الضربة الأمريكية في سورية: القصة الكاملة / حسني الماضي

يبدو أن تطورات الساعة الأخيرة في الأزمة السورية جعلت المنطقة أسيرة عاصفة رملية من المفاجآت المتسارعة والحوادث المتعاكسة، التي أرخت ستائر من ظلام على ما يحدث في كواليس السياسة الدولية، فأعمت العيون عن تناول ما حدث بالتحليل والتمحيص واستعصى بالطبيعة على الفهم.

أكاد أقول الآن، وبعد أن هدأ غبار العاصفة وأصبحت آثار الخطوات الأمريكية والروسية واضحة، ترسم مساراً جلياً يبدو كله وراءنا نلتفت إليه فنراه ونرى آخره، أصبح بالإمكان محاولة استجلاء حقيقة ما حدث. لقد كان هناك في البداية اتفاق بشكل ما بين أمريكا وروسيا تقوم فيه الأولى بضرب سورية بضربات صاروخية تأديبية محدودة بالزمان والمكان، على غرار عملية ‘ثعلب الصحراء’ في العراقفي العام 1998، على أن تكون روسيا على علم مسبق بالأماكن التي سيتم استهدافها، مقابل أن تقوم روسيا بإقناع سورية بالإحجام عن الرد على هذه الضربات. وكان تصور هذين القطبين العالميين أن هذه الضربة ستفضي إلى حل سياسي في مؤتمر جنيف (2)، من منطلق أنه لن تكون هناك تسوية سياسية ما دام النظام يحقق انتصارات.

لا أستطيع أن أقطع إلى أي حد كانت سورية تتفق مع هذه السياسة الروسية، إلا أن إيران حليفة سورية القوية، التي لا تثق بالوعود الأمريكية، لم يرق لها هذا الاتفاق، وردت على لسان حزب الله بأنه سيقوم بالرد على أي ضربة أمريكية باستهداف إسرائيل بهجمات صاروخية قد تتسبب بإشعال حرب إقليمية. وما إعلان روسيا عن تأخيرها توريد أسلحة إلى سورية، بسبب تخلف الأخيرة عن سداد قيمة هذه الأسلحة، إلا تجلياً للخلاف الروسي السوري وضغوطا لحمل سورية على عدم الرد على الضربة الأمريكية المتوقعة.
هنا أسقط في يدي أوباما وأمسى حبيس خطوط حمراء رسمها بنفسه ولنفسه، لأنه لا يريد التورط من دون استعداد لحرب إقليمية بسبب ضربات أريد لها أن تكون محدودة وتأديبية – واستعراضية إلى حد ما. وفي ظل استحالة إعلان التراجع عن الضربة، آثر أوباما الهروب إلى الأمام عبر الطلب من الكونغرس، الذي كان ما يزال في إجازته الصيفية، التصويت على هذه الضربة علّه يحصل على فرصة لالتقاط الأنفاس. لم يضع أوباما كثيراً من الوقت، إذ بدأ بحشد التأييد للضربة الأمريكية من خلال التأثير على الشيوخ والنواب الموجودين في واشنطن ورضخ لضغوط بعضهم بتحويل الضربة من محدودة إلى ما يمكن أن يقوض قدرات الرئيس الأسد. وقد كان لأوباما ما أراد، وذهب لملاقاة بوتين في قمة مجموعة العشرين، متسلحاً بموافقة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي والجامعة العربية. ودعّم أوباما ذلك بإعلان 11 دولة مشاركة في هذه القمة تأييدها لرد دولي قوي على استعمال النظام السوري للسلاح الكيماوي، وتبع ذلك في اليوم التالي إعلان الاتحاد الأوروبي تأييد صيغة مشابهة. وتوّج هذا الحراك الدبلوماسي باجتماع كيري في باريس بوفد وزراء خارجية عرب برئاسة سعودية، كان الهدف منه تقديم التأييد السياسي والدعم المالي لتخفيف عبء الضربة على الاقتصاد الأمريكي.

كل هذه التحركات أعطت الانطباع بحصول أمريكا على الدعم الدولي المطلوب خارج أروقة الأمم المتحدة لضربة عسكرية محتومة في سورية، الأمر الذي يفسر العصبية الروسية والتصعيد المتمثل بزيادة حشودها البحرية في شرق المتوسط، واستعمال لغة ليس أقلها نعت الادعاءات الأمريكية بالكلام الفارغ، وجون كيري بالكاذب، ولا منتهاها اعتبار أي عمل عسكري خارج سياق مجلس الأمن عدوانا وخرقا واضحا للقانون الدولي. إلا أنه وبعكس الإيحاء الأمريكي بقرب وحتمية الضربة العسكرية، كان أوباما يعلم، وبحسب استطلاعات الرأي المبدئية، أن الكونغرس لن يجيز هذه الضربة بعد عودته من إجازته، ولذلك ترك الباب موارباً للحلول السياسية التي تتضمن تجريد سورية من أسلحتها الكيماوية، خلال مباحثاته مع بوتين على هامش قمة مجموعة العشرين، التي تلقفها الأخير بلهفة لإنقاذ سورية مما كان يعتقد أنها ضربة محتّمة، وقولبها في ما سمي لاحقاً بالمبادرة الروسية التي أقر بنفسه أنها ليست روسية بالكامل. ما زالت المبادرة الروسية تراوح مكانها على صفحات مسودة قرار في مجلس الأمن ومن السابق لأوانه الحكم عليها، إلا أن المرء لا يسعه إلا أن يكون مبهوراً بالدبلوماسية الأمريكية التي كانت تدق طبول الحرب بقوة، من دون أن تعزف لحنها كي تحول المأزق إلى فرصة.

‘ كاتب عربي

 

اترك رد