أنطوني جيدنز و تجديد الديمقراطية الاجتماعية

د. حسين عبد القادر المؤيد*

يعتبر أنطوني جيدنز، من رموز و مفكري الديمقراطية الاجتماعية المعاصرين، وفلاسفة علم الاجتماع الحديث، تميّز الى جانب مواكبته للتطورات السياسية و الاجتماعية و الثقافية في العالم عموما و في أوروبا خاصة، باطلاع عميق و تفاعل نقدي مع مدارس و اتجاهات علم الاجتماع، و انشغل في العقود الأخيرة، بمعالجة قضايا الحداثة و العولمة و تغير المناخ و مستقبل أوروبا، و هو في طول مسيرته العلمية و السياسية، كان يعمل على تطوير النظرية الاجتماعية، و التنظير لبناء سياسة أكثر التصاقا بقيم التنوير و مباديء اليسار المعتدل، فلا تكون ضحية التمادي في البراغماتية و الواقعية.

أرى أن كتابه (الطريق الثالث تجديد الديمقراطية الاجتماعية) الذي صدر سنة ١٩٩٨، هو من أهم ما كُتب في التنظير للديمقراطية الاجتماعية، و ما يزال يحتفظ بقوة الطرح و التأثير.

في هذا الكتاب، الذي كتبه بعد أشواط حافلة في مسيرته العلمية، و سلسلة طويلة من مؤلفاته التخصصصية، يعمل جيدنز على تحديث الديمقراطية الاجتماعية و تطويرها، لتنتقل من الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية التي تقف على الضفة المقابلة لليبرالية الجديدة، الى ديمقراطية اجتماعية تتوسط الليبرالية الجديدة و الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية، و تقدّم رؤية جديدة تنسجم مع التطور السياسي و الاقتصادي و التقني الذي شهده العالم في الربع الأخير من القرن العشرين.

انطلق أنطوني جيدنز – بحق- من جدارة الديمقراطية الاجتماعية في إدارة الدول و تلبية تطلع المجتمعات، و من الإيمان بأن الديمقراطية الاجتماعية، على الرغم من كل التطورات التي شهدها الغرب و العالم على جميع الأصعدة، لا يمكنها أن تبقى حية و مؤثرة فحسب، و إنما بوسعها أن تزدهر على الصعيدين الآيديولوجي و العملي، إذا واجه الديمقراطيون الاجتماعيون التحديات، و قاموا بمراجعة شاملة، و أعادوا النظر في أفكارهم، و حاولوا العثور على الطريق الثالث الذي يضعهم في الوسط بين الليبرالية الجديدة – المستندة في الأساس الى قيم و أفكار اليمين المحافظ- ، و التي أحرزت انتصارا في شتى أنحاء العالم، و الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية التي تجسد اليسار القديم، و التي تعاني من أزمة آيديولوجية، كونها على الرغم من معارضتها للشيوعية، ارتبطت بالاشتراكية، فكيف سيكون توجهها السياسي في عالم انهارت فيه الشيوعية و تحللت الاشتراكية و ليس فيه بديل عن الرأسمالية؟
من هنا، تفتقت عبقرية الفيلسوف أنطوني جيدنز، عن الطريق الثالث، الذي هو محاولة لتجاوز كل من الليبرالية الجديدة و الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية، و لكن عبر تطوير الديمقراطية الاجتماعية، بالاحتفاظ بأهدافها الرشيدة و أبعادها الإنسانية، التي خرجت من رحم الواقع الذي كان يتطلب بإلحاح، مواجهة توحش الرأسمالية، و جمود اليمين المحافظ على القيم و الأعراف التقليدية من جهة، و من جهة ثانية، تقديم نموذج عملي لدولة الرفاهية، يمثل قمةَ عمليةٍ تطوريةٍ طويلة لحقوق المواطنة، بحيث يتم التطابق بين التطور الاقتصادي و العلمي و التقني، و التطبيق المتعاظم لمزيد من الحقوق الاجتماعية، في إطار ليبرالية غير منفلتة، و ديمقراطية سياسية، و مساواة، و عدالة اجتماعية، و انفتاح اقتصادي في ظل إشراف الدولة، و الاهتمام الجاد بالبيئة و التعاطي العلمي مع قضاياها، و التماهي مع العولمة، و الخروج التدريجي من التعددية القطبية نحو الكوزموبوليتانية، لتحقيق المواطنة الكونية و الديمقراطية الكونية و الحكم الكوني.

من خلال تحديد معالم كل من الليبرالية الجديدة و الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية، و اللتان تشتركان في تبني مسار تحديثي تقدمي، و وعي بيئي منخفض، و انتماء الى عالم ثنائي القطبية، يتمحور بين قطب رأسمالي له مفاهيمه و قيمه و قطب اشتراكي له مفاهيمه و قيمه، و اعتماد دولة الرفاهية هدفا، سجّل جيدنز، نقاط الاختلاف الجوهرية، و هي نقاط افتراق حقيقي و تباين بين المدرستين، مثل دور الدولة في الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و النظر الى المساواة و نحو التعاطي مع البيئة و دور السوق في الحياة الاقتصادية و النظر الى التراث و القيم التقليدية و الهوية القومية و العولمة و النظرة الى النظام الدولي.

و تتجلى جديّة و عمق الدراسة التي قدمها أنطوني جيدنز في كتابه، في تجديد الديمقراطية الاجتماعية، سواء على مستوى نقاط تشترك فيها مع الليبرالية الجديدة، لكنها تنطوي على إشكاليات يجب تجاوزها، كالوعي البيئي المنخفض و الانتماء الى عالم ثنائي القطبية، أو على مستوى نقاط الافتراق، و هو هنا ناقد موضوعي لكلا المدرستين فيما يفترقان فيه، يحدد بدقة إيجابيات و سلبيات كل منهما، و يقدّم البديل الذي يتلقف الإيجابيات و يلفظ السلبيات، و قد اتسم بالحيوية الفكرية و بالمنطقية و مجانبة الدوغمائية و التحيز اللا معياري.

أعتقد أن أنطوني جيدنز، نجح في تأصيل الطريق الثالث الذي رسخ الديمقراطية الاجتماعية و أضفى عليها حيوية تبقيها المدرسة الأصوب في الحياة المعاصرة.

إننا إذ ندعو بكل تأكيد الى بناء الدولة المدنية الحديثة في العراق، نعتقد أن الديمقراطية الاجتماعية بالتجديد الذي تفتقت عنه خبرةُ فيلسوف عالمي مخضرم مثل أنطوني جيدنز، و الذي يصلح أساسا لأي تعديل أو تطوير يحتاجه العراق نظاما و مجتمعا، هي النموذج العملي الأجدر بإدارتها، و الذي ينبغي أن تتبناه الشخصيات و القوى المدنية الحقيقية في العراق.

 

*مفكر و سياسي عراقي مستقل

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى