حسابات المصرف الأهلي العراقي 2025.. أرباح على الورق وتراجع حاد في السيولة

أرباح مرتفعة.. وسيولة تتآكل: 

المستقلة/ تحقيق خاص/- تكشف قراءة تدقيقية في الحسابات الختامية للمصرف الأهلي العراقي للسنة المالية المنتهية في 31 كانون الأول 2025 عن مفارقة مالية لافتة: أرباح مرتفعة تعلنها القوائم الرسمية، مقابل تراجع حاد في السيولة، واتساع في مجموعة من المؤشرات التي تثير أسئلة مهنية عن جودة النمو، وطبيعة الربحية، ومدى صلابة المركز المالي الفعلي. وقد استندت هذه القراءة إلى القوائم المالية الموحدة والإيضاحات والجداول الأساسية المرفقة بها، مع التركيز على الربط بين الربحية، والتدفقات النقدية، والتوسع الائتماني، والمخصصات، والودائع، والموجودات غير الملموسة، والحسابات الأخرى ذات الطبيعة الحساسة.

في ظاهر الأرقام، يبدو أن المصرف أنهى 2025 في وضع قوي، بعدما سجل ربحًا للسنة بلغ 308.5 مليار دينار عراقي، وربحًا قبل الضريبة بلغ 357.7 مليار دينار. لكن هذه الصورة تبدأ في التبدل بمجرد الانتقال إلى قائمة التدفقات النقدية، حيث يظهر أن النقد وما في حكمه انخفض خلال السنة بمقدار 273.4 مليار دينار، متراجعًا من نحو 1.537 تريليون دينار في بداية السنة إلى 1.263 تريليون دينار في نهايتها، فيما بلغ صافي التدفق من الأنشطة التشغيلية 33.1 مليار دينار فقط. وهذه المفارقة هي المدخل الأساسي لهذا التحقيق: كيف يحقق المصرف أرباحًا بهذا الحجم، بينما تتراجع سيولته بهذا الشكل؟

أرباح مرتفعة.. ونقد أقل

الربح المحاسبي، بحد ذاته، لا يكفي للحكم على جودة الأداء إذا لم يكن مدعومًا بتدفقات نقدية متماسكة. وفي حالة المصرف الأهلي العراقي، تبدو الفجوة واسعة بين الأرباح المعلنة وبين النقد المتاح فعليًا. وهذا لا يعني بالضرورة وجود خلل محاسبي، لكنه يفتح بابًا مشروعًا للتساؤل حول طبيعة هذه الأرباح: هل هي ناتجة عن نشاط تشغيلي عالي الجودة وقابل للتحول إلى نقد، أم أنها تعتمد جزئيًا على قيود محاسبية أو إيرادات غير نقدية أو توسع استهلك السيولة أكثر مما عززها؟

قفزة كبيرة في الإقراض

من أبرز ما تكشفه القوائم، أن إجمالي التسهيلات الائتمانية المباشرة ارتفع إلى 2.911 تريليون دينار في نهاية 2025، مقارنة مع 1.878 تريليون دينار في نهاية 2024، أي بزيادة تتجاوز تريليون دينار خلال عام واحد. وبعد تنزيل الفوائد المعلقة ومخصص الخسائر الائتمانية المتوقعة، بلغ صافي التسهيلات 2.786 تريليون دينار. وفي القراءة الأولية قد يبدو ذلك مؤشرًا على توسع ناجح في النشاط الائتماني، لكن القراءة المهنية الأكثر تحفظًا تنظر إلى هذا النمو السريع بوصفه تطورًا يحتاج إلى فحص أعمق، لا إلى احتفاء تلقائي.

نمو صحي أم مخاطرة مؤجلة؟

القوائم أظهرت أن التسهيلات غير العاملة بلغت 109.48 مليار دينار، أي ما نسبته 3.76% من إجمالي التسهيلات، مقارنة بـ 4.92% في السنة السابقة، ما قد يوحي بتحسن نسبي في جودة المحفظة. لكن هذا التحسن لا يمكن اعتباره حاسمًا من دون تحفظ، لأن تضخم المحفظة الائتمانية بسرعة كبيرة قد يحسن النسبة شكليًا بسبب اتساع المقام، لا بسبب تحسن فعلي في نوعية الائتمان. كما أن القروض الجديدة جدًا لا تختبر بسرعة من حيث التعثر الحقيقي، ما يجعل بعض المخاطر مؤجلة الظهور أكثر من كونها متراجعة فعلًا.

المخصصات تحت المجهر

بلغ مخصص الخسائر الائتمانية المتوقعة في نهاية 2025 نحو 101.56 مليار دينار، فيما بلغ مصروف مخصص الانخفاض والخسائر الائتمانية المتوقعة خلال السنة 30.88 مليار دينار. وهذه الأرقام ليست هامشية، لكنها تحتاج إلى قراءة أشد صرامة عند وضعها في مقابل قفزة القروض بأكثر من تريليون دينار خلال عام واحد. فالمخصصات ليست مجرد بند محاسبي، بل هي خط الدفاع الأساسي ضد تضخيم الأرباح وإخفاء الخسائر المؤجلة. وكلما كان النمو الائتماني سريعًا، أصبح من الضروري أن تكون المخصصات أكثر تحفظًا، لا أقل.

العمولات تتفوق على الفوائد

واحدة من أكثر النقاط لفتًا للانتباه في الحسابات الختامية أن صافي إيرادات العمولات بلغ 297.06 مليار دينار، وهو رقم يفوق صافي إيرادات الفوائد البالغ 227.68 مليار دينار. وهذه دلالة مهمة، لأنها تعني أن المصرف لا يحقق الجزء الأكبر من ربحيته من الوساطة المصرفية التقليدية وحدها، بل يعتمد بدرجة كبيرة على الرسوم والعمولات. وهذه الملاحظة، بحد ذاتها، لا تعني وجود مشكلة، لكنها تصبح أكثر حساسية عند معرفة المصدر الذي جاءت منه نسبة مهمة من تلك العمولات.

نافذة العملة في قلب الربح

تشير القوائم إلى أن حجم مشتريات المصرف لصالح الزبائن من نافذة العملة بلغ حتى نهاية 2025 نحو 17.828 مليار دولار أمريكي، وأن إيرادات العمولات المتحققة عنها بلغت 162.12 مليار دينار. وهذا يكشف أن نشاط نافذة العملة ليس هامشًا في ربحية المصرف، بل عنصرًا مركزيًا فيها. ومن هنا تبرز أسئلة مهنية شديدة الحساسية: إلى أي حد تعتمد ربحية المصرف على هذا النشاط؟ وهل تبقى هذه الإيرادات مستقرة إذا تغيرت البيئة التنظيمية أو الرقابية؟ وهل كل العمليات المرتبطة بهذا الحجم من المشتريات تعكس نشاطًا اقتصاديًا حقيقيًا وشفافًا للمستفيدين؟ القوائم لا تجيب عن ذلك بصورة قاطعة، لكنها تجعل هذا الملف في صلب القراءة الرقابية.

ودائع تنمو بظل القطاع العام

بلغت ودائع العملاء في نهاية 2025 نحو 3.971 تريليون دينار، مقارنة مع 3.463 تريليون دينار في السنة السابقة. كما أظهرت القوائم أن الودائع غير الحاملة لفوائد بلغت 2.891 تريليون دينار، أي ما نسبته 72.82% من إجمالي الودائع، وهي نسبة مريحة من حيث كلفة التمويل. لكن خلف هذا التحسن الظاهر، تبرز نقطة تستحق الانتباه، إذ إن ودائع القطاع العام العراقي ضمن ودائع الشركات الكبرى بلغت 651.10 مليار دينار، مقارنة مع 259.12 مليار دينار فقط في السنة السابقة. وهذه القفزة الكبيرة تطرح سؤالًا واضحًا حول ما إذا كان المركز الودائعي للمصرف يستند إلى توسع طبيعي في الثقة السوقية، أم إلى اعتماد أكبر على كتلة ودائع ذات طابع عام أو شبه عام.

مخاطر التركز في الودائع

التحقيق المالي الجاد لا يعد ودائع القطاع العام عنصرًا سلبيًا تلقائيًا، لكنه لا يتعامل معها أيضًا كعامل استقرار خالص. فالودائع الكبيرة المرتبطة بالقطاع العام قد تعزز الصورة الظاهرة للمركز المالي، لكنها قد تحمل في الوقت نفسه مخاطر تركز، وتكون أكثر عرضة للتغير بفعل قرارات أو ظروف لا ترتبط مباشرة بالأداء التجاري اليومي للمصرف. وهذا ما يجعل نمو هذا البند بهذه الوتيرة نقطة تستحق المتابعة لا مجرد المرور السريع.

الشهرة والموجودات غير الملموسة

بلغت الموجودات غير الملموسة 192.29 مليار دينار، منها 154.07 مليار دينار شهرة ناتجة عن الاستحواذ على شركات تابعة. والشهرة ليست أصلًا نقديًا أو ملموسًا، بل قيمة تقديرية تنشأ عندما يدفع المشتري سعرًا أعلى من القيمة الصافية للأصول القابلة للتحديد في الشركة المستحوذ عليها. والمشكلة هنا ليست في وجود الشهرة بحد ذاته، بل في حجمها وطبيعة البيئة التي نشأت فيها، خصوصًا في سنة شهدت توسعًا واستحواذات وضم شركات جديدة.

هل رفعت الاستحواذات المخاطر؟

كلما ارتفعت الشهرة، ازداد السؤال إلحاحًا: هل كانت تقييمات الشركات المستحوذ عليها واقعية ومتحفظة؟ وهل أُجريت اختبارات التدني بصورة صارمة؟ وهل تعكس هذه الشهرة منافع اقتصادية مستقبلية حقيقية، أم أنها تحمل قدرًا من التفاؤل المحاسبي الزائد؟ ففي سنوات الاستحواذات، ترتفع بطبيعتها مخاطر سوء التقييم وتحميل الميزانية بأصول معنوية قد تحتاج لاحقًا إلى اختبارات قاسية.

المساحة الرمادية بالحسابات

بلغت المطلوبات الأخرى نحو 274.37 مليار دينار، وداخل هذا البند تظهر عناصر مثل المصاريف المستحقة غير المدفوعة، والحسابات تحت التسوية، ودفعات مستحقة على حساب استثمار، ومبالغ مقبوضة لقاء تسجيل الشركات، وبنود أخرى متنوعة. كما بلغت الموجودات الأخرى 144.06 مليار دينار، متضمنة أصولًا مستملكة وفاء لديون، وتأمينات لدى الغير، ومبالغ مستقطعة، ومساهمات في كيانات تحت التأسيس، وغيرها. وهذه البنود تعد من أكثر المناطق التي تُقرأ عادة بتحفظ، لأنها قد تكون أوعية طبيعية للتسويات، وقد تتحول أيضًا إلى مساحات رمادية لتأجيل الحسم أو ترحيل آثار عمليات لم تغلق نهائيًا.

السيولة الظاهرة ليست حرة

تظهر القوائم أن التأمينات النقدية بلغت 888.55 مليار دينار، كما تكشف قائمة التدفقات النقدية عن ارتفاع الأرصدة المقيدة السحب لدى البنك المركزي بنحو 207.87 مليار دينار. وهذا يعني أن جزءًا مهمًا من الموارد النقدية أو شبه النقدية ليس متاحًا بالمرونة التي قد يتصورها القارئ العادي عند الاطلاع على المركز المالي. وهنا تبرز نقطة تدقيقية أساسية: ليس كل ما يظهر سيولة في الميزانية يعد سيولة حرة قابلة للاستخدام الفوري. وكلما ارتفعت البنود المقيدة، زادت الحاجة إلى التمييز بين السيولة الظاهرة والسيولة المتاحة فعلًا.

خلاصة التحقيق

بعد ربط هذه المؤشرات ببعضها، لا تبدو الحسابات الختامية لـ المصرف الأهلي العراقي لعام 2025 مجرد قصة أرباح مرتفعة، بل مشهدًا أكثر تعقيدًا: أرباح قوية يقابلها تراجع نقدي حاد، نمو ائتماني سريع تحيط به أسئلة عن الجودة، مخصصات تحتاج إلى اختبار أكثر صرامة، اعتماد بارز على العمولات ونافذة العملة، قفزة كبيرة في ودائع القطاع العام، وتضخم في الشهرة والموجودات غير الملموسة، إلى جانب اتساع في الحسابات الأخرى والمطلوبات تحت التسوية.

هذا التحقيق لا ينتهي إلى حكم نهائي أو اتهام قطعي، لكنه في الوقت نفسه لا يمنح الحسابات الختامية شهادة طمأنينة مجانية. والسؤال الذي يفرض نفسه بعد هذه القراءة ليس فقط: هل حقق المصرف أرباحًا؟ بل: ما جودة هذه الأرباح، وما مدى استدامتها، وما المخاطر التي قد تكون القوائم قد أجّلت ظهورها أو خففت من حدتها؟

زر الذهاب إلى الأعلى