زلزال الفساد يهز بغداد.. هل بدأ الزيدي تفكيك إمبراطوريات الأحزاب؟

المستقلة/- لم تعد القضية مجرد مسؤول يُعتقل أو ملايين الدولارات تُضبط داخل منزل أو خزنة. ما يجري في بغداد، وفق مؤشرات سياسية وقضائية متصاعدة، قد يكون بداية مواجهة مباشرة مع شبكة مصالح ضخمة تشكلت طوال سنوات داخل مؤسسات الدولة العراقية، وتحولت تدريجياً إلى ما يشبه «دويلات مالية» مرتبطة بالأحزاب والنفوذ والعقود والمناصب.

تقرير لصحيفة «الغارديان» البريطانية أعاد طرح السؤال الأخطر: هل بدأت حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي فعلاً تفكيك الإمبراطوريات المالية التي بنتها قوى سياسية داخل الدولة، أم أن العراق أمام جولة جديدة من حملات مكافحة الفساد التي تبدأ باعتقالات مدوية وتنتهي من دون تغيير حقيقي؟

الصحيفة تحدثت عن حالة من الارتياح الشعبي بعد سلسلة اعتقالات ومصادرات مالية، في بلد يكاد الغضب من الفساد يشكل إحدى النقاط القليلة التي يتفق عليها العراقيون بمختلف انتماءاتهم.

لكن هذه المرة تبدو المعركة أكثر خطورة.

فالزيدي أعلن منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة أن حصر السلاح ومكافحة الفساد يمثلان أولويتين لا خطوط حمراء فيهما، وهما ملفان يرتبط أحدهما بالآخر بصورة مباشرة، لأن القوى التي تمتلك النفوذ السياسي أو المسلح قد تمتلك في الوقت نفسه نفوذاً داخل العقود والمؤسسات والموارد المالية للدولة.

وتنقل «الغارديان» عن مصدر مطلع على الحكومة وصفه الحملة الجارية بأنها «زلزال حقيقي» داخل الطبقة السياسية، لأن الرسالة لم تعد موجهة إلى موظفين صغار، وإنما إلى قوى اعتادت التعامل مع مواقع الدولة باعتبارها مصادر تمويل ثابتة.

بحسب المصدر، فإن ما يجري يتجاوز ملاحقة حالات فساد منفردة، إلى محاولة لضرب الإمبراطوريات المالية التي نشأت حول الأحزاب السياسية.

وفي قلب هذه المنظومة، يأتي نظام تقاسم المناصب والنفوذ الذي تشكل بعد عام 2003.

وتنقل الصحيفة عن مصرفي دولي عمل سابقاً مع السلطات العراقية أن بعض الأحزاب تمكنت بمرور الوقت من إنشاء «دويلات داخل الدولة»، تستفيد من العقود والمشاريع واللجان والمناصب الحساسة.

ووفق التقديرات التي أوردها التقرير، فإن بعض شبكات النفوذ كانت تحصل على حصص تتراوح بين 5% و10% من عقود حكومية، بما يجعل الفساد، في حال صحة هذه المعطيات، نظاماً مالياً موازياً وليس مجرد تجاوزات فردية.

قضية عدنان الجميلي فجرت المشهد.

الرجل الذي كان يظهر قبل فترة قصيرة في مناسبات حكومية رسمية ويُقدم باعتباره مسؤولاً ناجحاً، وجد نفسه لاحقاً تحت التحقيق، فيما تحدثت المعلومات التي أوردها التقرير عن ضبط ملايين الدولارات ومليارات الدنانير وذهب وعقارات وأسلحة.

وتشير الاتهامات المنقولة في التقرير إلى شبكة أوسع مرتبطة بالعقود والمشتقات النفطية والعمولات، وهي اتهامات تبقى خاضعة للتحقيق والمحاكم المختصة.

لكن الجزء الأكثر حساسية جاء من حديث رئيس الوزراء نفسه، بحسب الصحيفة، عن محاولة رشوته بنحو 200 مليون دولار مقابل الإبقاء على الجميلي في منصبه، في حين تداولت تقارير أخرى أرقاماً أكبر.

وفي حال ثبوت هذه الوقائع قضائياً، فإن القضية تتجاوز فساد مسؤول واحد إلى سؤال أخطر: من كان يحميه؟ ومن كان يستفيد؟ وإلى أين كانت تذهب الأموال؟

مصادر تحدثت إليها الصحيفة قالت إن شبكة علاقات الجميلي لم تكن محصورة بجهة سياسية واحدة، بل توسعت لتشمل أطرافاً وشخصيات في مستويات مختلفة، وهو ما منحه، وفق تلك الروايات، شعوراً متزايداً بأنه أصبح خارج دائرة المساءلة.

وهنا تظهر أخطر نقطة في نظام الفساد السياسي: عندما يقتنع المسؤول بأن الحماية السياسية أقوى من القانون، تتحول المخالفة من استثناء إلى قاعدة.

التقرير أشار كذلك إلى مزاعم بشأن التلاعب في مخزونات الوقود وعمليات التسليم ووجود عمال وهميين ودفع أموال لمرشحين سياسيين، ما يفتح الباب أمام احتمال استخدام موارد الدولة في تمويل النفوذ الانتخابي والسياسي.

ولا يعني ورود هذه المزاعم في الصحيفة ثبوتها قضائياً، لكنه يضع حجم الملف تحت الضوء.

النفط في قلب العاصفة.

قطاع النفط يمثل الشريان المالي الرئيسي للعراق، وأي فساد فيه لا يهدد مشروعاً أو عقداً واحداً، بل يمكن أن يستنزف مليارات الدولارات ويخلق شبكات اقتصادية وسياسية يصعب تفكيكها لاحقاً.

ولهذا أشارت «الغارديان» إلى أن ملف تهريب النفط أثار اهتماماً أميركياً خاصاً، بالتزامن مع تشدد واشنطن في مراقبة حركة الأموال والشبكات المرتبطة بإيران والجهات الخاضعة للعقوبات.

وهنا يدخل العامل الأميركي بقوة.

مصادر الصحيفة تحدثت عن دعم أميركي متزايد للجهود القضائية العراقية، وعن تحول واشنطن نحو بناء علاقة أوثق مع القضاء بعد سنوات من الإحباط من وعود الإصلاح السياسي.

كما أشار التقرير إلى دور للمبعوث الأميركي توم باراك، بالتزامن مع خطاب أكثر حزماً بشأن احتكار الدولة للسلاح ومكافحة الفساد.

لكن السؤال الذي يخشاه الجميع في بغداد هو: ماذا يحدث إذا وصلت التحقيقات إلى رؤوس الأحزاب الكبرى؟

أحد المصادر طرح احتمال رد فعل الفصائل المسلحة أو الجهات الإقليمية إذا تجاوزت التحقيقات خطوطاً سياسية معينة، وهي نقطة تكشف حقيقة معقدة: مكافحة الفساد في العراق ليست معركة قضائية فقط.

إنها معركة مال وسلاح ونفوذ وأحزاب وتحالفات إقليمية.

ولهذا قد يكون اعتقال مسؤول أسهل بكثير من تفكيك النظام الذي صنعه وحماه واستفاد منه.

المصدر الحكومي الذي نقلت عنه الصحيفة كان واضحاً في تشخيصه: مرحلة اعتماد الأحزاب على حصصها من الدولة والمشاريع واللجان يجب أن تنتهي.

إذا تحقق ذلك فعلاً، فإن الأمر لن يعني فقط خفض معدلات الفساد، بل إعادة صياغة كاملة لنظام تمويل القوى السياسية.

وهذا تحديداً ما يجعل الحملة شديدة الحساسية.

فقطع المال عن شبكات النفوذ قد يكون أخطر عليها من خسارة وزارة أو منصب سياسي.

لكن لا شيء حتى الآن يضمن النتيجة.

العراقيون شاهدوا خلال العقدين الماضيين عشرات ملفات الفساد التي بدأت بضجيج إعلامي كبير، ثم اختفت أو انتهت بأحكام محدودة، فيما بقيت شبكات النفوذ قادرة على إعادة إنتاج نفسها.

لذلك لن يكون نجاح حملة الزيدي مقاساً بعدد المعتقلين، ولا بحجم الأموال المصادرة وحدها.

الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تقترب التحقيقات من الصف الأول.

هل ستُفتح ملفات من يوفرون الغطاء السياسي؟

هل ستصل التحقيقات إلى رؤساء الشبكات وليس المنفذين فقط؟

هل ستُكشف حركة الأموال والشركات والعقود والواجهات المالية؟

وهل ستُسترد الأموال إلى خزينة الدولة؟

أم ستتوقف الحملة عند شخصيات يمكن التضحية بها من دون المساس بالتوازن السياسي الكبير؟

العراق يقف اليوم أمام معادلة شديدة التعقيد: دولة تحاول استعادة سلطتها من شبكات تراكم نفوذها على مدى أكثر من عقدين، في وقت تواجه فيه ضغوطاً اقتصادية وأمنية وإقليمية غير مسبوقة.

ولهذا قد يكون السؤال الحقيقي أبعد من عدنان الجميلي أو أي اسم آخر:

هل تستطيع الدولة العراقية تفكيك «دويلات الأحزاب» من داخلها؟

إذا استمرت التحقيقات حتى النهاية ووصلت إلى شبكات المال والنفوذ والحماية، فقد يكون العراق أمام واحدة من أكبر عمليات إعادة ترتيب السلطة منذ عام 2003.

أما إذا توقفت عند حدود سياسية محسوبة، فسيكون ما يجري مجرد تغيير جديد في أسماء المستفيدين، فيما تبقى إمبراطورية الفساد نفسها على قيد الحياة.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى