتكشف هذه الانقسامات أن العلاقات الشخصية بين ترامب وأردوغان، رغم أهميتها السياسية، لا تكفي وحدها لتجاوز القيود التشريعية المفروضة على تصدير المقاتلات.

إسرائيل واليونان تدخلان على خط الأزمة

وتواجه المساعي التركية معارضة من أطراف تخشى أن يؤدي حصول أنقرة على مقاتلات «F-35» إلى تغيير موازين التفوق الجوي في المنطقة.

وتبرز إسرائيل واليونان ضمن الأطراف التي تتابع الملف بحساسية، بالنظر إلى امتلاكهما أو سعيهما لامتلاك قدرات جوية متطورة، وما قد يترتب على دخول تركيا مجدداً إلى برنامج المقاتلات الشبحية من تأثيرات عسكرية واستراتيجية.

وفي المقابل، تحاول مجموعات تركية أميركية إقناع أعضاء الكونغرس بأن إعادة التعاون الدفاعي مع أنقرة تصب في مصلحة الولايات المتحدة وحلف الناتو.

وكانت سبع منظمات تركية أميركية قد وجهت في آب الماضي رسالة إلى الكونغرس، طالبت فيها بدعم بيع المقاتلات ورفع العقوبات، مستندة إلى الدور الإقليمي لتركيا وأهميتها في منظومة الأمن الأطلسي.

ست مقاتلات تنتظر الحسم

ورغم استمرار الخلافات، تؤكد الحكومة التركية أن الاتصالات مع واشنطن لم تتوقف.

ففي 15 تشرين الأول الماضي، أعلنت وزارة الدفاع التركية استمرار المباحثات بشأن تسليم ست مقاتلات من طراز «F-35» سبق تصنيعها لصالح أنقرة، مطالبة برفع العقوبات والقيود المفروضة على صناعاتها الدفاعية.

ولم يترافق الإعلان مع تحديد موعد لتسليم الطائرات أو الكشف عن اتفاق نهائي لمعالجة ملف منظومة الدفاع الروسية، ما يعكس استمرار التعثر في المفاوضات.

ثلاثة سيناريوهات لمستقبل العلاقات

وتشير المعطيات السياسية والقانونية إلى ثلاثة مسارات محتملة خلال المرحلة المقبلة.

يتمثل الأول في نجاح واشنطن وأنقرة في التوصل إلى تسوية بشأن منظومة «S-400»، تسمح بإعادة النظر في العقوبات وتمهد الطريق أمام استئناف التعاون في برنامج المقاتلات.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على استمرار المفاوضات دون تحقيق اختراق حاسم، مع بقاء القيود المفروضة على الصناعات الدفاعية التركية، وتأجيل أي اتفاق بشأن الطائرات إلى مرحلة لاحقة.

ويتمثل السيناريو الثالث في تشديد الكونغرس القيود التشريعية، سواء نتيجة تغير تركيبته السياسية أو استمرار معارضة بعض المشرعين من الحزبين، ما قد يجعل التسوية أكثر تعقيداً حتى في حال وجود توافق بين الرئيسين.

اختبار يتجاوز صفقة المقاتلات

ولا تقتصر أهمية الملف على شراء الطائرات، بل تمتد إلى مستقبل العلاقات الاستراتيجية بين دولتين تجمعهما عضوية حلف شمال الأطلسي، وتتقاطع مصالحهما في ملفات إقليمية تشمل سوريا والشرق الأوسط وروسيا.

وتسعى تركيا إلى استعادة موقعها ضمن برامج التسليح الأميركية المتقدمة، في حين تحاول واشنطن تحقيق توازن بين أهمية أنقرة الاستراتيجية ومتطلبات أمنها القومي والتزاماتها التشريعية.

ومع اقتراب بدء الدورة الجديدة للكونغرس في كانون الثاني 2027، تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة في تحديد قدرة الإدارة الأميركية على المضي في تفاهماتها مع أنقرة.

وبينما تراهن تركيا على علاقات أردوغان مع ترامب لتجاوز واحدة من أعقد أزمات التعاون الدفاعي بين البلدين، يبقى القرار النهائي مرتبطاً بمعالجة الخلافات القانونية والأمنية، وليس بالتفاهمات السياسية وحدها.

وهكذا، قد تجد أنقرة نفسها أمام معادلة صعبة: إما تقديم تنازلات ملموسة بشأن منظومة الدفاع الروسية مقابل استعادة التعاون العسكري مع واشنطن، أو استمرار العقوبات وتأجيل طموحاتها في الحصول على المقاتلات الأميركية الأكثر تطوراً.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى