
البنك الدولي يصدم العراق بتوقعات خطيرة.. انكماش 12.4% وتبخر 23.7 مليار دولار من الاحتياطيات
المستقلة / متابعة / يواجه الاقتصاد العراقي واحدة من أصعب مراحله خلال السنوات الأخيرة، بعدما كشفت تقديرات حديثة للبنك الدولي عن انكماش متوقع بنسبة 12.4% خلال عام 2026، بالتزامن مع تراجع حاد في احتياطيات النقد الأجنبي واضطراب الصادرات النفطية، وسط مخاوف متزايدة من انتقال تداعيات الأزمة إلى رواتب الموظفين والمشاريع الاستثمارية والأسواق المحلية والقدرة الشرائية للمواطنين.
وبحسب تقرير للبنك الدولي صدر في السادس من تشرين الأول الجاري، ونقلته صحيفة «العربي الجديد»، فإن احتياطيات العراق من النقد الأجنبي تراجعت من 102 مليار دولار في شباط الماضي إلى 78.3 مليار دولار في تموز، بانخفاض بلغ 23.7 مليار دولار خلال خمسة أشهر، أي ما يعادل نحو 23.2% من مستواها المسجل في بداية الفترة.
وتأتي هذه الأرقام في وقت يشهد فيه الاقتصاد العراقي ضغوطاً متزامنة نتيجة التراجع الكبير في عائدات النفط، واضطراب طرق التصدير بفعل التصعيد العسكري في المنطقة، إلى جانب ارتفاع الالتزامات المالية الحكومية واستمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية مصدراً رئيسياً لتمويل الموازنة العامة.
ويؤكد التقرير الإقليمي للبنك الدولي، الصادر في 6 تشرين الأول 2026، أن الصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز أحدثا صدمة اقتصادية واسعة، انعكست بصورة خاصة على الدول المصدرة للنفط، وفي مقدمتها العراق، مع توقع انكماش اقتصاد المنطقة بنسبة 2.1% خلال العام الحالي، بعد نمو بلغ 3.3% في عام 2025.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة اقتصادية يواجهها العراق، إذ إن ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يضمن بالضرورة زيادة الإيرادات الحكومية، ما دامت الاضطرابات الأمنية والعسكرية تعرقل تصدير الكميات المعتادة، وتحد من قدرة الدولة على الاستفادة من الأسعار المرتفعة.
وكانت بيانات نقلتها وكالة رويترز قد أشارت إلى انخفاض صادرات النفط العراقية إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً خلال آب الماضي، مقارنة بمستويات تجاوزت 3.6 ملايين برميل يومياً سابقاً، وهو تراجع يزيد الضغوط على موارد الخزينة العامة.
وتتزامن هذه الأزمة مع قرار الحكومة العراقية تعديل سعر الصرف الرسمي للدولار في السابع من تشرين الأول الجاري، ليصل سعر البيع النقدي للجمهور إلى 1520 ديناراً للدولار، بعدما كان السعر الرسمي السابق 1320 ديناراً، ضمن إجراءات تستهدف التخفيف من ضغوط المالية العامة وتعزيز الإيرادات المقومة بالدينار.
وعلى الرغم من أن تعديل سعر الصرف يمكن أن يزيد القيمة الدينارية للإيرادات النفطية المحصلة بالدولار، فإن هذا الإجراء يحمل آثاراً اقتصادية أخرى، أبرزها ارتفاع تكاليف الاستيراد واحتمال انتقال جزء من الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات داخل الأسواق المحلية، خصوصاً أن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على المنتجات المستوردة لتلبية احتياجاته الاستهلاكية.
وحذر المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، من أن تداعيات الانكماش المتوقع لا تتوقف عند تراجع الناتج المحلي الإجمالي، بل تمتد إلى قدرة الدولة على تمويل الإنفاق العام، نتيجة العلاقة المباشرة بين إيرادات النفط والنشاط الاقتصادي الحكومي.
وأوضح صالح، في تصريحات نقلتها «العربي الجديد»، أن مواجهة الأزمة تتطلب ضبط الإنفاق الجاري وتنمية الموارد غير النفطية والمحافظة على الاحتياطيات الأجنبية، مع إعطاء الأولوية لتأمين الغذاء والدواء والوقود والخدمات الأساسية، وتجنب تحميل المواطنين أعباء إضافية نتيجة الإجراءات المالية.
وتبرز خطورة تراجع الاحتياطيات الأجنبية في دورها الأساسي بحماية الاستقرار النقدي وتوفير السيولة اللازمة لتمويل التجارة الخارجية ومواجهة الصدمات الاقتصادية، إذ إن استمرار انخفاضها قد يقلص هامش المناورة المتاح للبنك المركزي في التعامل مع اضطرابات أسواق الصرف.
وفي المقابل، فإن انخفاض الاحتياطيات لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على تمويل الاستيراد أو انهيار العملة، لكنه يمثل مؤشراً يستدعي مراقبة تطورات ميزان المدفوعات وحركة الإيرادات النفطية والطلب على الدولار، ومدى قدرة السلطات النقدية على الحفاظ على مستويات آمنة من الأصول الأجنبية.
وتزداد الضغوط المالية مع المؤشرات المتعلقة بمشروع موازنة عام 2027، الذي يتضمن إنفاقاً مقترحاً يبلغ نحو 217 تريليون دينار، وعجزاً يتجاوز 40 تريليون دينار، وفق معلومات نشرتها رويترز، في وقت تستمر فيه التحديات المرتبطة بتمويل النفقات التشغيلية والاستثمارية.
وتعني هذه المعطيات أن الحكومة قد تواجه خيارات مالية صعبة خلال المرحلة المقبلة، تتراوح بين تعزيز الاقتراض الداخلي وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتأجيل بعض المشاريع، أو اتخاذ إجراءات إضافية لزيادة الإيرادات، وهي خيارات تختلف آثارها على الاقتصاد والمواطنين.
وحذر عضو اللجنة المالية النيابية أحمد الشرماني من أن اتساع العجز وتراجع الموارد قد يدفعان باتجاه تقليص الإنفاق الاستثماري وزيادة الاعتماد على الاقتراض، مشيراً إلى أن تأثير الأزمة قد يظهر بصورة مباشرة في فرص العمل وحركة الأسواق وتنفيذ المشاريع الحكومية.
كما اعتبر أن رفع سعر الدولار مقابل الدينار قد يضع ضغوطاً إضافية على الأسر العراقية، ولا سيما الموظفين والمتقاعدين وأصحاب الدخول الثابتة، الذين لا ترتفع دخولهم بالوتيرة نفسها التي يمكن أن ترتفع بها أسعار السلع والخدمات.
أما الخبير الاقتصادي منار العبيدي، فحذر من أن آثار الأزمة قد تنتقل تدريجياً إلى القطاعات غير النفطية، بما فيها التجارة والإنشاءات والخدمات، نتيجة ارتباط جزء كبير من النشاط الاقتصادي المحلي بالإنفاق الحكومي.
وأشار إلى أن التوسع في الاقتراض الداخلي قد يؤدي إلى مزاحمة القطاع الخاص على التمويل المصرفي، في حال فضلت المصارف توظيف سيولتها في أدوات الدين الحكومية بدلاً من تقديم القروض للمشاريع والشركات، الأمر الذي قد يحد من التوسع الاستثماري وتوليد فرص العمل.
وتكشف الأزمة الحالية عن ارتباط وثيق بين ثلاثة مؤشرات رئيسية، هي تراجع الصادرات النفطية وانخفاض احتياطيات النقد الأجنبي وارتفاع الضغوط على الموازنة العامة، إذ إن استمرار انخفاض الإيرادات بالدولار يحد من قدرة الدولة على تمويل التزاماتها دون اللجوء إلى إجراءات مالية إضافية.
كما أن خفض قيمة الدينار قد يخفف جانباً من الضغوط على تمويل الإنفاق الحكومي بالدينار، لكنه لا يعالج الأسباب الأساسية لتراجع النشاط الاقتصادي، وفي مقدمتها انخفاض كميات النفط المصدرة وضعف تنوع مصادر الدخل.
وتبرز خلال المرحلة المقبلة ثلاثة سيناريوهات محتملة للاقتصاد العراقي؛ يتمثل الأول في تحسن صادرات النفط واستعادة جزء من الإيرادات المفقودة، ما قد يخفف الضغوط المالية والنقدية، بينما يقوم الثاني على استمرار الاضطرابات الحالية، بما يفرض سياسة إنفاق أكثر تقييداً، أما السيناريو الثالث فيرتبط بتفاقم التعطيل النفطي، وهو ما قد يزيد الحاجة إلى الاقتراض وإعادة ترتيب أولويات الموازنة.
وفي جميع هذه السيناريوهات، تبقى حماية القدرة الشرائية للمواطنين والمحافظة على تمويل الرواتب والخدمات الأساسية من أبرز التحديات التي تواجه صناع القرار، بالتزامن مع ضرورة تطوير القطاعات الإنتاجية وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية.
وبين توقعات انكماش حاد وتراجع الاحتياطيات الأجنبية وارتفاع سعر الدولار، يقف العراق أمام اختبار اقتصادي قد تتجاوز تداعياته المؤشرات المالية لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين، فيما يظل السؤال الأهم: هل تتمكن الحكومة من احتواء الأزمة عبر إصلاحات اقتصادية حقيقية، أم تدفع الضغوط النفطية والمالية البلاد نحو مرحلة أشد صعوبة خلال عام 2027؟
أخبار قد تهمك
الدولار يواصل الصعود في العراق.. 165 ألف دينار في بغداد وارتفاع جديد بأسواق أربيل
شهادات نواب العراق تحت التدقيق.. تحرك رسمي وسط تحذيرات من التزوير والتلاعب بالوثائق
إيرادات الجمارك العراقية تقفز 32%.. أكثر من 442 مليار دينار خلال شهر واحد
القضاء العراقي يسترد 4 مليارات دينار لصالح مصرف الرافدين في قضايا فساد مالي
النزاهة تكشف تزوير موافقات لاستئجار عقارات في العراق.. الحبس 4 سنوات لموظفين في الوقف السني
سعر الدولار يصل إلى المحكمة الاتحادية.. دعوى ضد رئيس الوزراء ووزير المالية ومحافظ البنك المركزي
العراق يحسم الكابينة الوزارية.. تسريبات بأسماء وزراء جدد و4 نواب للزيدي واستحداث وزارتين
الروسية ميرا أندرييفا تدخل ثلاثي التنس العالمي لأول مرة
العراق ضمن أبرز أسواق الحمص التركي.. 180 ألف طن للتصدير وترقب لارتفاع الطلب والأسعار
الحكومة العراقية تحسم الجدل بشأن وزارة الذكاء الاصطناعي.. لا طلب رسمياً لاستحداثها
القضاء الأميركي يوجّه ضربة لترمب ويوقف حملة إعلانية بـ20 مليون دولار





