النكبة العراقية من وجهة نظر إقليمية : نظرة عامه

د. عمر الكبيسي …

يشكل تاريخ العراق وجغرافيته وثرواته ومسيرته السياسية مجتمعة ، أهمية منفردة تستقطب محاولات الهيمنة والاستيلاء عليه إقليميا بالتمدد او تصدير الغزو اليه من امبراطوريات كانت تنافسه يهمها احتواءه تاريخيا وحاليا كعامل إضافي دولاً طامعة بنفطه وثروته المعدنية كمصدر للطاقة، وهو من هذا المنطلق يشكل دولة محورية عربية وازنة للأمن القومي والإقليمي وبالوقت نفسه  وتحت مسمى (بابل وآشور) لاهوتيا وتوراتيا وبعد حقبة(اليهودية المسيحية المتصهينة) تم التعامل مع العراق بروح من الثأر والحقد والكراهية وبنصوص إثنية وصهيونية منقولة ومنقحة ومبتدعة كثيرة وعديدة في الإرث اللاهوتي والسياسي المعاصر تم الترويج والتبشير لها بتركيز اعلامي حتى اصبحت في أذهان الاتباع نصوصا تنفيذها واجب  سماوي مقدس ،ومن هذا المنطلق ادرج عراق بابل وآشور كأول دولة ضمن محور الشر الأول للمجابهة ، يقول هنري كيسنجر (إذا اردنا أن ندمر الأمة العربية فعلينا أن نبدأ بتدمير الأمة العراقية ) . من هذا المنطلق اللاهوتي ومن تاريخ العراق العميق الى قبل ما يقارب8000 سنة قبل الميلاد حيث لم يرد شيئا كتب عن فترة قبلها ، لكن الاثار تشير الى منحوتات وأثار وجدت في مدينة (عنه ) قد تعود الى 19000 عام قبل الميلاد . لذا يحسب  أن العراق هو اول الامبراطوريات وصانعها ومنه انتقلت سلالة الفراعنة الى مصر وحكمت منذ ذلك التاريخ ولغاية اليوم كان ارض الصراعات مع الكوتيين والكيشيين ويهود السامرة والفراعنة والإخمينين والعيلامين والخزر والفرس والبيزيطنيين والجلائريين والمغول والصفويين والمماليك ، لكنّ  الفكر اللاهوتي اليهودي الثأري (المفبرك ) ظل هو الخطر الأكبر الناشط منذ أواخر حكم الدولة العثمانية حيث تمكن اليهود الصهاينة من التوغل في عوائلها الحاكمة وداخل حكوماتها الحاكمة المتأخرة استطاع ان ينفذ الى العراق بعد فشله في المساومة على فلسطين أيام السلطان عبد الحميد  ليكون مركز محفلها ويؤسس لنزوح يهودي هائل اليها وبتخطيط من تشكيلات حركة اليهود المتنصرين وحركة الاصلاح البروستانتية والمحفل اليهودي مجتمعة وهي التي تحلم ببابل وتعدها الارض التي يجب ان تحكم لتؤسس دولة اسرائيل الممتدة الى العراق وبابل  ليبعث  حينها المسيح من جديد .

 امتازت معظم الصراعات التي شهدها العراق ولغاية اليوم باهتمام ودور يهودي وصهيوني وفارسي مشترك في صنع الأحداث طيلة مسيرتها ابتداءً من الغزو البابلي الاول وامتدادا الى غزو العراق عام 2003 ولا أقول انتهاءً فالقادم من الأيام قد يحمل الأسوء والمزيد من النكبات للعراق وفق هذه القراءة التاريخية .

 عززّ وجود النفط  ثم الغاز والكبريت والزئبق  وانسيابية  مياه النهرين الخالدين دجلة والفرات، من تفاقم الاطماع الدولية في العراق ولهذا تتجلى مواقف الدول الكبرى شرقا وغربا بدافع التنافس والهيمنة على مصير ومستقبل العراق بشكل اكبر وتنعكس بشكل واضح على واقع نكبته الحالية ، كما يحسب لطبيعة الانظمة الحاكمة التي أدارت العراق بعد معاهدة (سايكس بيكو) وتشكيل الدولة العراقية المعاصرة دور كبير في استقطاب النفوذ الاجنبي وتحكمه بهذه الأنظمة التي لم تغادر مواقع عنف واستغلال السلطة بلا رؤى طويلة الأمد لبناء عراق عصري ، وزاد ذلك طموح حكم نظام البعث بقيادة وعزمه على بناء السلاح النووي بشكل معلن  وخروجه منتصرا عسكريا من حرب  دامية ومديدة مع ايران الاسلامية ، وتبنيه للقضية الفلسطينية والإصرار على عدم شرعية وجودها ،عوامل مهمة في إدراج العراق على قائمة محور الشر وتشريع قانون لتحريره (غزوه) واعتبار إضعافه فاتحة إضعاف الامة العربية لصالح أمن إسرائيل التي لعبت بسبب علاقتها المتينة مع ساسة الاقليم الكردي (الخاصرة ) دوراً مهماَ في حياكة مشهد النكبة العراقية ، بالأخص بعد انتكاسة الزعامات القومية في  مصر والعراق وسوريا والتي اعطت للأكراد متنفساً لتحقيق هدفهم  القومي المنشود.

إقليميا يحاط العراق جغرافيا بإيران شرقا وتركيا شمالا ودول عربيه ممثلة بسوريا والاردن والسعودية والكويت  امتدادا من الغرب الى الجنوب والتي تشكل مع  حزمة التكوينات الاجتماعية العراقية كالأكراد والتركمان والمسيحيين والإيزيدين والصابئة، انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على طبيعة النكبة العراقية من خلال خلفياتها وعوامل تفاقمها وتعقيداتها ، ومما زاد النكبة تعقيدا لفترة ما بعد الاحتلال في العراق ، هو بروز ظاهرة الطائفية وتلبسها بأطراف الحكم السياسية التي تشكلت على شكل احزاب وتيارات كمعارضة قبل دخولها الاحتلال وتلبسها بأذياله او التيارات الطائفية والسياسية التي تشكلت بعد الاحتلال .

كما تسبب صعود وبروز سريع وغير متوقع لتنظيمات  التطرف السني السلفي الجهادي وإعلان دولته الاسلامية ! بعد هيمنة تنظيماته على مساحات واسعة من الخارطة السورية والعراقية بما يحسب انه اول ظاهرة للإسلام السياسي في الساحة يشكل تحديا لخارطة سايكس بيكو بعد مرور ما يقارب قرنا من الزمن  والذي ترافق مع ردة فعل دولية ممثلة بتحالف لأكثر من ستين دولة تجتمع على فرضية  ما تشكله ظاهرة تنظيم الدولة الاسلامية من مخاطر ليست للمنطقة ومواردها ، وإنما من منطلق تهديدات خطيرة لهذه الدول في داخل كياناتها ودولها . ولذلك لابدّ من التطرق تفصيليا لتأثير هذه الأزمات المتلاحقة التي تشكل مجتمعة ملامح نكبة العراق الحالية ، وسيكون هذا التفصيل موضوع الحلقات القادمة .

  1. إيران : إذا تجاوزنا العداء التقليدي الممتد تاريخيا بين إيران الفارسية وبابل الأكدية مرورا بين إيران المجوسية والعراق الاسلامي ومن ثم بين ايران الصفوية وبغداد عاصمة الخلافة الاسلامية العباسية وهو عداء إرثي قومي مؤطر بعداء واختلاف مذهبي عقيدي ، فان العلاقات بين إيران والعراق لم تشهد عداء ملموسا لقرنين من الزمن قبل ان يسقط نظام الشاه ليصل الخميني المتبني لنظام ولاية الفقيه ومبدأ تصدير الثورة الاسلامية الى قم ويستلم الرئيس صدام حسين الحكم بعد الرئيس البكر في العراق والتي اسفرت عن وقوع حربا ضروسا استمرت لثمان سنوات خاضها عامة الخميني بغطاء طائفي عقيدي كحاكم وولي عن شيعة العراق والعالم الاسلامي مع صدام حسين بغطاء وطني عروبي قومي اعتبره دفاعا عن البوابة الشرقية للأمة العربية . وحين انتهت الحرب العراقية الايرانية لصالح العراق وموافقة الخميني على وقف اطلاق النار بعد (تجرعه السم) .اصطفت إيران مع الاحزاب الطائفية العراقية التي تأسست في طهران وعملت كمعارضة عسكرية وسياسية مع مشروع الغزو وجاءت في ظله وشاركت بعمليته السياسية، وبقيت إيران تدير ملف الاحزاب الطائفية وميليشياتها لغاية اليوم . لم يتردد نائب الرئيس (ابطحي) في قوله : لولا إيران لما استطاعت ألولايات الأمريكية ان تحتل العراق . هكذا تعاملت إيران الاسلامية مع الغزو الأمريكي للعراق لان الغزو حقق لإيران ما لم تستطع تحقيقه بحرب دامت ثمان سنوات كلفتها ملايين القتلى والمعوقين.

كان مشروع التقسيم من اوليات اهداف الغزو ، بادر السيد محمد باقرالحكيم حينها رئيس المجلس الاسلامي الأعلى أحد التنظيمات المعارضة التي شكلت في إيران باطلاق مطلب الاقليم الشيعي وحسبه ضرورة لوجود الشيعة في العراق عند دخوله العراق بعد احتلاله ؟ ألم يصر السيد الحكيم على ضرورة حل الجيش كما كتب الحاكم العسكري بريمر ووافقه في ذلك القادة الكرد . سمح الاحتلال الامريكي لنفوذ ايراني في العراق بل قدم العراق على طبق من ذهب لإيران وعندما انسحبت معظم القوات الامريكية من العراق ازداد هذا النفوذ واتخذته ممرا تنقل من خلاله قواتها ومعداتها وتجارتها الى نظام الأسد في سوريا ليقتل بها شعبه وثواره الاسلاميين والى حزب الله في لبنان لدعم سوريا وقتل السنّة في لبنان وسوريا كما يحدث اليوم . ولماذا يعامل البعث الحاكم في العراق بالإجتثاث بذريعة سياسة العنف السياسي والبعث الحاكم في سوريا بالنار والبراميل بالدعم والاسناد ؟ اليوم تفعل التنظيمات المسلحة التابعة لإيران ومليشياتها جرائم بالجملة من قتل وخطف على الهوية في محافظات السنّة يتجاوز ما تفعله داعش فيها بذريعة التصدي لها ، لماذا تنظيم الدولة ارهاب وإرهاب المليشيات جهاد ؟ أليس في هذا ازدواجية في المعايير الشرعية لتعريف الإرهاب وكلاهما يستهدف الإنسان ؟

يصرّ السيد السيستاني ويؤيده السيد خامنئي والرئيس روحاني عند زيارة العبادي لهم على رفض مشاركة أي قوات اجنبية لمقاتلة تنظيم الدولة وقال خامنئي سنستمر بدعم حكومتكم وسنقاتل داعش معكم في العراق وخارجه بلا حاجة لتدخل قوات أجنبية وأن ضربات قوات التحالف الجوية ستنعكس في النهاية لصالح التنظيمات المتطرفة ، ألا يشكل الموقف من القوات الاجنبية الغازية للعراق بالأمس والتي لولا اسنادكم لها لما أحتل العراق والموقف من ممانعتكم لقوات التحالف اليوم، ازدواجية في صلب سلوكية ولاية الفقيه ؟ مهما كانت المقاصد السياسية لنظام الملالي في العراق ، فإن الادارة الامريكية تعترف بأن إيران تقاتل الان من خلال مليشياتها وقوة فيلق القدس بقيادة سليماني وتدير اعمال ارهابية داخل العراق قد تكون أعنف من تنظيم الدولة الذي تتصدى له، سليماني جنبا الى جنب مع هادي العامري وابو مهدي المهندس يقاتلون اليوم في جرف الصخر . الادارة الامريكية أعترضت على مشاركة إيران في مؤتمر التحالف الدولي المعني بالتصدي للتنظيم ، كما صرح العديد من الساسة والقادة العسكريين في الإدارة الأمريكية أن ما يحدث اليوم في العراق وبضمنها نشاط التنظيم وتوغله كان بسبب سياسات المالكي وبإشراف ودعم ايراني وهو المسئول عن ما حدث .إن أي خطة عسكرية للتصدي للإرهاب ينبغي ان تكون سريعة وتتصدى لكل واجهات الارهاب بضمنها المليشيات اللاحكومية الارهابية التي يتم درج مقاتليها مع القوات المسلحة تحت مسمى الحشد الشعبي ولكن هل حقا ان الإدارة الأمريكية وتحالفها هم جادين في تنفيذ خطة عسكرية سريعة تتفادى المزيد من الدمار والقصف العشوائي للبشر والبنية التحتية للبلاد؟.

نظام ولاية الفقيه يتصرف وكأن العراق هو جزء من صلاحيات ولايته ويتسع في مد خراطيم اخطبوطه فيه ويمتد من خلاله الى سوريا ولبنان والى اليمن والبحرين من منافذ اخرى على نفس النهج وهو لا يحتاج لتفويض وفقا لمفهوم تصدير الثورة الذي يتبناه، هل كانت الولايات المتحدة والغرب في غفلة عن مخاطر نشوء الدولة الدينية الايرانية وتنصيب الخميني بديلا لنظام الشاه المعزول ، ولماذا استيقظت اليوم لتعلن ان تنظيم الدولة الاسلامية يشكل خطرا كبيرا على العالم كله وليس فقط في العراق وسوريا؟ ما الفرق لو كان التعامل بلا ازدواجية بين دولة التنظيم التي تتبنى الولاية وبين دولة الخميني التي تتبنى دولة الولاية ؟ ألم يكن قيام دولة إسرائيل وهي دولة دينية عنصرية في المنطقة مثار حروب وعنف وصراع دائم منذ أن اختلقت هذه الدولة في فلسطين لغاية اليوم ؟. في كل الاحوال النظام الإيراني القائم في طهران لا يمكن ان يكون جزءا من حل لنكبة العراق التي ما زالت ولاية الفقيه تزيد فتيلها اشتعالا واتقاداً لأغراض توسعية وبأهداف عرقية لكنها تتخذ من الدين والمذهب غطاءً شرعياً له ، والمعضلة هي أن الأحزاب الطائفية الحاكمة في العراق لا تعتقد بذلك وتتبنى مشروعية ايران للتدخل بالشأن العراقي في حين تحرمه على الاخرين على سبيل المثال الدول العربية وتركيا ؟

تركيا سليلة الأمبراطورية العثمانية كما صرح اوردغان زعيم حزب العدالة الحاكم لثلاث دورات انتخابي ، لا تريد تركيا ان تقحم نفسها وتندفع للمشاركة بكل مشروع امريكي او غربي او صهيوني توسعي في المنطقة العربية وهي تعتقد ان نكبة العرب جاءت بعيد سقوط الدولة العثمانية والتي اسفرت عن تقسيم العرب الى دويلات تحت هيمنة الحلفاء المنتصرين وقيام دولة اسرائيل الخاصرة القاتلة في قلب العالم الاسلامي فلسطين، تهتم القيادة التركية في بناء نظام وسطي غير متطرف يهدف لإحداث تنمية اقتصادية كفيلة ببناء دولة قوية كفيلة بكبح جماح الدول المحيطة بها وإيران على رأس هذه الدول التي تخشى تركيا قوتها وارثها وكيدها التاريخي بدورها في المنطقة على امتداد التاريخ حين كان العراق يشكل مركز الصراع بينها وبين الفرس واقوام أخرى . النهج التركي في بناء الدولة العصرية بمنظور قيمي يختلف عن النهج الايراني الذي يعتمد على التمدد والتوسع دون الاعتبار لإيجاد تنمية واقتصاد رصين يكون أساسا حتى لمشروع التوسع الذي تنشده ، ولهذا تحسب ايران الاسلامية دولة ضعيفة ومفككة ومهددة داخليا بالانقسام فيما تحسب تركيا الحديثة دولة اسلامية قوية صاعدة . تركيا تدرك جيدا ان الرفاه الاجتماعي الذي تحققه لشعبها يغنيها ويخفض من طموح شعبها  للإنضمام للإتحاد الاوربي وسوقه الاقتصادية المشتركة التي بدأت تنخر بنفسها ، تجد تركيا ان دورها وعلاقاتها ومسئولياتها في المنطقة لها أسبقية على كونها عضواً في الحلف الأطلسي ، بهذا التفكير لا تنحى تركيا اليوم ولا تظهر بوادر اي مشروع توسعي في المنطقة العربية وان اطماعها بالعلاقة مع الدول العربية لا تتجاوز اهمية بناء استثماراً اقتصادياً متيناً تتنافس في تحقيقه مع دول متعددة . الكثير من ساسة العراق الجدد بعد الاحتلال تحدثوا عن أطماع تركية في العراق دون ان يستطيعوا تقديم اي دليل واقعي يثبت ذلك على الأخص فيما يتعلق بوحدة العراق ، إذ لا يوجد دليل ان تركيا تتبنى قيام إقليم سني تقسيمي في العراق ، مع انها تتحفظ على سياسة التهميش للمكون السني في العراق بل تتعاطف مع تطلعات المكون لتحقيق مطالبه وحقوقه المشروعة وتحتضن مؤتمرات وفعاليات لا تخرج عن نطاقها التنظيري والتوافقي لمساندة حق المكون السني بنيل حقوقه . التهديد بحرب المياه بين العراق وتركيا اسطوانة قديمة مطروقة لم تتطور يوما ولا يمكن ان تسفر الى مواجهة عسكرية او توسعية ، تعزى لقصور خدمي للأنظمة الحاكمة سواء في التنافس على الاستغلال الامثل او التقصير بتحقيق خطط اروائية ناجعة لتوزيع الثروة المائية . لم نسمع عن وجود أي تهديد بدخول قوات عسكرية تركية الى العراق حتى من خلال كونها عضوا في الاطلسي في مشروع يحمل تهديدا مباشرا للعراق أرضا وشعبا . لم تهدد تركيا العراق عسكريا الا عندما اقتربت القوات الإيرانية من البصرة عام 1986 وافصحت عن إقامة الدولة الاسلامية فيها إبان الحرب العراقية الايرانية بحقها في ولاية الموصل ان حدث ذلك بتوافق دولي . وجود تركيا الحديثة بقيادتها الجديدة يشكل عامل توازن في المنطقة بالرغم من اشتداد وتعقد النكبة العراقية . الاسلام الوسطي الذي يأخذ بتجارب الدولة المدنية الحديثة في إطار المواطنة والتساوي بالحقوق والواجبات هو اساس نهج حزب العدالة في تركيا ونجح في تركيز نهجه في تركيا بالرغم من حالة التطبيع المجتمعي الذي اوجدته حقبة الحكم التي اعقبت سقوط الدولة العثمانية . التنظيمات الاسلامية المتطرفة شيعية وسنية التي تقوم على نهج القوة والسيف من أجل اعادة نمط الخلافة الاسلامية الأولى وفق عقيدة فكرية مستوحاة من حالة الضعف والتهميش والرداءة التي تمارسها الأنظمة الحاكمة ومستندة الى نصوص شرعية ذات خصوصية في التنزيل وتجارب حركات متطرفة برزت في حقب تاريخية مظلمة وزاهرة بتاثير الغلو الفكري الموروث والمتجدد بتاثير حضاري يختلف كثيرا بل يحسب خصما وندا للفكر والنهج التركي الحالي في فلسفة المفهوم والتطبيق ، وإذا كانت تركيا بفترات حملات الغزو على افغانستان واجنداته الدولية قد تعاطفت مع حركات الاسلام السياسية التي حملت السلاح بوجه الغزاة ،لكن هذا التعاطف لم يكن محصورا بارادة الدولة بقدر ما كان يشكل تعاطفا شعبيا جماعيا لكل الشعوب الاسلامية التي وجدت في قتال المجاهدين الافغان واسنادهم شرعية دينية ووطنية لم تكن الانظمة القومية الحاكمة قادرة على كبح جماح ذلك التعاطف .

الحكومة التركية التي تنصب العداء لحزب العمال الكردستاني الذي كان يشن عملياته العسكرية من شمال العراق ، لم تزج بقواتها العسكرية لصد هجمات هذا الحزب الا من خلال اتفاقيات عقدتها مع النظام السابق ومع سلطة الاحتلال و حكومة الاقليم الكردي بعد الاحتلال .

(كوباني ) وتعقيداتها وردود الفعل الإقليمية والدولية حول الصراع فيها بين تنظيم الدولة وحزب العمال الكردستاني تشكل سرا غامضا عندما تحتل وتتصدر طبيعة الصراع وتحتل اهتمامات الإعلام . احتلال عواصم عربية كطرابلس وبنغازي وصنعاء والحديدة ونينوى وصلاح الدين والانبار من قبل تنظيم الدوله والتنظيمات المتطرفة الاخرى، وقصف دمشق بالبراميل المتفجرة من قبل النظام السوري لم يحتل مكانة اعلامية ودولية كتلك التي احتلتها كوباني لتصبح موضع اهتمام الادارة الامريكية والتحالف الدولي بالاسراع لنجدتها . قد يكون السر متعلق بكون ان سكان الناحية هم أكراد سنة سوريون وانها تحتل بهذه المكانة نواة الاقليم الكردي الذي سيعلن عن تشكيله ضمن مشروع التقسيم الامريكي المعد للإشهار في وقته ، وأن احتلال تنظيم الدولة له باعتباره ارض تابعة لخلافة اسلامية سيقف عثرة تحول دون هذا الاعداد المسبق وهو نفس التفسير الذي ينطبق على سرعة الرد الامريكي على تقدم تنظيم الدولة الى اربيل عاصمة الاقليم الكردي وتهديده لها والذي اعتبرته الإدارة الأمريكية خطا احمر يهدد قواعدها وتحضيراتها لمستقبل اقليم يحسب انه قاعدة امريكية بديلة او رديفة لدولة اسرائيل في المنطقة ، اما التفسير الثاني فيعود للأهمية الجغرافية للناحية وهي ناحية حدودية مع تركيا وتريد امريكا من خلال موقعها الحدودي ان تصنع منها ذريعة بكل الوسائل لسحب تركيا الى حاضنة التحالف الدولي وهي عضو في حلف الاطلسي ، وهذا ما تحاول القيادة التركية تفاديه بشتى الوسائل من خلال فرض شروطها التي تجد بها ضمانات قوية لتجنب ازدواجية التحالف الدولي في التعامل مع واجهات الارهاب في سورية والعراق . حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل في كوباني يصطف كحزب معارض لحكومة تركيا ، وبالتالي فأن من حق تركيا ان تحرص الا يصل السلاح الى حزب معارض لها واحتمال ان يستخدم ذلك السلاح داخل تركيا من خلال اجراءاتها الأمنية ، كان ممكن ان تقف الحكومة التركية بصلابة ضد حزب معارض لها انتقاما وتمنع دخول افراده لاستخدام الاراضي التركية كممر الى كوباني ولكن المؤشرات لا تدل على ذلك . لقد كان بامكان تركيا ان تحتج حتى على قيام الاقليم الكردي الذي يحسب تغييرا إداريا ، وكذا الحال في هيمنة تنظيم الدولة على الموصل لأن كلا الحدثين يخل بمعاهدة تبعية الموصل للعراق وقيودها  ،ولكن ذلك لم يحصل أيضا بما يشير الى ان الحكومة التركية تحرص على علاقات جيدة مع الاقليم ومع السلطة في بغداد وهذا الموقف يعلل الموقف التركي من قضية تصدير النفط من الاقليم الكردي من خلال اراضيها دون الرجوع الى موافقة الحكومة المركزية . لو كان لتركيا موقف معارض وحاد لسلطة ما بعد الاحتلال في العراق ، لكان لإوردكان تصريحات واجراءات كتلك التي يطلقها ضد اسرائيل واعتداءاتها على الشعب الفلسطيني في غزة والتي لا يطال لها أي موقف عربي معلن . تركيا لغاية اليوم لم تكن طرفا محرضا او مندرجا باحداث العراق ونكبته الا بقدر الحفاظ على أمن شعبها وارضها لعراق ما بعد الاحتلال .

النظام العربي الحاكم لدول الجوار العراقي : لم تستطع الانظمة الحاكمة للدول المجاورة للعراق بعد احتلال العراق او حتى قبل احتلاله ان تشكل نظاما حاكما قويا في القيادة ووحدة الصف ، وزادت عملية احتلال العراق وما تبعها من تعقيدات واصطفافات في ضعف الموقف العربي وتصدعه وخنوعه ، اختفت شخصيات ملوك ورئاسات عربية لها حجمها وتاثيراتها الدولية ، ولم تستطع السعودية المعروفة بحنكة وزير خارجيتها المخضرم سعود الفيصل لاسباب غامضة ولا الجامعة العربية ان تصنع موقفا موحدا رصينا تجاه احداث ما سمي بالربيع العربي وصفحاته المعقدة والغير معلنة في المنطقة وتوالت الاحداث وفق برامج ومشاريع مخطط لها في غفلة النظام العربي وجامعته العربية ومؤتمراتها الباهتة , وعاشت الشعوب العربية المقهورة بجور الحكام ردود فعل تسودها العاطفية والصدمة في واد وقياداتها في واد مما أثار الذعر في انظمتها مما جعلها اكثر تشبثا بحماية الإدارة الامريكية لتكون أسيرة لمواقفها وقراراتها ، وهذا ما يفسر موقف السعودية مما يحدث في اليمن ، فبعد ان كانت صاحبة قول وفعل في حل الازمة اليمنية ، أمست وما زالت في حالة ذهول وصمت عما يجري على حدودها في اليمن لتكون ضمن دائرة التهديد لأمنها ونظامها وهي الدولة التي كان يمكن تقود النظام العربي لموقف أسلم واشجع لشعوب ودول المنطقة . الدور العربي في أزمة العراق ونكبته لم يعد يحسب له حساب واصبح بمرور الزمن مجرد امنيات وهكذا ارتهنت السياسة الايرانية الناعمة بخراطيم اخطبوطها المتوغلة في العراق ولبنان وسوريا واليمن والبحر الاحمر والبحرين والكويت الى مضيق هرمز ، صاحبة القرار دون رادع بسبب تاثير هذه الخراطم وقدرتها على ابتزاز المواقف الحاسمة لأي نظام حاكم ذو تاثير . ما يطفوا في الاعلام من مساندة فاعلة او تعاطف للسعودية ودول الخليج الاخرى مع العراق صناعة مصطنعة لا وجود لها تبتز بها ايران هذه الدول اعلاميا لتدفعها الى المزيد من الخنوع وحالة الضعف . يتمنى أحد كتابنا السياسيين البارزين ان يرزق الله امتنا العربية بحاكم واحد يحمل مواصفات اوردغان .

الدولة الصهيونية (إسرائيل ) : تعودنا ان نعزي ان كل الذي يحدث في المنطقة فيه بصمة لدور اسرائيلي ويصب في صالحها ، ويعتقد البعض ان ذلك جزء من عقدة المؤامرة التي نفسر بها الأحداث ، لكن الواقع يشير الى مصداقية الفرضية لمن يتابع سير الاحداث ، كل الذي حدث في المنطقة منذ أن زرعت الدولة الاسرائيلية فيها لغاية اليوم يجري لصالح اسرائيل والحفاظ على امنها ومصالحها ويزيد من كارثة الشعب الفلسطيني المهجر ومحنته . احتلال العراق ونتائج ما سميَّ بالربيع العربي انصبت جميعا لصالح اسرائيل ، الجيوش العربية انحلت وتفككت ، والزعامات العربية التي حملت كرزمات سياسية لعقود من الزمن اختفت ، وانتهت مرحلة المد القومي بلا مؤشر لعودتها او لم شتاتها ،والمنطقة كلها ذاهبة الى تقسيم وتفتيت لدويلات قد تصبح اسرائيل كدولة اكبرها وأقواها . وتم اختراق المد الاسلامي وما سمي بالصحوة الاسلامية التي افترض انها الحل لنكبة الامة فإذا بها اداة للنكبة الحالية بانت بوادرها بمسخ سمة الدين والنيل من روح التسامح والحكمة فيه . عواصم العالم العربي التي كانت مراكز إشعاع وابداع مثل بغداد الرشيد والسلام ودمشق وصنعاء وطرابلس اصبحت عواصم للموت والارهاب والظلام . الشيء الوحيد الذي تخشى منه اسرائيل  هو ان يصبح العراق مهدا لقواعد أمريكية قليلة الاعباء والتكاليف مقارنة بكلفها الباهظة على  كاهل الاقتصاد الامريكي المنهك، تنافسها بالاهتمام والرعاية . بين حين وآخر تظهر تصريحات من بين القيادات تبقى عالقة في ذهنية المواطن العربي لما تحمل من بعد في النظر وقراءات تحليلية منها ما حذر من خطورته جلالة الملك عبد الله الثاني حول تصاعد النفوذ الايراني في المنطقة وعبر عنه بعبارة ( الهلال الشيعي ) الذي اضحى حقيقة اليوم واعتبرته ايران وقيادات شيعية انه يحمل نوعا من العدوانية لطائفة ما ، ولكنه في الحقيقة كان يحمل انذارا لما يمكن ان يصنعه التسييس الطائفي من مخاطر ، وها هي مخاطر هذا التسييس تبدو جلية لكل عين ثاقبة لأحداث سوريا ولبنان والعراق واليمن اليوم والذي يكاد فيه الهلال ان يكتمل ليطوق المنطقة كلها بشحن طائفي قاتل ومخيف . لقد أن الأوان لينتبه عرب المنطقة والخليج والمحيط لخطورة ما يحيق بهم من مخاطر محدقة ان لم تكن لهم رؤية صائبة ووقفة جادة موحدة تجاه ما يحدث ؟ لا اعتقد ان هناك مبرر ليختلف قادة العرب ويقفوا موقف المتفرج فيما تفعله ايران في المنطقة ولا فيما يرتكبه النظام السوري في شعبه من جرائم ، وحزب الله اللبناني في سوريا والعراق من تحديات واختراقات وكذا الحال فيما ترتكبه الاحزاب الطائفية مدعومة بالسلطة من جرائم وتهميش لمكون كامل ، وما يعبث به الحوثيون باليمن من انتهاك كامل للسلطة بل ابتلاعها وما يقترفوه من جرائم بحق شعب اليمن . لماذا لا يقف قادة العرب وقفة لما يحدث اليوم  كالتي وقفوها مع العراق في حرب البوابة الشرقية للعرب  التي خاضها العراق مع ايران لثمان سنوات ؟ ألسنا اليوم على ابواب خطر حرب في  ساحات عواصم عربية عريقة ممكن ان تمتد لتحرق العالم العربي كله ، بسبب موجات العنف والارهاب والطائفية المقيتة والمكائد الصهيونية اللعينة ؟ ولماذا نتوافق على مشروع تحالف دولي تقوده أمريكا ، لا ضمانات فيه لصالح العرب ، إذا كانت هذه النار البغيضة والتطرف المأزوم قد اوقدت واتسعت داخل الساحة العربية بإرادة إقليمية حاقدة ؟ أليس العرب هم المستهدفون حين تلتهم النيران أرضهم ويعبث الغلو بدينهم وقيمهم ؟ أليسوا هم الأجدر بمشروع يوحدهم للتصدي للإرهاب بملئ أرادتهم وإدارتهم لتطهير قيمهم وارثهم ودينهم وأرضهم من كيد الارهاب والطائفية والتطرف المتنامي في منطقتهم بكيد وثأر الصهيونية العابثة والصفوية الحاقدة ؟.

من سخريات القدر ان تبحث الادارة الامريكية عن مبرر لتستعيد نفوذها في العراق وتعيد حملة التجييش الدولي من جديد لاحتلال العراق بذريعة مجابهة تنظيم الدولة الاسلامية كونها تتبنى فكرا دينيا متطرفا ، وهي الدولة التي تقمصت دور الأم والحاضن لمشروع الدولة الصهيونية الدينية العنصرية (إسرائيل ) التي زرعت في قلب العالم العربي والشرق الاوسط كمصدر توسع وتمدد وعنف وإرهاب لشعب هجر من موطنه وتعرض لأكبر وأطول وأعنف عدوان وتشريد واضطهاد والتي كانت سببا رئيسا  لتبني الادارة الامريكية لمشروع غزو العراق  لضمان أمنها في المنطقة  التي شهدت حروبا طاحنة وخسائر بشرية ومادية مع هذه الدولة اللقيطة كانت الادارة الامريكية خلف اثارتها وتقديم كل وسائل التسليح والدعم فيها منذ اعلانها لاكثر من ست عقود مضت ، واميركا والغرب حليفا الشاه في ايران لعقود  تخلتا عنه عندما احتضنتا الخميني ومهدت لعودته لتاسيس دولة ولاية الفقيه الدينية والمذهبية على فرضية سد الفراغ لحين ظهور الامام المنتظر والتي اجج الملالي فيها حربا طاحنة مع العراق في المنطقة لثمان سنوات استنفذت موارد البلدين البشرية والاقتصادية تعزي ديمومتها لسياسات اميركا والغرب خلالها كانت اسرائيل هي المستفيدة وهي التي حطمت المفاعل النووي العراقي خلالها والذي حسبته اكبر واخطر تهديد أمني يمتلكه العراق في حينها قبل ان يكتمل . احتلال العراق وتحطيم الدولة  وتبني عملية سياسية طائفية مقيتة 0( في حقبة الحرب الباردة وسقوط الاتحاد السوفيتي وتهافت الفكر القومي واللبرالي مع تصاعد المد الديني فيما سمي بالصحوة الاسلامية ومحاولات امتلاك السلاح النووي  في المنطقة وتاسيسه لأنظمة حاكمة فيه ، شجع الادارة الامريكية على امداد خطوط رعاية هذا المد السياسي الاسلامي والتاصيل لمصادر الصراع في مكوناته لفترة طويلة تستنفذ موارد المنطقة وتغرقها في حروب ونزاعات عقيدية وطائفية معقدة فسمحت بتصدير وتنويع هذا القوى الناهضة فكريا وعسكريا لعقود من الزمن وبتمدد مخالبه وتنظيماته العسكرية المتعددة لتوسيع رقعة الصراع لخلق الازمات وتعاقبت احداث ما سمي بالربيع العربي وغرق العرب في اجواء صراع الاسلام السياسي بصنع فرق عقيدية داخل الطائفة الواحدة وصراعات عسكرية طائفية بين الفرق وهكذا  ظهرت وقوت شوكة التنظيمات الاسلامية المتطرفة . وهذه هي حقيقة وطبيعة الصراع القائم الان في العراق وسوريا واليمن ومصر وليبيا وظواهر امتداده الى لبنان والمغرب العربي والانظمة الحاكمة في ايران وتركيا والخليج .

 

 

اترك رد