صندوق النقد يحذر: النفط قد يقفز إلى 130 دولاراً بسبب حرب الشرق الأوسط

المستقلة / تقرير اقتصادي / حذر صندوق النقد الدولي من تداعيات اقتصادية متصاعدة لاستمرار الحرب في الشرق الأوسط، مؤكداً أن اضطرابات إمدادات الطاقة وتعطل حركة الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، تضع الاقتصاد العالمي أمام مرحلة شديدة الحساسية، قد تشهد ارتفاعاً إضافياً في أسعار النفط والغاز، وتسارعاً في معدلات التضخم، وتراجعاً في النمو الاقتصادي.

وكشف الصندوق، في أحدث تقرير له عن «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر اليوم الثلاثاء، عن توقعات تشير إلى استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة خلال العامين الحالي والمقبل، في ظل حالة عدم اليقين المحيطة بمستقبل الصراع وإمكانية استعادة تدفقات النفط والغاز إلى مستوياتها الطبيعية.

وبحسب التقديرات، يتوقع الصندوق أن يبلغ متوسط سعر النفط نحو 96 دولاراً للبرميل خلال عام 2026، قبل أن يتراجع إلى 87 دولاراً في عام 2027، مقارنة بنحو 67.7 دولاراً خلال العام الماضي، فيما يُرجح ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي بنحو 48% على أساس سنوي.

وتعكس هذه التوقعات حجم الضغوط التي تتعرض لها أسواق الطاقة نتيجة الحرب، خصوصاً مع استمرار المخاوف بشأن أمن خطوط الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري، فضلاً عن تأثير الاضطرابات الإقليمية على قدرة الدول المنتجة على إيصال صادراتها إلى الأسواق الدولية.

هرمز في قلب الأزمة.. التعافي قد يتأخر حتى نهاية 2027

وضع صندوق النقد الدولي مضيق هرمز في صدارة المخاطر المؤثرة على الاقتصاد العالمي، نظراً إلى أهميته في حركة صادرات النفط والغاز من منطقة الخليج نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية والعالمية.

وتستند توقعات الصندوق إلى افتراض بدء إعادة فتح المضيق خلال آذار 2027، على أن تعود حركة الملاحة والإمدادات بصورة واسعة إلى مستوياتها التي سبقت الحرب بحلول تشرين الأول من العام نفسه.

ولا تمثل هذه المواعيد إعلاناً عن اتفاق سياسي أو جدول زمني مؤكد لإنهاء الأزمة، بل افتراضات اقتصادية استخدمها الصندوق لبناء توقعاته بشأن الأسعار والنمو والتضخم.

ويشير ذلك إلى أن أي تأخير إضافي في استعادة الملاحة الطبيعية قد يؤدي إلى استمرار الضغوط على أسواق الطاقة، خصوصاً إذا تزامن مع أضرار في البنية التحتية النفطية أو اضطرابات جديدة في حركة الشحن.

سيناريو خطير.. النفط عند 130 دولاراً

وفي أحد أبرز التحذيرات الواردة في التقرير، عرض صندوق النقد الدولي سيناريو سلبياً يفترض تفاقم الحرب واستمرار الاضطرابات في إمدادات الطاقة، بما يدفع أسعار النفط إلى 130 دولاراً للبرميل حتى الربع الأول من عام 2027.

وبحسب هذا السيناريو، قد يتراجع النمو الاقتصادي العالمي بمقدار 0.2 نقطة مئوية في عام 2026، وبنحو 0.5 نقطة مئوية خلال عام 2027، مقارنة بالتوقعات الأساسية.

كما قد يرتفع التضخم العالمي خلال عام 2027 بمقدار 1.1 نقطة مئوية إضافية، ليصل إلى 5.2%، وهو مستوى قد يزيد الضغوط على البنوك المركزية ويحد من قدرتها على خفض أسعار الفائدة لدعم النشاط الاقتصادي.

ويعني ذلك أن تصاعد الحرب قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو مزيج من تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار، وهو ما يعرف اقتصادياً بمخاطر الركود التضخمي، خصوصاً في الدول المستوردة للطاقة التي تواجه ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج والنقل والمواد الغذائية.

العراق أمام معادلة صعبة.. ارتفاع النفط لا يعني زيادة الإيرادات

وعلى المستوى العراقي، تكتسب تحذيرات صندوق النقد الدولي أهمية خاصة، بالنظر إلى اعتماد المالية العامة بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، فضلاً عن تأثير اضطرابات الملاحة في الخليج على الصادرات العراقية.

ورغم أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً يمكن أن يوفر إيرادات إضافية للدول المنتجة، فإن استفادة العراق من هذه الزيادة تبقى مرتبطة بقدرته الفعلية على تصدير النفط ووصول الشحنات إلى الأسواق الدولية.

وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى تراجع الصادرات النفطية العراقية إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً خلال آب الماضي، مقارنة بمستويات تجاوزت 3.6 ملايين برميل يومياً قبل الاضطرابات، ما يعكس حجم التحدي الذي تواجهه البلاد في الاستفادة من ارتفاع الأسعار العالمية.

وفي الوقت نفسه، تبرز ضغوط داخلية أخرى ترتبط بتكاليف الاستيراد وسعر صرف الدينار، خصوصاً بعد قرار تعديل سعر الصرف الرسمي في تشرين الأول الجاري، وهو ما قد يرفع كلفة السلع المستوردة ويضيف أعباء جديدة على القوة الشرائية للمواطنين.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن استمرار إغلاق أو تقييد حركة الملاحة في مضيق هرمز قد يؤدي إلى مفارقة صعبة بالنسبة للعراق؛ إذ ترتفع قيمة البرميل عالمياً، بينما تتراجع الكميات القابلة للتصدير، ما يجعل العائد المالي النهائي مرهوناً بحجم الإنتاج والصادرات الفعلية وليس بالسعر وحده.

الاقتصاد العالمي بين ضغوط الحرب وفرص التكنولوجيا

وعلى الرغم من هذه المخاطر، أبقى صندوق النقد الدولي على توقعات تشير إلى قدر من الصمود الاقتصادي العالمي، مدعوماً بالاستثمارات المتزايدة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

وتوقع الصندوق نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 3.1% خلال عام 2026، قبل تسارع النمو إلى 3.4% في 2027، مع تفاوت ملحوظ بين الاقتصادات الكبرى والدول الأكثر تعرضاً لاضطرابات الطاقة.

وفي الولايات المتحدة، يرجح التقرير تسجيل نمو بنسبة 2.3% في عامي 2026 و2027، بدعم من الاستهلاك والاستثمارات التكنولوجية، بينما يتوقع تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني إلى 4.5% خلال العام الحالي و4% في العام المقبل.

أما الهند، فتواصل تسجيل معدلات نمو مرتفعة تصل إلى 7%، مدعومة بنشاط الطلب المحلي واتساع القطاعات الاقتصادية.

الشرق الأوسط يدفع الثمن الأكبر

وفي منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، تتوقع تقديرات التقرير انكماش النشاط الاقتصادي بنسبة 0.3% خلال عام 2026، قبل أن يسجل انتعاشاً قوياً بنمو يبلغ 6.3% خلال 2027.

ويعكس هذا التحول المتوقع احتمال عودة إنتاج الطاقة وحركة التجارة والنقل إلى مستويات أقرب إلى الطبيعية بعد انحسار الاضطرابات، لكنه يظل مشروطاً بالتطورات الأمنية والسياسية ومدى قدرة دول المنطقة على استعادة نشاطها الاقتصادي.

وتواجه الاقتصادات المرتبطة بإنتاج الطاقة وتصديرها ضغوطاً مباشرة على قطاعات النفط والنقل والاستثمار، فيما تتحمل الدول المستوردة للوقود أعباء ارتفاع الأسعار وتكاليف الاستيراد.

وكان صندوق النقد قد أشار في توقعاته السابقة إلى أن العراق والكويت وقطر من الاقتصادات الأكثر تعرضاً للانكماش نتيجة اضطرابات الإنتاج والنقل، مع إمكانية تسجيل تعافٍ قوي عند استعادة النشاط النفطي.

هل يدخل العالم مرحلة جديدة من التضخم؟

تثير توقعات صندوق النقد تساؤلات بشأن قدرة الاقتصاد العالمي على احتواء الصدمات الجديدة، خاصة مع استمرار ارتفاع مستويات الدين العام وتزايد تكاليف الاقتراض.

فارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر تأثيره على الوقود، بل يمتد إلى الصناعات والنقل والزراعة وأسعار الغذاء، ما يجعل الأسر والشركات عرضة لموجات جديدة من ارتفاع التكاليف.

كما أن استمرار التضخم قد يدفع البنوك المركزية إلى تأجيل التيسير النقدي أو اعتماد سياسات أكثر تشدداً، الأمر الذي يمكن أن يضعف الاستهلاك والاستثمار في عدد من الاقتصادات.

وحذر الصندوق أيضاً من أن ارتفاع مستويات الدين يحد من قدرة الحكومات على امتصاص الصدمات، داعياً إلى تعزيز الاستقرار المالي وإعادة بناء الاحتياطيات المالية ووضع سياسات اقتصادية قادرة على التعامل مع المخاطر المتزايدة.

مرحلة حاسمة حتى 2027

تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن مستقبل أسعار النفط والنمو العالمي خلال الأشهر المقبلة سيبقى مرتبطاً بمسار الحرب في الشرق الأوسط، ومدى قدرة الأطراف المعنية على احتواء التصعيد وضمان أمن الملاحة في مضيق هرمز.

وبينما يفترض السيناريو الأساسي لصندوق النقد الدولي بدء تحسن حركة الإمدادات خلال عام 2027، فإن السيناريو الأكثر تشاؤماً يضع الأسواق أمام احتمال وصول النفط إلى 130 دولاراً للبرميل، مع تداعيات مباشرة على التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وبالنسبة للعراق، فإن التطورات المقبلة ستكون حاسمة في تحديد قدرة الاقتصاد على تجاوز ضغوط تراجع الصادرات النفطية وارتفاع تكاليف الاستيراد، خصوصاً في ظل التحديات المالية والنقدية التي تواجه البلاد.

وتبقى الرسالة الأساسية التي يحملها تقرير صندوق النقد الدولي أن استمرار الحرب لم يعد يمثل تهديداً إقليمياً فحسب، بل تحول إلى عامل رئيسي في تحديد اتجاه الاقتصاد العالمي، حيث ستكون استعادة استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية أحد أهم شروط التعافي الاقتصادي خلال عام 2027.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى