مزاجية الدولة!
د. جاسم الشمري – العراق …
يصنف العلماء الدولة بأنها شخص معنوي يخضع للقانون العام، والدولة التي هي الصورة المعاصرة للمجتمع، تمثلها الحكومة، والحكومة هي الجهة التنفيذية لمجمل السياسات الداخلية والخارجية للبلد.
ولا شك أن الحكومات المميزة أو الناجحة هي التي تنفذ السياسات المرسومة للبلد بعيداً عن الميول الشخصية والحزبية والفئوية والدينية لرئيس الحكومة، أو أي وزير داخل الكابينة الحكومية، لأن ادخال العواطف والميول والمعتقدات الشخصية سيعرقل مسيرة الحكومة، وربما تجعلها تسير في طريق عدم الانصاف والعدالة بين المواطنين.
المطبات التي وقعت فيها الحكومات المتعاقبة على حكم بغداد بعد العام 2003 كثيرة جداً لكن أبرز هذه المطبات – والتي أدت لنتائج كارثية – أن غالبية زعماء هذه الحكومات تعاملوا على أنهم زعماء لطائفة وليسوا لجميع العراقيين، وبالتالي كانت قراراتهم وردود أفعالهم واقعة تحت سطوة العواطف الشخصية والمفاهيم الدينية والمذهبية والحزبية، وهو ما تسبب بهذا الكم الهائل من الشقاق والتناحر والتفكك في عموم الدولة والبنية المجتمعية العراقية.
وصل الأمر عند هؤلاء الزعماء المزاجيين إلى درجة ضرب الدستور الذي كتبوه بأيديهم. حينما نعود إلى الدستور العراقي الحالي نجد أن الفرع الأول من باب الثاني، الحقوق والحريات، يؤكد في مادة الحقوق المدنية والسياسية، المادة (14):”العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييزٍ بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماعي”. وكذلك تؤكد المادة (38) على: “تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب: حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون”.
هذه المقدمة الدستورية أردت منها بيان مزاجية حكومات بغداد في التعاطي بشكل طائفي مقيت وعاطفي شاذ، وبمكيالين مع المظاهرات الدستورية والقانونية التي انطلقت في الأنبار، وصلاح الدين، ونينوى وبقية المدن قبل أكثر من عام ونصف، وبين المظاهرات الجارية الآن في بغداد ومدن الوسط والجنوب.
الحكومة المزاجية واجهت بقسوة وشدة مظاهرات المناطق الغربية والشمالية، بينما رأينا أنها تعاملت بشفافية وامتياز مع المظاهرات التي نظمها التيار الصدري في ساحة التحرير ببغداد قبل أيام، بل وبالقرب من أسوار المنطقة الخضراء التي تعد أكثر مناطق العراق حساسية أمنياً وسياسياً، ذلك لأنها تضم مقار الحكومة التنفيذية والتشريعة والقضائية، وسفارات الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وغيرها من الدول الكبيرة.
التاريخ القريب يشهد أن الحكومة هي التي اعتدت على المتظاهرين السلميين في الحويجة وديالى والأنبار والموصل، وأشعلت الموقف مع القوى الفاعلة في الاعتصامات السلمية، وتسببت بهذا الفلتان الأمني المستمر في البلاد حتى الساعة، ثم بعد ذلك اتهمت المتظاهرين بالإرهاب والتخريب، وهذا تناقض واضح وتضارب بين الواقع والدستور والمسؤولية!
المسؤول الناجح هو الذي لا يترك مشاعره وعواطفه وميوله الحزبية والسياسية والطائفية تتحكم في قراراته، وهذا ما لا ينطبق على غالبية زعماء الدولة العراقية بعد العام 2003، حيث إن غالبية القرارات المتعلقة بالجانب الأمني والخدمي هي وليدة نزوات وعواطف وليست نابعة من أسس ومنطلقات دستورية وقانونية، وهذا يؤكد حقيقة مهمة أن هؤلاء لا يمكن أن يكونوا زعماء دولة، بل هم مدمروا الدولة عبر المزاجية في التطبيق، والاغفال أو التعالي أو تجاهل القوانين والتفريق بين المواطنين على أسس طائفية ومذهبية وعرقية!
مزاجية حكومات بغداد، وتسارع الأحداث المركبة في العراق والمنطقة، يؤكدان أن حكومة بغداد، التي تنادي بالاصلاح، وكذلك بقية القوى السياسية الفاعلة في الساحة، ربما ستجد نفسها في مرحلة قريبة خارج اللعبة السياسية، وربما سنرى وجوهاً جديدة على رأس الهرم الحكومي في بغداد، لأنها ضربت ما تنادي به وتعاملت بمزاجية عالية وروح طائفية مع المواطنين، وهذه مؤشرات مرضية لا يمكن أن تتصف بها الحكومات الناجحة التي يتقبلها الجمهور!
أخبار قد تهمك
الجوية يحقق فوزه الاول بدوري اسيا للنحبة على حساب باختاكور الاوزبكي
مصر تلحق هزيمة قاسية بالعراق في بطولة الخليج دون 17 عام
الموسم الثاني من The Terminal List يعيد طرح العلاقة بين الصحافة والسلطة والأمن
الصحة توقع برنامج تعاون مع “روش” السويسرية لتطوير الرعاية الطبية التخصصية في العراق
حين يغادر التاريخ مركزه الغربي: العالم على أعتاب عصر ما بعد الهيمنة
الشمري: المواطن “خط أحمر” ولن نقبل بموازنة تُضعف قدرته الشرائية
مذكرة قبض بحق رئيس مجلس ميسان بعد تهديده بالعصيان المدني وقطع الطرق
الزيدي يغادر بغداد متوجهاً إلى الأردن في زيارة رسمية على رأس وفد رفيع المستوى
بالوثيقة.. البنك المركزي العراقي يوجّه المصارف بتدقيق الرمز المنسق للبضائع المستوردة
العراق يبدأ إنهاء الوجود المسلح لوحدات حماية سنجار.. نقل المسؤولية الأمنية إلى القوات الاتحادية
بالوثيقة.. التربية توقف تكليف حملة الشهادات العليا بالكلية المفتوحة





