البرلمان يتحرك لإصلاح الاقتصاد والخدمات في العراق

المستقلة/- يتجه مجلس النواب العراقي نحو دفع حزمة من المقترحات التشريعية التي تستهدف معالجة ملفات اقتصادية وخدمية ومالية متشابكة، في مقدمتها استثمار الغاز المصاحب، وتوسيع مشاريع الطاقة الشمسية، ودعم السكن، إلى جانب إعادة تحريك المشاريع الخدمية المتوقفة ومعالجة ملف خريجي كليات الهندسة.

وتأتي هذه التحركات في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية متزايدة، أبرزها الاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية، واستيراد الغاز لتلبية احتياجات قطاع الكهرباء، فضلاً عن أزمة السكن وتراجع قدرة الموازنة على تمويل جميع المشاريع المطلوبة في المحافظات.

ويبرز مقترح قانون الغاز المصاحب باعتباره أحد أهم الملفات المطروحة، إذ يستهدف وقف حرق الغاز المصاحب الناتج عن عمليات استخراج النفط والعمل على استثماره داخل العراق. ومن شأن تطبيق هذا التوجه أن يحول جزءاً من الثروة المهدورة إلى مورد اقتصادي يمكن الاستفادة منه في دعم قطاع الطاقة وتقليل الحاجة إلى استيراد الغاز.

ولا تقتصر خسائر حرق الغاز على الجانب المالي، بل تمتد إلى الجانب البيئي، بسبب الانبعاثات الناتجة عن عمليات الحرق المستمرة بالقرب من الحقول النفطية. وبالتالي فإن استثمار الغاز يمثل فرصة مزدوجة للعراق: زيادة الاستفادة الاقتصادية من موارده الطبيعية وتقليل الأضرار البيئية.

وفي المسار نفسه، يناقش البرلمان قانون الطاقة الشمسية، الذي يهدف إلى تنظيم الاستثمار في مشاريع إنتاج الطاقة الشمسية وتوزيعها بمشاركة القطاعين العام والخاص. ويكتسب هذا الملف أهمية كبيرة في ظل أزمة الكهرباء والحاجة إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود المستورد.

أما قانون السكن الأول، فيحاول معالجة جانب من أزمة السكن من خلال تمكين المواطنين، ولا سيما الشباب ومحدودي الدخل، من الحصول على وحدتهم السكنية الأولى عبر آليات تمويل وضمانات وإعفاءات أكثر تيسيراً.

وفي الجانب الخدمي، تتحرك لجنة الخدمات النيابية لإضافة تخصيصات لمشاريع جديدة ضمن الموازنة المقبلة، مع التركيز في الوقت ذاته على المشاريع المتوقفة والمتلكئة التي أنفقت عليها أموال في مراحل سابقة ولم تصل إلى مرحلة الإنجاز.

وتشير التحركات النيابية إلى توجه لإجراء زيارات ميدانية للمحافظات وتشخيص أسباب توقف المشاريع، إلى جانب استضافة المسؤولين المعنيين للبحث عن حلول عملية. وتبرز هنا أهمية إعادة تقييم المشاريع القديمة قبل إطلاق مشاريع جديدة، خصوصاً أن استكمال المشاريع التي وصلت إلى مراحل متقدمة قد يكون أقل كلفة وأكثر سرعة في تحقيق النتائج للمواطنين.

كما تبرز القروض والاتفاقات التمويلية باعتبارها أحد مصادر تمويل المشاريع، في ظل محدودية التخصيصات الاعتيادية للموازنة. إلا أن الاستفادة من هذه الموارد تحتاج إلى رقابة صارمة لضمان توجيهها نحو المشاريع ذات الأولوية ومنع تراكم مشاريع جديدة متلكئة.

وفي ملف آخر، يتجه البرلمان إلى بحث معالجة أوضاع خريجي كليات الهندسة، من خلال مقترح يدرس إمكانية توفير درجات وظيفية لهم ضمن الموازنة العامة، بالاستناد إلى احتياجات مؤسسات الدولة والدرجات الشاغرة الناتجة عن التقاعد والوفاة.

ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة مع وجود أعداد كبيرة من الخريجين الباحثين عن فرص عمل، في وقت تحتاج فيه مؤسسات الدولة إلى تخصصات هندسية في قطاعات الإنشاء والطاقة والخدمات والبنية التحتية.

ويعتمد المقترح على التنسيق مع وزارتي التخطيط والمالية لتحديد الدرجات الشاغرة والاحتياجات الفعلية والقدرة على توفير الغطاء المالي، مع التأكيد على اعتماد القوائم الرسمية وتدقيقها من قبل الجهات المختصة لمنع الازدواج الوظيفي وضمان سلامة التعيينات.

وبذلك تبدو التحركات النيابية الحالية كأنها محاولة لبناء حزمة اقتصادية وخدمية متكاملة: استثمار الثروة بدلاً من هدرها، تنويع مصادر الطاقة، معالجة أزمة السكن، إعادة تشغيل المشاريع المتوقفة، وخلق فرص لاستيعاب الخريجين.

لكن نجاح هذه المقترحات لن يتوقف على تشريع القوانين وحده، بل على قدرة المؤسسات التنفيذية على تحويلها إلى مشاريع وإجراءات فعلية، مع توفير التمويل والرقابة والجدولة الزمنية الواضحة.

فالعراق يمتلك موارد كبيرة، إلا أن التحدي الأساسي يبقى في كيفية إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى خدمات وفرص عمل وتنمية مستدامة. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لمجلس النواب والحكومة في تحويل الحزمة التشريعية من مقترحات على الورق إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى