بعد مكاسب الديمقراطيين.. هل تتغير سياسة واشنطن تجاه إيران؟

المستقلة/- تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة سياسية جديدة مع ظهور نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، وسط تساؤلات بشأن قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة سياسته العسكرية والاقتصادية تجاه طهران، في ظل المكاسب الانتخابية التي حققها الديمقراطيون وتنامي الضغوط الداخلية المرتبطة بتكاليف الحرب وارتفاع أسعار الطاقة.

وتكتسب الانتخابات أهمية استثنائية بالنسبة لإيران، إذ لا تقتصر انعكاساتها المحتملة على موازين القوى داخل واشنطن، بل تمتد إلى مستقبل العمليات العسكرية الأميركية، وحجم التمويل المخصص لها، وقدرة البيت الأبيض على الاستمرار في سياسة الضغط الأقصى أو الانتقال نحو مسار تفاوضي يهدف إلى احتواء التصعيد.

وأظهرت النتائج الأولية والمتابعة الانتخابية، الأربعاء، تحقيق الديمقراطيين مكاسب كبيرة، مع إعلان وسائل إعلام أميركية فوزهم بالسيطرة على مجلس الشيوخ، وسط تقدمهم في سباق مجلس النواب. وجاء ذلك في ظل استياء قطاعات من الناخبين من ارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الحرب مع إيران.

طهران تراقب التحولات داخل واشنطن

وتتابع إيران التطورات السياسية الأميركية باعتبارها عاملاً مؤثراً في تحديد خيارات إدارة ترامب خلال النصف الثاني من ولايته، خصوصاً أن انتقال السيطرة التشريعية إلى الديمقراطيين قد يمنحهم أدوات رقابية أوسع لمراجعة القرارات العسكرية ومساءلة المسؤولين بشأن أهداف العمليات وتكاليفها.

ونقل تقرير نشره موقع «إرم نيوز» عن مصدر عسكري قريب من القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» قوله إن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم في الكونغرس قد تؤدي إلى فرض قيود إضافية على المخصصات المالية اللازمة لتوسيع العمليات العسكرية ضد إيران، لكنها لا تعني بالضرورة تغيير الخطط القائمة أو التخلي عن خيارات الردع.

وأوضح المصدر أن المؤسسة العسكرية الأميركية تضع سيناريوهات متعددة للتعامل مع التغيرات السياسية، فيما تبقى حماية القوات والمنشآت والمصالح الأميركية أولوية لا تتوقف على نتائج الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، فإن أي تحول في موازين القوى داخل الكونغرس لن يؤدي تلقائياً إلى تغيير الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، لكنه قد يؤثر تدريجياً في القرارات المتعلقة بتوسيع العمليات أو استمرارها لفترات طويلة.

خسائر الجمهوريين تمنح الديمقراطيين أوراق ضغط

ويمثل تقدم الديمقراطيين في الانتخابات تحدياً سياسياً لإدارة ترامب، إذ يمكن أن يؤدي إلى تشديد الرقابة على سياساتها الخارجية، ولا سيما ما يتعلق بالحرب مع إيران والإنفاق العسكري المرتبط بها.

وقد يسعى المشرعون الديمقراطيون إلى المطالبة بمراجعة أهداف العمليات العسكرية، وتقديم تقارير تفصيلية عن تكاليفها، ومناقشة مدى الحاجة إلى تفويضات إضافية من الكونغرس في حال استمرار التصعيد.

كما يمكن أن تتحول التداعيات الاقتصادية للحرب إلى محور رئيسي في المواجهة السياسية بين البيت الأبيض والكونغرس، خصوصاً مع تأثير ارتفاع أسعار الطاقة في تكاليف النقل والإنتاج ومستويات التضخم.

وأشارت تقارير أميركية إلى أن شخصيات مقربة من ترامب حمّلت استمرار الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الطاقة جزءاً من المسؤولية عن خسائر الجمهوريين في انتخابات الثلاثاء.

هل تستفيد إيران من الانقسام الأميركي؟

بالنسبة إلى طهران، قد توفر التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة فرصة لإعادة تقييم موقفها التفاوضي والعسكري، خصوصاً إذا أدت الضغوط التشريعية إلى الحد من قدرة الإدارة على توسيع العمليات أو تخصيص موارد إضافية لها.

ويرى الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية محمد ماهر، وفق تصريحات نقلها «إرم نيوز»، أن حصول الديمقراطيين على أغلبية في الكونغرس لن يؤدي بالضرورة إلى تغيير فوري في توجهات واشنطن تجاه إيران.

وأوضح أن ترامب قد يستمر في الجمع بين التهديد بالتصعيد العسكري وإبقاء الخيارات الدبلوماسية مطروحة، بينما تسعى طهران إلى الاستفادة من الانقسامات السياسية الأميركية لكسب الوقت وتخفيف الضغوط المفروضة عليها.

غير أن هذه الحسابات لا تعني أن إيران ستكون بمنأى عن ضربات جديدة، إذ تبقى القرارات العسكرية مرتبطة أيضاً بتقديرات التهديدات والتطورات الميدانية، وليس بالتحولات الحزبية داخل الكونغرس وحدها.

الحرب وتكاليفها تدخل الحسابات الانتخابية

وتبرز كلفة الحرب مع إيران بوصفها أحد العوامل التي قد تؤثر في السياسة الأميركية خلال المرحلة المقبلة.

فاستمرار المواجهة العسكرية يفرض أعباء مالية على الولايات المتحدة، تشمل العمليات الجوية والبحرية، وحماية القواعد العسكرية، وتعزيز منظومات الدفاع، وتأمين المصالح الأميركية وحركة الملاحة في المنطقة.

وتتزامن هذه النفقات مع ضغوط اقتصادية داخلية، في مقدمتها ارتفاع أسعار الطاقة، الأمر الذي قد يدفع أعضاء الكونغرس إلى المطالبة بتوضيحات بشأن الجدوى الاستراتيجية لاستمرار العمليات العسكرية.

وفي المقابل، قد تتمسك الإدارة الأميركية بأن الحفاظ على الردع العسكري يمثل ضرورة لحماية المصالح الأميركية ومنع إيران من توسيع نطاق تهديداتها الإقليمية.

ويعكس هذا التباين احتمال انتقال الجدل بشأن إيران من المؤسسات العسكرية والدبلوماسية إلى مواجهة سياسية أكثر اتساعاً داخل الكونغرس.

ثلاثة مسارات لمستقبل المواجهة

تفتح التحولات السياسية الأميركية الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية لمستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران.

يتمثل المسار الأول في تشديد الرقابة التشريعية على الإدارة الأميركية، بما قد يحد من قدرتها على توسيع العمليات العسكرية ويزيد الضغوط باتجاه حلول دبلوماسية أو تفاهمات مرحلية.

أما المسار الثاني، فيقوم على استمرار ترامب في استخدام صلاحياته التنفيذية للحفاظ على الضغط العسكري والاقتصادي، حتى مع وجود معارضة متزايدة داخل الكونغرس، وهو ما قد يؤدي إلى خلافات بشأن التمويل والصلاحيات القانونية.

ويتمثل المسار الثالث في اعتماد استراتيجية تجمع بين الردع العسكري والمفاوضات غير المباشرة، بهدف إدارة الصراع وتقليل تكاليفه السياسية والاقتصادية، من دون تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الخلافية.

ولا يمكن الجزم بأي من هذه المسارات، إذ إن طبيعة المواجهة ستظل مرتبطة بنتائج الاتصالات الدبلوماسية والتطورات الميدانية ومستوى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة.

إيران بين التصعيد والمفاوضات

وتواجه القيادة الإيرانية بدورها خيارات صعبة، في ظل استمرار العقوبات الاقتصادية وتداعيات المواجهة العسكرية على البنية التحتية والاقتصاد المحلي.

وقد ترى طهران في التغيرات السياسية الأميركية فرصة لتعزيز موقفها التفاوضي، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الانقسام داخل الكونغرس لا يمنع بالضرورة الإدارة الأميركية من تنفيذ عمليات عسكرية جديدة.

وفي تطور يعكس استمرار التوتر، حذرت إيران، الأربعاء، من أنها أعدت خطة للردع الأقصى في مواجهة أي هجوم أميركي جديد، مؤكدة استعدادها للرد على أي تصعيد عسكري.

ويشير ذلك إلى أن الطرفين لا يزالان يتمسكان بخيارات الردع، رغم الضغوط السياسية والاقتصادية التي قد تدفع باتجاه البحث عن مخرج دبلوماسي.

مرحلة حاسمة لترامب وطهران

وتضع نتائج انتخابات التجديد النصفي إدارة ترامب أمام اختبار يتعلق بقدرتها على الموازنة بين استمرار الضغط على إيران والاستجابة للمطالب الداخلية بشأن تكاليف الحرب وأولويات الاقتصاد الأميركي.

وفي المقابل، تحاول طهران قراءة التحولات الجديدة داخل واشنطن لمعرفة ما إذا كانت ستؤدي إلى تراجع احتمالات التصعيد، أم أنها ستدفع البيت الأبيض إلى تبني مواقف أكثر تشدداً لإثبات قدرته على إدارة الصراع.

ورغم أن الكونغرس يمتلك صلاحيات مهمة في مجالات التمويل والتشريع والرقابة، فإن الرئيس الأميركي يحتفظ بسلطات واسعة في إدارة السياسة الخارجية والعمليات العسكرية ضمن الحدود الدستورية والقانونية.

وبذلك، فإن مكاسب الديمقراطيين لا تعني بالضرورة نهاية سياسة الضغط على إيران، لكنها قد تجعل استمرار الحرب أو توسيعها أكثر تعقيداً من الناحية السياسية والمالية.

ويبقى السؤال الأبرز خلال المرحلة المقبلة: هل تدفع الضغوط الداخلية ترامب إلى البحث عن تسوية مع طهران، أم تتحول خسائر الجمهوريين إلى دافع لتصعيد جديد يعيد خلط الأوراق في الشرق الأوسط؟

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى