
الرأي الآخر و المعارضة السياسية
د. حسين عبد القادر المؤيد*
إن حرية الرأي و المعتقد و حرية التعبير ، و حرية المعارضة السياسية ، حقوق ثابتة في المجتمعات المدنية ، تتعاهدها الأنظمة الديمقراطية ، و تكفلتها لوائح حقوق الإنسان ، و على رأسها الإعلان العالمي للأمم المتحدة ، و وثيقة العهد الدولي التي اعتمدتها الأمم المتحدة أيضا .
لقد عالجت الديمقراطية ، مشكلة اضطهاد الرأي المخالف و المعارضة السياسية ، فالديمقراطية تستوعب الجميع حتى من يعارض النظام السياسي نفسه و لا يؤمن بالقاعدة الفكرية للنظام السياسي ، ما لم يستخدم العنف و يتجاوز القوانين المتصلة بنَظم المجتمع . و من ثم لم يعد في الدول المتقدمة التي تطبق الديمقراطية ، حامل رأي و معتقد أو معارض سياسي ، في السجون أو المنافي أو في زمرة اللاجئين أو تحت أي لون من ألوان المنع و القمع .
في أمريكا منظمات و أشخاص لا يؤمنون بالنظام السياسي و قاعدته الفكرية ، و لكنهم يعامَلون كمواطنين على قدم المساواة و لهم كامل الحقوق بما في ذلك حق معارضة النظام السياسي نفسه ما دام أنهم يلتزمون بالسلمية . و لعل منظمة أنتيفا التي برز اسمها مؤخرا ، نموذج للمعارضة لأصل النظام السياسي و قاعدته الفكرية ، و تمارس نشاطاتها بحرية تامة .
و في أوروبا ، منظمات متطرفة لا تنسجم مع توجهات النظام السياسي و لا مع قيم المجتمع المدني الأوروبي ، و لكنها لسلميتها لا تتعرض للمنع و القمع ، و لا تُمس الحقوق القانونية الثابتة للمواطن ، للمنتمين لهذه المنظمات و المناصرين لها . و هناك أحزاب انفصالية في أوروبا ، تعمل سلميا بحرية تحت سقف القانون العام دونما تضييق أو قمع . و إذا كان ثمة مفارقة استثنائية أو محدودة ، في التعامل مع الرأي المخالف أو المعارضة السياسية ، فهي دائما تُواجَه في الأوساط الفكرية والسياسية
هناك ، بالاعتراض و التنديد ، و تبقى مفارقة لا تُحتذى .
إن المواطنة قيمة أساسية لا يمكن في الدولة المدنية الحديثة أن تُمَس او تُنتقص ، و إن حرية الرأي و المعتقد و التعبير ، حقوق طبيعية و قانونية يعتبر التطاول عليها خطا أحمر و جريمة لا يُتهاون بها و لا يُتهاون معها . هكذا يستوعب الوطن الجميع ، و يتكفل النظام السياسي حقوقَ مواطنيه على قدم المساواة ، و تلتزم الحكومات بذلك بوصفه واجبا و مسؤولية ، و حين تشذ عن ذلك ، تجد أمامها من وسائل الردع ما قد يصل الى سقوط الحكومة . فالديمقراطية نفسها تضمن تصحيح الخطأ و الحفاظ على المسار ، و هذا ما يؤدي الى تحقيق الأمن و الاستقرار و الرقي في الدولة و المجتمع ، و يضع حدا للعمل السرّي و حياكة المؤامرات و الانقلابات .
في عراقنا الحبيب ، يفتقد الشعب الى ذلك افتقادَه الى الديمقراطية الحقيقية التي ما تزال أُمنية و حلما . فالنظام السياسي لا يجسد الى الآن ، من الديمقراطية و المدنية ما يحقق ذلك ، في ظل نفوذ قوى مؤدلجة دينية أو سياسية أو مسلحة ، هي أبعد الناس عن الديمقراطية و المدنية فكرا و سلوكا ، فقائمة المضطهدين و الضحايا من المعارضين و ذوي الرأي المخالف طويلة و لم تُختَتم ، و أعداد المهاجرين و اللاجئين بسبب اضطهاد الرأي الآخر و المعارضة السياسية ، أعداد ملفتة للنظر ، و لا يمكن أن
تشي بوجود حقيقي للديمقراطية و الحرية و حقوق الإنسان في العراق .
و هكذا لم يعد الوطن للجميع ، بل وصل ضيق الأفق و الصدر ، حدا صار معه استبعاد المخالف و المعارض عن الوطن ، ما لم يتم تدجينه ، رغبة و مزاجا نفسيا و سياسة لقوى نافذة في العملية السياسية و المشهد السياسي في العراق ، و كأن العراق ملك لهذه القوى و ضيعة لها ، و صار الوطني المخلص لانتمائه العراقي ، غريبا في المنافي ، يموت و لا يحصل في وطنه على قبر ، بينما يرتع في البلد من لا يحمل رائحة الانتماء الوطني ، و لا يتعامل مع الوطن إلا كمتجر لمصالحه و أرباحه ، و سُلّما لنفوذه و تصدّره .
يجب العمل على وضع حد لثقافة و سياسة اضطهاد الرأي الآخر و المعارضة السياسية ، و لو كانت للنظام السياسي نفسه ما دامت معارضة سلمية .
إن احتضان العراق لكل مواطنيه ، يجب أن يكون واقعا لا يستطيع أحد مسّه و التطاول عليه ، و يجب أن يحظى كل عراقي بفرصه في الحياة في وطنه حرا كريما . و لن يتحقق ذلك إلا في ظل عمل السلطة في العراق بواجبها في الالتزام بالإفراج عن سجناء الرأي و بعودة المعارضين العراقيين في الخارج الى وطنهم و ضمان أمنهم ، و التكفل بحرية الرأي و المعتقد و التعبير و المعارضة السياسية في العراق دون سقف ، سوى سقف السلمية و عدم الإخلال بنَظم المجتمع ، و من الواضح أن ذلك يتوقف فيما يتوقف عليه على الإجراءات و التشريعات و الضمانة القضائية الكافلة لذلك ، و نبذِ القوانين و الإجراءات التعسفية التي تلتف على حرية المعارض و حقوقه أو تحول دونها ، و على ضمان البيئة الآمنة للحريات و النشاط السياسي و المدني .
إن تحقيق ذلك ، يتطلب نضالا شعبيا لا يهدأ حتى ينجِز ، و عملا دؤوبا تتحمل مسؤوليته القوى الوطنية المدنية التي يجب أن توظف القوانين و المنظمات و العلاقات الدولية لإيجاد هذا الواقع و ترسيخه .
من حيث المبدأ ، يعتبر وجود أي عراقي خارج العراق أو في سجونه ، بسبب اضطهاد حقه الطبيعي و القانوني في حرية الرأي و التعبير و المعارضة السلمية ، سمة سلبية مخلّة بأي نظام سياسي و سلطاته التشريعية و التنفيذية و القضائية ، و مؤشرا على عدم ترجمة الديمقراطية على أرض الواقع .
إن لحرية المعتقد و الضمير و الرأي و التعبير في الدولة المدنية الحديثة ، احتراما عظيما يصل حدّ التقديس ، و احترام هذه الحرية و عدم الالتفاف عليها ، هو صمام أمان للتعايش و الأمن و الاستقرار و الرقي ، و هو خير وسيلة لانفتاح مجال الإبداع و تلاقح الأفكار و تكاملها ، و هو أهم عامل في السلامة النفسية للأفراد و المجتمعات .
*مفكر و سياسي عراقي مستقل
أخبار قد تهمك
الكهرباء العراقية تستعد لخطة 2027.. محطات جديدة وتوسعة للشبكات
500 مليار دينار لقروض الإسكان.. تمويل جديد يفتح باب الأمل أمام 10 آلاف عراقي
التربية تحدّث مناهج الأول الابتدائي والرابع الإعدادي
العراق يعيد هيكلة ملف التسليح لمكافحة الفساد
الذهب يستعيد بريقه.. الأسواق تترقب الفيدرالي وتبحث عن اتجاه الفائدة
قاليباف في بغداد.. زيارة إيرانية برسائل سياسية وأمنية في توقيت حساس
النفط يصعد لليوم الرابع.. مضيق هرمز يعيد رسم خريطة الإمدادات والأسواق تترقب
المستقلة تكشف.. المركزي العراقي يناقش حذف أصفار الدينار
الموسوي: خلافات مع المراجع الأعلى وراء تغيير إدارة مصفى كربلاء
الخفاجي يكشف عن ارتفاع النفقات التشغيلية إلى مستويات قياسية تثير القلق المالي
استصلاح ١٠ ابار بحقل حلفاية النفطي في ميسان



