
صندوق النقد يتوقع انكماش اقتصاد العراق 16% في 2026.. هل يواجه البلد أخطر أزمة اقتصادية منذ سنوات؟
المستقلة /- يواجه الاقتصاد العراقي واحداً من أكثر الأعوام صعوبة وفق التوقعات الجديدة المنسوبة إلى صندوق النقد الدولي، التي تشير إلى احتمال انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 16% خلال عام 2026، قبل تسجيل انتعاش حاد يصل إلى 19% في عام 2027، في تحول يعكس حجم الصدمات التي يتعرض لها الاقتصاد نتيجة الحرب في الشرق الأوسط واضطرابات صادرات النفط والتحديات المالية والنقدية.
وبحسب بيانات تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الصادر في تشرين الأول 2026، التي نقلتها وكالة شفق نيوز، فإن العراق يأتي ضمن الاقتصادات النفطية الأكثر تأثراً بالاضطرابات الإقليمية، مع توقعات بارتفاع التضخم واتساع عجز الحساب الجاري، وسط تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على حماية المالية العامة وضمان استمرار الإنفاق على الرواتب والخدمات والمشاريع الاستثمارية.
وتأتي هذه التوقعات في وقت حذر فيه صندوق النقد الدولي من تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد على النمو العالمي، مؤكداً أن دول المنطقة تواجه تحديات استثنائية تتعلق بالإنتاج والتجارة والتمويل.
انكماش 16%.. ماذا يعني للاقتصاد العراقي؟
تشير التقديرات الواردة في التقرير الصحفي إلى انتقال الاقتصاد العراقي من انكماش محدود بلغ 0.4% خلال عام 2025 إلى تراجع حاد متوقع بنسبة 16% خلال العام الحالي.
ويمثل هذا الانخفاض المحتمل صدمة كبيرة لحجم النشاط الاقتصادي، خصوصاً في بلد يعتمد بصورة أساسية على القطاع النفطي مصدراً للإيرادات الحكومية والعملات الأجنبية.
ولا يعني انكماش الناتج المحلي بنسبة 16% أن رواتب المواطنين ستنخفض تلقائياً بالنسبة نفسها، أو أن جميع القطاعات ستخسر المقدار ذاته، بل يعكس تراجع القيمة الحقيقية الإجمالية للسلع والخدمات المنتجة داخل البلاد.
وتبرز اضطرابات إنتاج النفط وصادراته بوصفها أحد التفسيرات الرئيسية لهذه التوقعات، إذ سبق أن أشار صندوق النقد الدولي في تحديث تموز إلى احتمال تعرض العراق والكويت وقطر لانكماشات حادة نتيجة الاضطرابات التي طالت إنتاج الطاقة ونقلها
أرقام تكشف حجم التحديات
النمو الحقيقي المتوقع 2026
-16%
انكماش اقتصادي
النمو الحقيقي المتوقع 2027
+19%
انتعاش من قاعدة منخفضة
التضخم المتوقع 2026
3.5%
عجز الحساب الجاري 2026
10.8%
من الناتج المحلي الإجمالي
الأرقام بحسب جدول تشرين الأول المنقول في التقرير الصحفي، وهي توقعات لعامي 2026 و2027 وليست نتائج نهائية. أمكن التحقق من صدور قاعدة بيانات تشرين الأول على موقع الصندوق، لكن لم يتسنَّ تأكيد هذه القيم القطرية مباشرة من الجدول الأصلي.
النفط ومضيق هرمز.. مصدر الأزمة الأكبر
تكتسب التوقعات الاقتصادية الجديدة خطورتها من ارتباط الاقتصاد العراقي المباشر بحركة الصادرات النفطية، التي تشكل مصدراً رئيسياً لتمويل الموازنة العامة.
ففي الظروف الطبيعية، يمكن لارتفاع أسعار النفط أن يرفع إيرادات العراق، لكن اضطراب طرق التصدير قد يقلب المعادلة، إذ تصبح القدرة على إيصال الشحنات إلى الأسواق أهم من ارتفاع السعر وحده.
وفي ظل استمرار الحرب في المنطقة واضطرابات الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، تواجه الدول المصدرة للطاقة تحديات تتعلق بكميات الإنتاج والتصدير وتكاليف الشحن والتأمين.
وقد كشفت رويترز في السادس من تشرين الأول أن العراق يدرس افتراض سعر نفط عند 58 دولاراً للبرميل ضمن مشروع موازنة 2027، مع تقديرات للإنفاق تصل إلى 217 تريليون دينار وعجز متوقع يتجاوز 40 تريليون دينار، في مؤشر على حجم التحديات التي تواجه التخطيط المالي.
وتعكس هذه التطورات مخاطر الاعتماد الكبير على النفط، إذ يمكن أن يؤدي انخفاض حجم الصادرات إلى تراجع الإيرادات حتى عندما تكون الأسعار العالمية مرتفعة.
هل تصبح الرواتب والموازنة تحت الضغط؟
من أبرز التساؤلات التي تثيرها توقعات الانكماش الحاد قدرة المالية العامة العراقية على مواصلة الوفاء بالتزاماتها، وفي مقدمتها رواتب الموظفين والمتقاعدين وشبكات الحماية الاجتماعية.
فالانخفاض في الناتج النفطي يمكن أن يترافق مع تراجع الإيرادات الحكومية، بينما تظل النفقات التشغيلية والالتزامات الثابتة مرتفعة.
وفي حال استمرار اضطراب الصادرات لفترة طويلة، قد تضطر الحكومة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق أو توسيع الاقتراض أو تأجيل بعض المشاريع الاستثمارية، بحسب حجم التمويل المتاح.
لكن من المهم التمييز بين المخاطر المحتملة والقرارات الفعلية؛ فتوقع انكماش الاقتصاد بنسبة 16% لا يعني صدور قرار بتخفيض الرواتب أو تأخيرها، ولا يكفي بمفرده لإثبات عجز الحكومة عن دفعها.
وتتوقف قدرة الدولة على إدارة هذه الضغوط على حجم الإيرادات النفطية وغير النفطية، والسيولة المتوفرة، والاحتياطيات المالية، وشروط الاقتراض ومستوى الإنفاق العام.
عجز الحساب الجاري يرتفع إلى 10.8%
تشير الأرقام المنقولة عن التقرير إلى توقع اتساع عجز الحساب الجاري للعراق من 3.8% من الناتج المحلي الإجمالي في 2025 إلى 10.8% خلال عام 2026، قبل التحول إلى فائض بنسبة 2.2% في 2027.
ويعكس الحساب الجاري بصورة أساسية حصيلة المبادلات التجارية والخدمية والدخول والتحويلات بين العراق والعالم الخارجي.
وفي بلد يعتمد على صادرات النفط للحصول على العملات الأجنبية، فإن تراجع هذه الصادرات مع استمرار الحاجة إلى استيراد السلع والخدمات قد يزيد الضغوط على الميزان الخارجي.
ولا يعني عجز الحساب الجاري بالضرورة نقصاً فورياً في الدولار داخل الأسواق المحلية، لكنه يشير إلى اختلال في التدفقات الخارجية قد ينعكس على الاستقرار الاقتصادي إذا استمر واتسع.
كما يمكن أن تزداد حساسية سوق الصرف تجاه هذه الضغوط، خصوصاً إذا ترافقت مع مخاوف تجارية أو مالية أو ارتفاع في الطلب على العملات الأجنبية.
التضخم والقدرة الشرائية.. المواطن أمام تحديات إضافية
وفق التقديرات الواردة في التقرير، يتوقع ارتفاع التضخم إلى 3.5% خلال عام 2026، مقارنة بنحو 0.3% في 2025، قبل تراجعه إلى 3% في عام 2027.
ورغم أن هذه المعدلات لا تمثل وحدها تضخماً مفرطاً، فإن انعكاساتها على الأسر قد تكون أكبر عند ارتفاع أسعار المواد الأساسية والنقل والسكن والخدمات.
وقد حذر صندوق النقد الدولي في دراسة نُشرت مطلع تشرين الأول من أن موجات ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة تترك آثاراً ممتدة على مستويات المعيشة، وأن الأسر محدودة الدخل تكون أكثر تعرضاً للضرر بسبب إنفاق جزء أكبر من دخولها على الاحتياجات الضرورية.
وفي العراق، قد تتفاقم الضغوط المعيشية إذا ترافق ارتفاع الأسعار مع ضعف فرص العمل أو تباطؤ النشاط التجاري والاستثماري.
ومن هنا، فإن معدل النمو أو الانكماش لا يمثل وحده مؤشراً كافياً للحكم على الأوضاع الاقتصادية للمواطنين، إذ يجب النظر أيضاً إلى الدخل الحقيقي والبطالة والفقر ومستويات الخدمات العامة.
لماذا يتوقع الصندوق نمواً بنسبة 19% في 2027؟
قد يبدو الانتقال من انكماش بنسبة 16% إلى نمو بنسبة 19% خلال عام واحد تحولاً اقتصادياً هائلاً، لكنه لا يعني بالضرورة أن العراق سيتجاوز جميع آثار الأزمة.
فالنمو المرتفع بعد الانكماش الكبير قد يعكس عودة الإنتاج والصادرات النفطية إلى مستويات أقرب لما كانت عليه قبل الاضطرابات، وليس بالضرورة توسعاً استثنائياً في القطاعات غير النفطية.
ومن الناحية الحسابية، لو بلغ حجم الاقتصاد الحقيقي 100 وحدة قبل الانكماش، فإنه سيتراجع إلى 84 وحدة بعد انخفاض بنسبة 16%. وإذا نما بعد ذلك بنسبة 19%، فسيصل إلى نحو 99.96 وحدة، أي قريباً جداً من مستواه السابق.
وهذا يعني أن النمو المتوقع في 2027 قد يعوض معظم الخسارة المسجلة في 2026، من دون أن يشكل بالضرورة زيادة حقيقية كبيرة مقارنة بمستوى الاقتصاد قبل الأزمة.
ويتوقف تحقق هذا السيناريو على تحسن الظروف الإقليمية واستعادة إنتاج النفط والصادرات وتراجع اضطرابات التجارة والطاقة.
مقارنة مع اقتصادات الخليج
لا يقتصر الانكماش المتوقع على العراق، إذ تشير بيانات التقرير المنقولة إلى أن اقتصادات نفطية أخرى قد تتعرض لتراجعات كبيرة خلال 2026.
| الدولة | الانكماش المتوقع في 2026 |
|---|---|
| العراق | 16% |
| الكويت | 16.7% |
| قطر | 15.6% |
| الإمارات | 3.9% |
| السعودية | 3.3% |
وتوضح هذه المقارنة أن الصدمة الاقتصادية المحتملة ذات نطاق إقليمي، مع اختلاف شدتها تبعاً لهيكل اقتصادات الدول وقدرتها على استمرار إنتاج وتصدير الطاقة.
وكان صندوق النقد قد حذر في تقريره العالمي الصادر اليوم من أن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع الديون واضطرابات الطاقة تمثل مخاطر رئيسية على النمو العالمي، حتى مع استمرار الاستثمارات التكنولوجية في دعم بعض الاقتصادات.
ما الذي يحتاجه العراق لتجنب تفاقم الأزمة؟
تكشف هذه التوقعات الحاجة إلى تعزيز قدرة الاقتصاد العراقي على مواجهة الصدمات الخارجية، من خلال حماية استدامة الصادرات النفطية وتنويع منافذ النقل والتصدير، وتطوير الإيرادات غير النفطية وتحسين كفاءة الإنفاق.
كما تبرز أهمية دعم القطاعات الإنتاجية المحلية، ولا سيما الصناعة والزراعة والخدمات، لتقليل الاعتماد على الاستيراد وخلق فرص عمل أكثر استقراراً.
وفي الجانب المالي، تمثل إدارة العجز والديون والمحافظة على استقرار النظام المصرفي عناصر أساسية في الحد من انتقال الصدمات النفطية إلى الاقتصاد المحلي.
غير أن معالجة هذه التحديات تتطلب سياسات متوسطة وطويلة الأجل، ولا يمكن الاعتماد على ارتفاع أسعار النفط أو التعافي المتوقع في العام المقبل وحدهما لضمان استقرار المالية العامة.
2027.. عام التعافي أم بداية تحديات جديدة؟
تضع تقديرات صندوق النقد الدولي الاقتصاد العراقي أمام اختبار اقتصادي بالغ الأهمية، مع توقعات بانكماش حاد خلال 2026 وانتعاش قوي في 2027.
وتعكس هذه الصورة مدى حساسية الاقتصاد العراقي تجاه التطورات الإقليمية وأسواق الطاقة، خصوصاً في ظل الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية لتمويل الإنفاق الحكومي.
ورغم أن العودة إلى النمو بنسبة 19% قد تبدو مؤشراً إيجابياً، فإن التعافي الحقيقي سيظل مرتبطاً بمدى تحسن قدرة الدولة على توفير فرص العمل وحماية القدرة الشرائية للمواطنين وتنويع مصادر الدخل.
فالخطر الأكبر لا يكمن في تسجيل انكماش اقتصادي خلال عام واحد فحسب، بل في استمرار ارتباط الاستقرار المالي والمعيشي للعراق بعوامل خارجية قد يصعب التحكم بها. وبين انكماش 2026 وانتعاش 2027، يبقى السؤال الأهم: هل سيتمكن العراق من تحويل التعافي النفطي المتوقع إلى استقرار اقتصادي مستدام، أم سيظل عرضة لموجات جديدة من الأزمات؟
أخبار قد تهمك
الوثيقة.. المالية العراقية تلغي استمارة تقييم الموظفين للعلاوة السنوية وتحصر اعتمادها بالترفيع الوظيفي
سلم الرواتب الجديد يقترب من البرلمان.. تحركات لإنصاف الموظفين وتقليص الفوارق بين الوزارات
ارتفاع التضخم في الأردن إلى 2.73%.. النقل والإيجارات يضغطان على الأسعار وتحسن في الإنتاج الصناعي
الأنواء الجوية تتوقع أمطاراً رعدية وانخفاضاً تدريجياً في درجات الحرارة بالعراق
أحمد العوضي يفاجئ جمهوره في «سلطان الديب».. ضابط مخدرات شهير يدخل المنافسة الرمضانية
لماذا تقترح خرائط غوغل طرقاً أطول؟.. دراسة تكشف السبب الخفي وراء تغيير المسارات
التفاح أم اليقطين.. أيهما أفضل لضبط سكر الدم وتحسين الهضم؟
إشادة أميركية بقيادة الزيدي.. واشنطن تفتح صفحة جديدة مع بغداد عنوانها الأمن والاقتصاد وحصر السلاح
ترمب يستبعد دعم روسيا والصين لإيران ويحذر موسكو وبكين من التدخل في الحرب
صندوق النقد يحذر: النفط قد يقفز إلى 130 دولاراً بسبب حرب الشرق الأوسط
الذهب يتراجع عالمياً مع صعود الدولار وترقب بيانات التضخم الأميركية





