من التوافقات السياسية إلى التكامل الاتحادي

مقالات مختارة/ د. أحمد فاتح محمد/- يقول الفيلسوف مونتسكيو في سفره “روح القوانين” إن غاية القانون ليست تقييد الحرية، بل حفظها وتوسيعها. وحين نستعير هذه الروح الفلسفية العظيمة لنقرأ الوثيقة الدستورية العراقية، ندرك أن الدستور ليس قواعد مدونة صماء لفض النزاعات. ومن هنا لا يمكن لأي نظام سياسي أن يحقق استقراره المنشود ومناعته الداخلية المطلقة إذا ما استبدل اليقين الذي تمنحه القاعدة الدستورية، بهشاشة اللحظة التي تفرضها التوافقات السياسية العابرة. على مدى عقدين من التجربة الفيدرالية، اتسمت العلاقة البينية بين السلطة الاتحادية في العاصمة بغداد وإقليم كردستان بالركون الدائم إلى المقاربة السياسية بديلا عن المقاربة الدستورية.

لقد تحولت الأزمات المرتبطة بتوزيع الثروات، والصلاحيات الحصرية، وإشكاليات الإدارة المشتركة، إلى مواسم دورية للتفاوض الآني. وهذا النمط الإداري، وإن نجح أحيانا في تأجيل الصدام، فإنه أفرغ القاعدة القانونية تماما من سمتها الآمرة والملزمة. إن الفقه الدستوري يرفض بشكل قطعي تام أن تتحول الوثيقة الأسمى في البلاد لورقة خاضعة لمزاج الفاعلين السياسيين، فالمشروعية الدستورية يجب أن تعلو دائما وأبدا على أية تسوية، لأن التسويات تبنى على توازن القوى المتغير، بينما يبنى الدستور على ثبات كيان الدولة.

إن استحقاقات هذه المرحلة الحالية تتطلب شجاعة فكرية واضحة للانتقال فورا من مرحلة إدارة الأزمة المفتعلة إلى التكامل المؤسساتي. هذا التكامل البنيوي لا يعني إطلاقا غلبة المركز ومصادرة استقلالية الإقليم، كما لا يعني أبدا تحول الإقليم لكيان منعزل تماما عن الفضاء الاتحادي. بل هو تجسيد لروح نظرية الدولة الاتحادية، التي تتوزع فيها الوظائف بانسجام تام. يتطلب هذا المسار عقلنة دستورية صارمة، تعيد الاعتبار الدستوري الحقيقي للمؤسسات الرسمية الرصينة باعتبارها الحاضنة الوحيدة لصناعة القرار. إن تحويل اللجان السياسية المؤقتة لهيئات حكومية بينية مستدامة، تعمل بانتظام وفق معايير الإدارة الرشيدة ومبادئ الفيدرالية المالية، هو المدخل الفعلي لتجريد العلاقة من حمولاتها العاطفية والتاريخية. الالتزام بالفهم المعمق للنص الدستوري يفترض بنا قراءة طبيعة علاقة السلطات الاتحادية بالإقليم بعيدا عن ثنائية الغالب والمغلوب.

فالقانون الدستوري الاتحادي لا يعترف إطلاقا بالهويات الفرعية كمعيار لإدارة الثروة أو بسط السلطة، بل يعترف بالمواطن كغاية نهائية للتشريع. حين نخضع قضايا الموازنة العامة، وملف الطاقة، وإدارة المنافذ الحدودية لسطوة النص الدستوري المجرد، فإننا نخلق مفهوم المواطنة و نحمي المواطن في السليمانية والبصرة على حد سواء من تبعات تقلبات المزاج السياسي. العقلنة الدستورية لا تعني تغليب سلطة على أخرى، بل تتطلب إرادة متبادلة لإخضاع المكاسب السياسية اللحظية لكافة الأطراف لسمو الدستور. وهو ما يقتضي أن تمارس المؤسسات الرقابية والقضائية دورها بحياد مجرد لضمان التوازن الاتحادي، ومعالجة الفراغات التي ينمو فيها العرف السياسي على حساب التكامل المؤسسي بين السلطتين الاتحادية والإقليمية.

الأوطان لا تبنى بالنيات الحسنة وحدها، ولا تدار الدول المعاصرة بجلسات المصالحة العرفية والتسويات المؤقتة، بل بنصوص قانونية نافذة تحترم دائما حتى لو كانت قاسية جدا.

إن الفيدرالية نظام إداري بالغ الرقي، صمم أساسا لحماية التنوع، ولكنه يحتاج وعيا مؤسساتيا كبيرا يوازي تعقيده العميق. طالما استمرت العقلية السياسية تعتقد جازمة بأن التوافقات الحزبية تستطيع إلغاء نفاذ القاعدة الدستورية، سنبقى ندور في فلك أزمات متلاحقة ومرهقة لا تنتهي. لقد حان الوقت لكي ندرك أن نضج التجربة العراقية مرهون بمغادرة خيام التفاوض المؤقتة، والدخول المؤسسي الآمن إلى صرح التكامل المؤسساتي، حيث لا صوت يعلو فوق الدستور، ولا سلطة تتجاوز المشروعية القانونية التي تنظم الشراكة في الوطن، وتصون حقوق المركز والإقليم على حد سواء.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى