
مخاطر تدهور العلاقات العراقية السعودية..وآثارها على مستقبل المنطقة
حامد شهاب
تعد الخطوة التي أقدمت عليها السعودية بمشاركة قوات أمريكية في تنفيذ ضربات عسكرية على مقرات أمنية عراقية يوم الاربعاء الماضي تطورا بالغ الخطورة، وخطوة وصفها كثيرون بأنها غير متعقلة، ربما تؤدي أن تعيد فتح جروح الماضي الأليم في مسار علاقات البلدين، بعد أن سعت الحكومات العراقية السابقة والحالية الى العمل على رأب الصدع في هذه العلاقات، والعمل على تحسين تلك العلاقات نحو الأفضل، بدءا من حكومة العبادي ومن ثم الكاظمي وحتى السوداني والزيدي.
ومن وجهة نظر متابعين للشأن العراقي والإقليمي ومسارات تطورات الحرب الإيرانية الأمريكية فإن السعودية ربما جرى توريطها من قبل الامريكان في عمليات عسكرية من هذا النوع ضد العراق ، على غرار ما تعرض له العراق في بداية التسعينات عندما مارست الولايات المتحدة في عهد السفيرة الامريكية كلاسبي في 25 تموز عمليات تضليل وخداع للعراق أنذاك ، بأنها سوف لن تتدخل في الأزمة مع الكويت ، وعندما غزا العراق الكويت في آب 1990 ، كان هذا الغزو مسمارا في نعش العلاقات العراقية العربية ، وهو ما جر الى كل تلك الازمات الكارثية التي مرت بها المنطقة في السنوات اللاحقة.
لقد أراد الأمريكان هذه المرة توريط السعودية في الصراع الدائر بينها وبين إيران، ووجدوا في محاولات اشارت اليها السعودية على أنها اعتداءات تعرضت لها من داخل العراق مبررا لشن هجمات ضد العراق، أدخلت مسارات العلاقات في أزمة خطيرة زادت من تعقيد المشهد اضطرابا وفوضى.
وكانت السعودية على مدى فترات زمنية طويلة قد اتسمت مواقفها بالحكمة وعدم التسرع في مواجهة تحديات تواجهها سواء من إيران أو من العراق ، وكان من المقرر أن يزورها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي يوم الخميس 30 تموز 2026، لكن وقوع تلك الضربات على قوأت أمنية عراقية ، برغم كل مبرراتها ، قد ادت الى إجهاض تلك الزيارة وعرقلة أي مسعى نحو تطوير علاقات البلدين نحو الأفضل وبخاصة في جوانبها الاقتصادية ، وكان العراقيون يأملون منها أن تسهم في تخفيف أزمات البلد المالية والاقتصادية وفي مجالات الطاقة والكهرباء والغاز وتصدير النفط ، بعد أن شهد العراق تطورات غاية في الخطورة تمثل في تناقص رهيب في تجهيز الطاقة الكهربائية.
وكان من المؤمل أن تسهم دول الخليج ومنها السعودية في تطوير مستويات التعاون في مجال الطاقة والغاز مع العراق الى الدرجة التي تسهم في رسم حالات تفاؤل بمسار تطور تلك العلاقات، لكن الخطوة السعودية المتسرعة هذه المرة ربما أجهضت حلم ملايين العراقيين، وأدت الى تعطيل مسارات أي تطور مستقبلي على أقل تقدير.
ولو أن القيادة السعودية تحملت لأيام على الأقل ، ووفرت المناخات المناسبات لإنجاح زيارة الزيدي الى الرياض ، وعرضت عليه مطالبها لتراه ماذا سيفعل ، لكان ربما قد شهدت تلك العلاقات انتعاشا أفضل ، لكن التسرع السعودي في الضربات داخل العراق برغم تبريراتها التي أعلنتها أكثر من مرة ، دمر أية مساع طيبة لكي تشهد تلك العلاقات تطورا إيجابيا متسارعا ، بل وأعطى الذريعة لإيران والجماعات الموالية لها أن تزيد من تخندقها وتتمسك بعدم تسليمها السلاح ، وهو المبرر الذي وفر لها أغطية مشروعة تعطيها حرية التوسع في الإمتداد الإقليمي لتعمل على تخريب تلك العلاقات بأية طريقة ، كونها المسار الوحيد الذي يؤمن لها إستمرارية وجودها وتمترسها خلف واجهات الحروب والصراعات ، التي تجد فيها إيران أنها ساعدتها في تهيئة فرصة ثمينة، ما كانت تتوقع أن تسنح لها بتلك السرعة التي حدثت فيها، لكي تزيد من تعقيد تشابكات الصراع ، وتكون هي المستفيدة في نهاية المطاف.
لقد كانت صحيفة الغارديان البريطانية أكثر دقة في التعبير عما آلت اليه التطورات الأخيرة بقيام قوات سعودية أمريكية بضرب مواقع أمنية تابعة للحشد داخل العراق.
وأشارت الصحيفة البريطانية وهي الخبيرة بتداعيات الوضع العراقي الى أن الضربات السعودية الأميركية التي استهدفت فصائل مسلحة في العراق، قد أثارت المخاوف مرة أخرى من دفع المنطقة بأكملها نحو المجهول، حيث تساهم في توسيع نطاق الحرب التي تتسع رقعتها، في ظل عدم القدرة على التنبؤ بمساراتها، وذلك بحسب ما خلصت إليه صحيفة “الغارديان” البريطانية.
واشارت الغارديان البريطانية الى أن انخراط السعودية في عدد محدود من الضربات السرية ضد إيران في سياق الحرب الإقليمية الجارية، وتورط السعودية العلني الآن، يمثل نقطة تحول جديدة في الصراع، بينما أعلن الحوثيون في اليمن قبل نحو أسبوع، فرض حصار على الموانئ والشحنات السعودية عند مدخل البحر الأحمر.
وتابع الكاتب البريطاني هيلير: قائلاً إن المشكلة تكمن في أنه برغم السعوديين ربما برروا الهجوم على الحشد الشعبي في العراق، باعتباره خطوة مدروسة بدقة، إلا أنه قد يكون من المستحيل التنبؤ بطبيعة الرد.
ولهذا أوضح هيلير، كما نقل التقرير، أنه “بالنظر إلى عدم معرفتنا بذلك، فإننا نجد أنفسنا في منطقة مجهولة، ليس فقط بسبب إطار الحرب الجارية هذا العام، وإنما أيضاً بسبب القضايا الأوسع في المنطقة”.
لقد سعت بريطانيا في عهد رئيس وزرائها السابق ستارمر الى عدم توريط نفسها في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وايران ، وهي الخطوة التي كلفت رئيس وزراء بريطانيا الكثير ، حيث أدت الى تراجع شعبيته وحظوظه في استفتاءات الرأي ، بعد إنتقادات واسعة تعرض لها من الرئيس الأمريكي ترامب ومسؤولين أمريكيين آخرين ومن الصحافة الأمريكية ، لعدم وقوف بريطانيا الى جانب الولاياتها المتحدة في الحرب الحالية بينها وبين ايران ، في وقت كانت بريطانيا على مدى عقود من السنوات تتبع السياسات الامريكية وتشترك معها في كل صغيرة وكبيرة ، وكان رئيس وزرائها الأسبق توني بلير من أشد المناصرين للحرب على العراق منذ التسعينات ، وهو من قاد تحالفا مع الولايات المتحدة ودول غربية أخرى للحرب على العراق آنذاك ، وكان ذيلا أمريكيا بامتياز على مدى سنوات حكمه التي أدت الى اضطراب المنطقة وشن حروب مدمرة ضد شعوبها.
لقد كانت الصحافة البريطانية منذ نهاية الثمانينات تسرب العشرات من الأخبار والتقارير عبر صحافتها عن تهديدات تواجه الغرب من سعي العرق أنذاك لتطوير ترسانته الحربية من الأسلحة، وكانت قضية المدفع العملاق وما يشاع عن أسلحة كيمياوية وبايلوجية يمتلكها العراق مبررا لحملة شعواء ، أدت الى تحريض الولايات المتحدة لشن حرب ظالمة على العراق ، برغم انها أنكرت وجودها بعد الحرب عليه ، وحدث ما حدث من تدمير لبنيته وإقتصاده وقواته المسلحة وإنهاء نظامه السياسي بالكامل، في احتلال شاركت فيه 33 دولة بضمنها السعودية ودول الخليج ومصر في حرب تحرير الكويت أنذاك ، والتي كان للغرب دورا كبيرا إشعال إتونها في التحريض على إندلاع نيرانها ، ولبريطانيا السبق في خطوة من هذا النوع.
لكن رئيس وزراء بريطانيا ستارمر، الذي إستقال قبل ايام، وترك الباب لسلفه بتولي المنصب، أدرك خطورة خطوة من هذا النوع من توجهات لتوريط بلاده في هذه الحرب مع إيران، وإمتلك الحكمة في الحفاظ على مصالح بلاده لكي لا تبقى ذيلا يلهث وراء سيناريوهات واشنطن الحربية ، والتزم مسار التعقل والحكمة ولم يشرك بلاده في أتون حرب لا تبقي ولا تذر.
نعود الى العلاقات السعودية العراقية ، وما شهدته من تداعيات خطيرة خلال الايام الماضية ، وكان الأحرى بالسعودية ، وهي المعروفة بالحكمة والتعقل أن تتجنب توريط نفسها في شن هجمات من هذا النوع ، كونها أعطت المبرر لايران وللجماعات المسلحة الموالية لها ان تجد لها متنفسا لتصعيد أكثر خطورة واكثر تمترسا ضدها ، من أجل توسيع نطاق الحرب، وأن يكون العراق وقودها ايضا هذه المرة ، وهو ساعة إصطراعها الذي يدفع المنطقة الى منزلقات خطيرة ، وغابت الحكمة السعودية هذه المرة وساد منطق وحجج مبررات الدفاع عن النفس ، في وقت تعرضت فيه السعودية لعمليات واسعة وضربات موجعة تلقتها من إيران ولم ترد عليها..
وهنا يتساءل العراقيون: هل أن السعودية بعد أن وجدت العراق ضعيفا وهو بوضع مالي واقتصادي صعب للغاية، ليس بمقدوره الوقوف على قدميه، أن تقدم للآخرين طبقا من ذهب لإشعال نيران حروب كي تكون أرضه منطلقا للعدوان على الآخرين ..؟
إنه لأمر محير حقا أن تغيب الحكمة السعودية هذه المرة، وهي التي وفرت الذرائع لكي تنهال على العراق مختلف الجهات التي تريد تحريض وإشعال نيران الحروب والفتن لتحرق الاخضر واليابس، والتي لن تسلم السعودية ودول الخليج من نيرانها هذه المرة.





