النفط يصعد لليوم الرابع.. مضيق هرمز يعيد رسم خريطة الإمدادات والأسواق تترقب

المستقلة/- تواصل أسعار النفط صعودها في الأسواق العالمية، مسجلة مكاسب لليوم الرابع على التوالي، في ظل تصاعد المخاوف بشأن مستقبل الإمدادات النفطية العالمية، بالتزامن مع حالة الغموض التي تحيط بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة في العالم.

وارتفع خام برنت في التعاملات المبكرة إلى نحو 91.28 دولاراً للبرميل، فيما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى نحو 85.31 دولاراً، ليواصل الخامان الاقتراب من أعلى مستوياتهما في الأسابيع الأخيرة.

ورغم أن الارتفاع الحالي لا يزال محدوداً من حيث النسبة المئوية، فإن أهميته تكمن في استمراره لعدة جلسات متتالية، ما يعكس تغيراً واضحاً في تقييم المستثمرين لمخاطر الإمدادات.

هرمز.. العامل الأكثر تأثيراً

الأسواق لا تتعامل حالياً مع أسعار النفط باعتبارها انعكاساً للعرض والطلب فقط، بل تضيف إليها ما يعرف بـعلاوة المخاطر الجيوسياسية.

ومضيق هرمز يمثل نقطة حساسة للغاية بالنسبة لسوق النفط العالمي، لأن أي اضطراب طويل في حركة السفن عبره يمكن أن ينعكس سريعاً على كميات النفط المتاحة للمشترين، وعلى تكاليف النقل والتأمين، وبالتالي على الأسعار النهائية.

وتزداد حساسية السوق مع تضارب التصريحات بشأن وضع الملاحة في المضيق؛ ففي الوقت الذي تؤكد فيه واشنطن أن المضيق مفتوح، تشير تصريحات إيرانية إلى استمرار القيود على حركة الملاحة.

هذا التضارب بحد ذاته كافٍ لدفع شركات الشحن والمشترين إلى إعادة تقييم المخاطر.

انتهاء الهدنة يرفع مستوى القلق

تزامن ارتفاع النفط مع تراجع الآمال بإمكانية التوصل إلى تسوية سريعة للصراع بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً بعد انتهاء اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت.

وفي أسواق النفط، لا تحتاج الحرب بالضرورة إلى استهداف منشآت نفطية حتى ترتفع الأسعار.

مجرد وجود خطر على خطوط الملاحة أو منشآت الإنتاج أو طرق التصدير يمكن أن يدفع المتعاملين إلى رفع علاوة المخاطر على الأسعار.

وهذا ما يفسر استمرار النفط فوق مستوى 90 دولاراً لخام برنت.

العراق أمام اختبار نفطي جديد

بالنسبة للعراق، فإن التطورات الحالية تحمل أهمية استثنائية.

فالاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على الإيرادات النفطية، ولذلك فإن ارتفاع أسعار الخام يمكن أن يوفر دعماً إضافياً للإيرادات العامة، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم المخاطر المرتبطة باعتماد الصادرات على طرق بحرية محددة.

ولهذا جاء تحرك الحكومة العراقية لإقرار آليات لتصدير النفط الخام عبر شركات دولية ومحلية متخصصة ومن خلال منافذ تصدير مختلفة، لمدة ثلاثة أشهر اعتباراً من الأول من سبتمبر/أيلول، ليعكس محاولة للتعامل مع مخاطر اضطراب طرق التصدير التقليدية.

والرسالة الاقتصادية الأهم هنا أن العراق لا يستطيع التعامل مع أمن صادراته النفطية باعتباره ملفاً فنياً فقط؛ بل أصبح جزءاً من الأمن الاقتصادي الوطني.

شركات الشحن تبدأ بإعادة حساباتها

من المؤشرات المهمة في السوق أن بعض شركات الشحن بدأت بالفعل في تعديل مساراتها.

وبحسب المعلومات المتداولة في السوق، أوقفت شركتان صينيتان كبيرتان في مجال الشحن إرسال ناقلات النفط عبر مضيقي هرمز وباب المندب، واتجهتا إلى تحميل شحنات النفط بعيداً عن منطقة الخليج.

هذه الخطوة، إذا استمرت، قد ترفع تكاليف النقل والتأمين وتطيل زمن وصول الشحنات، حتى في حال استمرار تدفق النفط فعلياً.

وهنا تكمن نقطة مهمة:

أسعار النفط لا ترتفع فقط عندما ينخفض الإنتاج، بل يمكن أن ترتفع أيضاً عندما ترتفع تكلفة الوصول إلى النفط.

المخزونات الأميركية تخفف بعض المخاوف

في المقابل، تظهر بيانات السوق الأميركية عاملاً داعماً للأسعار، مع تراجع مخزونات النفط الخام ونواتج التقطير الأسبوع الماضي، بحسب بيانات أولية نقلتها مصادر في السوق عن معهد البترول الأميركي.

لكن ارتفاع مخزونات البنزين يقدم إشارة معاكسة، ويؤكد أن الصورة في السوق الأميركية ليست باتجاه واحد.

ولهذا ستتجه الأنظار إلى البيانات الرسمية للمخزونات، لأنها قد تمنح الأسواق مؤشراً أكثر وضوحاً بشأن قوة الطلب الأميركي وتوازن السوق.

هل يتجه برنت إلى 100 دولار؟

السؤال الذي بدأ يعود بقوة إلى الأسواق هو: هل يمكن أن يصل برنت إلى 100 دولار؟

الجواب يعتمد بصورة أساسية على مدة اضطراب الإمدادات وحركة الملاحة.

إذا بقيت الممرات البحرية مفتوحة واستمرت الصادرات من دون تعطلات كبيرة، فقد تهدأ علاوة المخاطر تدريجياً.

أما إذا تحول اضطراب الملاحة إلى تعطيل فعلي ومستمر لشحنات النفط، فإن الأسعار قد تدخل مرحلة أكثر حدة، وقد يصبح مستوى 100 دولار للبرميل هدفاً نفسياً وسوقياً قابلاً للاختبار.

لكن الوصول إلى هذا المستوى لا يعني بالضرورة استمرار الأسعار عنده، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع النفط الحاد إلى تراجع الطلب وزيادة الإنتاج من مصادر أخرى، فضلاً عن تدخلات المنتجين والمستهلكين لتقليل آثار الصدمة.

العراق والرابح المحتمل من ارتفاع الأسعار

ارتفاع النفط فوق 90 دولاراً يمكن أن يكون خبراً إيجابياً للمالية العراقية، خصوصاً أن كل زيادة في سعر البرميل تنعكس، نظرياً، على الإيرادات النفطية إذا بقي حجم الصادرات مستقراً.

لكن المعادلة ليست بهذه البساطة.

فالعراق يحتاج إلى ضمان استمرار تدفق صادراته، لأن ارتفاع السعر العالمي لا يفيد المالية العامة إذا ترافق مع انخفاض كبير في الكميات المصدرة.

كما أن ارتفاع أسعار النفط عالمياً قد يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل والطاقة والسلع المستوردة، ما يجعل المكاسب النفطية بحاجة إلى إدارة مالية دقيقة.

المعركة الحقيقية في السوق

السوق النفطية اليوم لا تراقب فقط عدد البراميل المنتجة، بل تراقب قدرة هذه البراميل على الوصول إلى الأسواق العالمية.

وهذا هو السبب وراء حساسية المستثمرين تجاه مضيق هرمز، ومسارات الناقلات، وشركات التأمين، ومخزونات النفط، والتصريحات السياسية القادمة من واشنطن وطهران.

وبالنسبة للعراق، فإن التطورات الحالية تفرض سؤالاً استراتيجياً أكبر من سعر النفط:

هل يمتلك العراق ما يكفي من البدائل لحماية صادراته عندما تتعرض طرق التصدير البحرية للخطر؟

فارتفاع الأسعار قد يمنح بغداد إيرادات إضافية، لكن حماية تدفق النفط تبقى العامل الحاسم.

وفي ظل استمرار الغموض الجيوسياسي، يبدو أن سوق النفط دخلت مرحلة جديدة عنوانها: ليس المهم فقط كم ينتج العالم من النفط، بل كيف وأين يمكن نقله بأمان.

ولهذا ستبقى أسعار الخام خلال الفترة المقبلة شديدة الحساسية لأي تطور عسكري أو دبلوماسي يتعلق بإيران والولايات المتحدة ومضيق هرمز، فيما يترقب العراق تحديداً انعكاسات هذه الأزمة على صادراته وإيراداته وقدرته على حماية أهم مصدر لتمويل اقتصاده.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى