500 مليار دينار لقروض الإسكان.. تمويل جديد يفتح باب الأمل أمام 10 آلاف عراقي

المستقلة/- تستعد وزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامة لإطلاق قروض صندوق الإسكان للعام الحالي، بتخصيص مالي يبلغ 500 مليار دينار، في خطوة تستهدف مساعدة المواطنين على بناء مساكنهم، وسط إقبال متزايد على برامج التمويل السكني في العراق.

ومن المقرر أن يبدأ التقديم يوم الأحد 23 آب، ولمدة أربعة أيام، ليشمل بغداد والمحافظات، فيما تشير الوزارة إلى أن المبلغ المخصص يكفي لنحو 10 آلاف مقترض فقط، وهو رقم يعكس في الوقت نفسه حجم البرنامج وحدود قدرته على تلبية الطلب المتزايد.

القروض التي يصل سقفها إلى 60 مليون دينار، وبمدة تسديد تصل إلى 15 عاماً، تمثل فرصة مهمة للمواطنين، خصوصاً مع وجود خيار التمويل بدون فائدة، وهو العامل الذي يجعل قروض صندوق الإسكان أكثر جذباً مقارنة بالعديد من مصادر التمويل الأخرى.

لكن محدودية المبلغ المخصص تعني أن آلاف المتقدمين قد لا يحصلون على التمويل، وهو ما يجعل آلية توزيع القروض وترتيب الأولويات مسألة أساسية لضمان العدالة بين المواطنين.

وتقول الوزارة إن حصة كل محافظة ستحدد وفق معايير تتعلق بعدد السكان ونسبة الفقر، وهي آلية يمكن أن تساعد في توجيه التمويل إلى المناطق الأكثر احتياجاً، بدلاً من توزيع الأموال بالتساوي من دون النظر إلى الاختلافات السكانية والاقتصادية بين المحافظات.

الجديد هذا العام هو اعتماد نوعين من القروض، الأول بدون فائدة، والثاني بفائدة تبلغ 2 بالمئة، مع منح الأولوية للقروض غير الربحية حتى نفاد الحصة المقررة لكل محافظة، قبل الانتقال إلى النوع الثاني.

ومن الناحية الاقتصادية، يمثل هذا التوجه محاولة لتوسيع نطاق الاستفادة من الأموال المتاحة، خصوصاً أن الصندوق يعمل وفق نظام التمويل الذاتي، أي أن الأموال التي يتم تسديدها من المقترضين تعود إلى الصندوق لتستخدم في تمويل مقترضين جدد.

وهذا يجعل التزام المواطنين بالتسديد عاملاً أساسياً في استمرار البرنامج.

فالقرض السكني لا يمثل مجرد مساعدة مالية لمرة واحدة، وإنما دورة تمويلية تعتمد على استرداد الأموال وإعادة تدويرها. وكلما ارتفعت نسبة الالتزام بالسداد، ازدادت قدرة الصندوق على تمويل أعداد أكبر من المواطنين في السنوات المقبلة.

ولهذا فإن اعتماد التسديد الإلكتروني وتشديد الإجراءات على حالات التأخر يمكن أن يساعد في حماية أموال الصندوق وضمان استمرار القروض.

وفي المقابل، فإن فرض غرامات على المتأخرين، ومفاتحة جهة الكفيل عند استمرار التأخر، يهدف إلى تقليل نسب التعثر، خصوصاً أن القروض تمتد لفترات طويلة قد تصل إلى 15 عاماً.

ومن النقاط اللافتة في آلية التقديم الجديدة تقليص الوثائق المطلوبة إلى ثلاث وثائق فقط: البطاقة الوطنية الموحدة، وسند العقار، وإجازة البناء.

تقليل الإجراءات يمكن أن يساهم في تسريع عملية التقديم وتقليل البيروقراطية، لكنه في الوقت نفسه يتطلب نظاماً إلكترونياً قادراً على التحقق من صحة البيانات والملكية العقارية ومنع الازدواجية أو التلاعب.

أما استبعاد أصحاب الأراضي الزراعية التي تم تحويلها إلى سكني بموجب القرار 320 لسنة 2022، فيفتح ملفاً قانونياً وعقارياً واسعاً يتعلق بطبيعة الملكية والسندات المقبولة ضمن برامج التمويل الحكومية.

الوزارة أوضحت أن الأفضلية ستكون لمن يمتلك سنداً عقارياً «طابو صرف»، وأن الأولوية ستكون لغير المتجاوزين، في ظل محدودية الأموال وعدم إمكانية تغطية جميع الطلبات.

وهنا تظهر واحدة من أكبر مشكلات ملف السكن في العراق: حجم الطلب أكبر بكثير من قدرة برامج التمويل الحكومية الحالية.

العراق يحتاج إلى ملايين الوحدات السكنية، بينما تمويل 10 آلاف مواطن فقط يمثل جزءاً محدوداً من الاحتياجات الفعلية.

لذلك فإن قروض صندوق الإسكان، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون الحل الوحيد لأزمة السكن.

الحل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل زيادة المعروض من الوحدات السكنية، وتطوير المدن الجديدة، وتوفير الأراضي المخدومة، وتسهيل القروض، وتشجيع الاستثمار العقاري، وتنظيم القطاع المصرفي ليكون قادراً على تقديم تمويل سكني طويل الأجل وبشروط مناسبة.

كما أن ارتفاع أسعار الأراضي ومواد البناء يمثل تحدياً أمام المواطنين حتى في حال حصولهم على القرض. فمبلغ 60 مليون دينار قد يساعد في تمويل جزء مهم من عملية البناء، لكنه قد لا يكون كافياً في جميع المناطق لبناء منزل متكامل، خصوصاً مع اختلاف أسعار العقارات وتكاليف الإنشاء بين بغداد والمحافظات.

ومن هنا فإن نجاح البرنامج لا يقاس فقط بعدد القروض الممنوحة، وإنما بقدرة هذه القروض على تحويل التمويل إلى وحدات سكنية فعلية.

ومع انطلاق التقديم، ستكون الشفافية في إعلان النتائج وتحديد المستفيدين وآليات المفاضلة من أهم عوامل نجاح البرنامج، خصوصاً في ظل الإقبال المتوقع من أعداد كبيرة من المواطنين.

وبين 500 مليار دينار مخصصة، وسقف يصل إلى 60 مليون دينار للقرض، وفترة سداد تصل إلى 15 عاماً، يواجه صندوق الإسكان معادلة دقيقة بين محدودية موارده واتساع الحاجة السكنية.

في النهاية، تمثل قروض صندوق الإسكان فرصة حقيقية لآلاف العراقيين، لكنها في الوقت نفسه تكشف حجم الفجوة بين التمويل الحكومي والاحتياجات السكنية الفعلية.

والسؤال الذي سيبقى مطروحاً ليس فقط: من سيحصل على القرض؟

بل أيضاً: كيف يستطيع العراق تحويل برامج القروض من حلول محدودة لعشرات الآلاف إلى سياسة إسكان وطنية قادرة على معالجة أزمة السكن لملايين المواطنين؟

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى