من اجل خطاب اعلامي متوازن

نزار عبد الغفار السامرائي

التنافس السياسي على السلطة في العراق افرز الكثير من الصراعات متعددة الاتجاهات بين الفرقاء الذين يتوجهون في كثير من الاحيان الى الشارع الشعبي لاستثارته واستمالة عواطفه في تأجيج المشاعر ضد الآخر بشتى الطرق اهمها الاعلام الذي يعد الوسيلة الافضل للوصول الى المتلقي/الهدف ورسم صورة ذهنية ضد الاطراف السياسية المنافسة تبقى حاضرة عند رسم التصورات عن اية حالة يمر بها البلد .

وفي الوقت الذي تقع على الاعلام مسؤولية صعبة بايجاد التوازن في رسم الخطاب العام وتقديم المعلومة الصحيحة للرأي العام من اجل مساعدته على بناء رؤية صحيحة والتوصل الى قرارات تسهم في دفع البلد بعيدا عن حافة الانهيار التي تدفع باتجاهها المصالح الفئوية والسياسية المختلفة ، نجد للاسف ان الخطاب الاعلامي ينزاح باتجاه الاهداف السياسية ليتحول الى صدى للخطاب السياسي الذي تبتغيه الكتل المتصارعه ، وبذلك فأنه بدلا من ان يبني خطابا مستقلا فاعلا ، يعمل على اعادة انتاج الخطاب السياسي ورسم اتجاهات متوافقة مع ما يبتغيه من اثارة الرأي العام وتوجيهه وفق ما يريده صانع الخطاب السياسي مما يزيد التوتر داخل المجتمع بدلا من العمل على حصر الصراع داخل الطبقة السياسية الحاكمة.

وهذا الامر هو ما يمكن ان يحصل في الدول (الديمقراطية) حيث تعمل الحكومات او الاحزاب المهيمنة على توظيف الاعلام لتحقيق غاياتها وبالتالي الحصول على تأييد الرأي العام للمواقف التي تتخذها على اساس انها ضرورية للمجتمع وتعبر عن اتجاهات الرأي فيه وتمثل مصالحه ، وبالتالي تحقق الهيمنة على المجتمع الذي ينساق الى ما يقدم له من اراء عبر وسائل الاعلام المختلفة وبأشكال متعددة.

ان الاعلام في كثير من هذه الحالات لا يعمل في ظلّ السلطات القائمة (الحكومة او الاحزاب الموالية والمعارضة) بشكل مباشر فهو يتبع آليات الاعلام الحر الذي تديره رؤوس الاموال الخاصة ويدار من قبل صحفيين واسماء لا تحمل ارتباطات تنظيمية بجهة ما، لكن من جهة اخرى فأنه يجد تمويلا ودعما من هذه الجهات بشكل غير مباشر ، وهذا ضروري من اجل ديمومته واستمراره ، ويتمثل بالإعلانات والمنح ،او بتزويده بالمعلومات التي لا يصل اليها الاخرون ، وتتساوق هذه المعلومات مع الاهداف التي تريد الاحزاب او الكتل السياسية او حتى السلطة المهيمنة ان تحققها داخل المجتمع لتحصل في حالة تفاعلها مع الرأي العام على حالة من الاذعان تمرر عبرها القرارات التي تريدها بشكل يجعل المواطن يشعر بأنها ضرورية لاجتياز المرحلة وبالتالي فان السلطة هي تعمل من اجل المجموع وبالتالي فان القبول بما يحدث هو جزء من واجب المواطن تجاه وطنه او الجهة التي يتفاعل معها وينتمي اليها سواء اكانت سياسية او دينية او قومية.

وهنا يظهر المثقف في الساحة حيث يتخذ دور الموجه والمحلل عبر ” كمية هائلة من الكتب والبروشورات والمقالات في المجلات والصحف والاحاديث والجدالات، التي تتكرر بلا نهاية وتشكل بمجموعها الهائل ذلك الجهد المستمر الذي تولد منه الارادة الجماعية بدرجة معينة من التجانس ،وبدرجة ضرورية لنجاح الفعل المتناسق والمتواقت في الزمان والفضاء الجغرافي ” ويرى المفكر الايطالي غرامشي ان المثقفين ” هم اجراء الجماعة المهيمنة ،المستخدمون من اجل تنفيذ الوظائف المسخرة لمسائل الزعامة الاجتماعية والادارة السياسية” .

ان اتجاهات السلطات الفاعلة نحو المثقف ليس لكونه الاكثر انحيازا للصراعات او الاكثر طائفية وتعصب ولكن لقدرته على النفاذ الى وسائل الاعلام المختلفة وبالتالي يستطيع تسويق الخطاب الذي يعمل على اعادة انتاجه بشكل اكثر فاعلية من غيره ، لكون معظم الأفراد (الجمهور) يتجهون ويتحركون في الاتجاه الذي تدعمه وسائل الإعلام وبالتالي يتكون الرأي العام بما يتناسق مع الأفكار التي تدعمها وسائل الإعلام.وفق ما اشارت اليه نظرية (دوامة الصمت) الاعلامية.

من هنا لاحظنا ان توجهات الجمهور تنبني على ما يقدمه الاعلام لها من رؤى وتوجهات على اساس كونها حقائق لا لبس فيها وهذا يتبع ايضا موقف المتلقي ازاء الوسيلة الاعلامية (الفضائية او الجريدة) التي تقدم الخطاب ،فكلما لامست عواطفه ورغباته كلما كانت الاقرب اليه وبالتالي يكون على استعداد لتبني الخطاب الذي تقدمه له ، دون ان يعي ان هذا الخطاب هو اعادة انتاج للخطاب السياسي الذي يرفضه بالاساس.

ان خطورة الدور الذي يمارسه الاعلام في بناء توجهات الجمهور والرأي العام لاسيما في ظلّ الظروف التي يمر بها البلد اليوم ، يتطلب اعادة النظر في بناء الخطاب الاعلامي من اجل بناءه وفق اسس صحيحة تبعده عن فخ اعادة انتاج الخطاب الاعلامي وبالتالي ان يكون شريكا في الصراعات السياسية ومحاولات الهيمنة على السلطة بدلا من ان يكون مركز وعي للمواطن عبر تقديمه المعلومة الصحيحة وتوضيح الاراء والاتجاهات المختلفة في المجتمع من اجل مساعدة المواطن على اتخاذ القرار فيما يخص القضايا المطروحة.

ان مهمة الاعلام اليوم هو ان يكون عاملا مساعدا على بناء المجتمع وفق اسس صحيحة ، ما يتطلب الابتعاد عن تبني المواقف السياسية المتشجنة والهادفة الى ازاحة الخصم عن الساحة حتى لو كانت على حساب الحقائق ، وبالتالي يجب ان يعمل الاعلام العراقي (المستقل)على اجتراح خطابه الخاص المبني على مواقف مستقلة حقيقية ، حتى يمكنه تحقيق سلطته بشكل ما ، بدلا من البقاء تحت هيمنة سلطات اوسع منه تسيره بالشكل الذي تريده ووفق مصالحها ورغباتها الفئوية او الشخصية .

أخبار قد تهمك

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى