بغداد تختنق.. إغلاق معامل وكور صهر المعادن يفتح ملف التلوث البيئي

المستقلة/- في وقت تتزايد فيه شكاوى سكان العاصمة بغداد من الروائح الكريهة وانتشار ملوثات الهواء، تحولت منطقة سبع قصور شرقي بغداد إلى واحدة من أبرز بؤر التلوث التي دفعت الجهات الأمنية والبيئية إلى التحرك، بعد الكشف عن معامل ومواقع لصهر المعادن تعمل خارج الضوابط القانونية والبيئية.

وأعلنت قيادة عمليات بغداد إغلاق معملين غير مجازين لإنتاج الأواني المنزلية، إلى جانب إزالة ثمانية مواقع تضم كوراً لصهر المعادن، فيما جرى اعتقال ستة من أصحاب المواقع المخالفة، ضمن حملة نفذتها لجنة الأمر الديواني (241285) بالتعاون مع جهاز الأمن الوطني والجهات البيئية والبلدية.

ولا تبدو القضية مجرد مخالفة إدارية أو تجاوز على شروط الترخيص، إذ إن عمليات صهر المعادن وإنتاجها في مواقع غير مؤهلة يمكن أن تتحول إلى مصدر مباشر لانبعاث الغازات والأدخنة والروائح، خصوصاً عندما تفتقر تلك المواقع إلى أنظمة معالجة الانبعاثات أو إجراءات السلامة المطلوبة.

وتأتي هذه الإجراءات في وقت تعيش فيه بغداد حالة من القلق البيئي المتزايد، بعدما تحدث سكان في مناطق مختلفة من العاصمة عن روائح نفاذة وغريبة، وصفها بعضهم بأنها قريبة من رائحة الكبريت، الأمر الذي أعاد ملف مصادر التلوث إلى الواجهة، وطرح تساؤلات بشأن قدرة الجهات المعنية على تحديد مصادر هذه الانبعاثات ومعالجتها بشكل جذري.

وفي هذا السياق، حذر مرصد العراق الأخضر من احتمال تكرار ظاهرة الروائح الكريهة خلال الأيام المقبلة، مشيراً إلى استمرار وجود مصادر للتلوث من دون معالجة جذرية لها.

وتبرز هنا مشكلة أكبر من مجرد إغلاق عدد من المعامل؛ فبغداد تضم مناطق صناعية ومواقع لحرق النفايات وأنشطة إنتاجية مختلفة، وبعضها يقع بالقرب من المناطق السكنية، ما يجعل المواطنين الأكثر تعرضاً لأي انبعاثات أو أدخنة ناتجة عن هذه الأنشطة.

كما أن الحديث عن احتمال ارتباط بعض الروائح بحرق النفايات في النهروان ومواقع قريبة من معسكر الرشيد يحتاج إلى فحوصات بيئية ميدانية وقياسات رسمية للهواء، بعيداً عن التفسيرات غير المؤكدة. فالمواطن لا يحتاج إلى روايات متضاربة بقدر حاجته إلى معرفة مصدر التلوث الحقيقي، ونوع المواد التي يتنفسها، ومدى خطورتها.

إغلاق المعامل المخالفة خطوة مهمة، لكنها لن تكون كافية إذا بقيت المشكلة محصورة في حملات مؤقتة. المطلوب هو مسح شامل لمصادر التلوث في بغداد، وتشديد الرقابة على المعامل والكور والمواقع الصناعية، ومنع حرق النفايات عشوائياً، وإعلان نتائج الفحوصات البيئية للرأي العام.

فالعاصمة التي يعاني سكانها من تلوث الهواء لا تحتاج فقط إلى إغلاق موقع مخالف، وإنما إلى خطة متكاملة تكشف: من أين تأتي الروائح؟ من المسؤول عنها؟ ولماذا استمرت هذه المصادر بالعمل رغم وجود الجهات الرقابية؟

وبين دخان المعامل وروائح النفايات والملوثات المتراكمة، يبقى السؤال الأهم: إلى متى ستبقى بغداد تدفع ثمن ضعف الرقابة البيئية؟

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى