العراق يعيد هيكلة ملف التسليح لمكافحة الفساد

المستقلة/- يتجه العراق إلى فتح ملف حساس يتعلق بإدارة صفقات التسليح والعقود الأمنية، مع طرح مقترح لتشكيل «المجلس الأعلى للتسليح» بهدف إعادة تنظيم عملية شراء الأسلحة والمعدات العسكرية وإخضاعها لمنظومة أكثر تخصصاً ورقابة.

المقترح الذي قدمته كتلة «منتصرون» النيابية إلى القائد العام للقوات المسلحة، بحسب ما أُعلن، يهدف إلى إنشاء جهة متخصصة تتولى الإشراف على خطط التسليح والعقود المرتبطة بها، مع ارتباط مباشر بالقائد العام للقوات المسلحة وموازنة مستقلة.

من الناحية الإدارية، يمثل هذا الطرح محاولة للانتقال من إدارة صفقات التسليح بطريقة موزعة بين المؤسسات إلى نموذج أكثر مركزية وتخصصاً، خصوصاً أن العراق يمتلك عدداً كبيراً من المؤسسات والتشكيلات الأمنية والعسكرية التي تحتاج إلى معدات وأنظمة مختلفة.

وتكمن أهمية الفكرة في أن التسليح ليس مجرد عملية شراء أسلحة، بل منظومة متكاملة تبدأ بتحديد الاحتياجات العسكرية، ثم إعداد المواصفات الفنية، واختيار الشركات، والتفاوض على الأسعار، وفحص المعدات، والتدريب، والصيانة، وتوفير قطع الغيار، وصولاً إلى تقييم أداء المنظومات بعد دخولها الخدمة.

وأي خلل في واحدة من هذه المراحل يمكن أن يؤدي إلى خسائر مالية كبيرة، خصوصاً في العقود التي تتضمن مبالغ ضخمة أو معدات متطورة ذات أسعار مرتفعة.

المقترح يأتي أيضاً في ظل حديث عن شبهات فساد رافقت بعض العقود الحكومية السابقة، وهي نقطة تجعل إصلاح منظومة التسليح قضية مالية بقدر ما هي قضية أمنية.

فالدولة التي تنفق مليارات الدولارات على الدفاع تحتاج إلى ضمان أن كل دولار يُنفق على التسليح يحقق قيمة عسكرية حقيقية، وليس مجرد قيمة تعاقدية.

ومن هنا تأتي أهمية وجود جهة متخصصة قادرة على إجراء المقارنات الفنية والمالية بين العروض، والتأكد من أن المواصفات المطلوبة تتناسب فعلياً مع التهديدات التي تواجه العراق.

لكن إنشاء مجلس جديد لا يعني تلقائياً القضاء على الفساد.

المشكلة الأساسية ليست دائماً في عدد المؤسسات الرقابية، وإنما في طريقة عملها واستقلاليتها ووضوح صلاحياتها.

فإذا كان المجلس المقترح سيشرف على العقود، فمن الضروري أن تكون هناك آليات تمنع تضارب المصالح، وتضمن توثيق قرارات الشراء، وتفرض تدقيقاً فنياً ومالياً مستقلاً، وتحدد المسؤولية القانونية عن أي تجاوز.

كما أن الموازنة المستقلة للمجلس يمكن أن تمنحه قدرة أكبر على العمل، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى ضوابط مالية ورقابية واضحة حتى لا تتحول الاستقلالية المالية إلى مساحة جديدة للإنفاق غير المنضبط.

الجانب الآخر المهم في المقترح هو طبيعة التشكيلة المقترحة للمجلس، والتي تشمل ممثلين عن وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والحشد الشعبي وجهاز مكافحة الإرهاب والأمن الوطني وبقية التشكيلات.

هذه المشاركة يمكن أن تساعد في توحيد الرؤية الوطنية للتسليح، بدلاً من أن تعمل كل مؤسسة وفق احتياجاتها بمعزل عن المؤسسات الأخرى.

لكن نجاح هذا النموذج يتطلب تحديداً واضحاً للصلاحيات؛ لأن تعدد الجهات داخل مجلس واحد قد يؤدي إلى تضارب الأولويات إذا لم تكن هناك استراتيجية وطنية موحدة للتسليح.

العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى شراء المزيد من الأسلحة، بل يحتاج إلى بناء عقيدة تسليح حديثة مرتبطة بطبيعة التهديدات الجديدة.

فالحروب الحديثة لم تعد تعتمد على الدبابات والطائرات والمدفعية فقط، وإنما أصبحت تشمل الطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والاستطلاع والمراقبة، وأنظمة الدفاع الجوي، والصواريخ الدقيقة.

ولهذا فإن أي استراتيجية تسليح عراقية جديدة يجب أن تجيب أولاً عن سؤال أساسي: ما هي التهديدات التي يستعد العراق لمواجهتها خلال السنوات العشر المقبلة؟

وبناءً على الإجابة، يتم تحديد الأولويات، بدلاً من شراء معدات عسكرية لمجرد توفرها في الأسواق الدولية.

وهنا يمكن أن يصبح المجلس المقترح أكثر من مجرد جهة رقابية على العقود، إذا تحول إلى مؤسسة تخطيط استراتيجي تحدد احتياجات القوات المسلحة وتربط الإنفاق الدفاعي بالتهديدات الفعلية.

اقتصادياً، يمكن أن يساعد توحيد المشتريات في تحسين القدرة التفاوضية للدولة، خصوصاً عندما يتم شراء معدات متشابهة بكميات كبيرة، كما يمكن أن يقلل من ازدواجية الإنفاق بين المؤسسات الأمنية المختلفة.

لكن ذلك يتطلب أيضاً بناء قاعدة بيانات موحدة للمعدات والأسلحة وقطع الغيار، ومعرفة كلفة دورة حياة كل منظومة عسكرية، وليس فقط سعر شرائها.

فقد تكون منظومة عسكرية رخيصة عند الشراء، لكنها تصبح مكلفة جداً بعد سنوات بسبب الصيانة وقطع الغيار والتدريب.

ومن هنا يجب أن يتحول تقييم العقود من سؤال «كم يبلغ سعر الصفقة؟» إلى سؤال أكبر: كم ستكلف الدولة هذه المنظومة طوال فترة خدمتها؟

أما الحديث عن تضمين المقترح ضمن قانون وزارة الدفاع، فيمكن أن يمنحه أساساً قانونياً أكثر استقراراً، لكنه يحتاج إلى دراسة دقيقة لتحديد العلاقة بين المجلس والوزارة والقائد العام للقوات المسلحة والجهات الرقابية والبرلمان.

العراق أمام فرصة لإعادة بناء منظومة التسليح على أسس أكثر مهنية، لكن نجاح هذه الخطوة سيتوقف على التفاصيل وليس على اسم المجلس.

إذا استطاع المجلس المقترح أن يحقق ثلاثة أهداف رئيسية، وهي تحديد الاحتياجات الحقيقية، خفض كلفة العقود، ومنع تضارب المصالح والفساد، فقد يمثل تحولاً مهماً في إدارة الإنفاق الدفاعي.

أما إذا أصبح مجرد طبقة إدارية جديدة فوق المؤسسات الموجودة، فقد يضيف تعقيداً جديداً من دون أن يعالج أصل المشكلة.

في النهاية، ملف التسليح في العراق لا يتعلق فقط بالأمن، بل يتعلق أيضاً بالمال العام والسيادة والقدرة على بناء مؤسسة عسكرية حديثة.

والاختبار الحقيقي لأي إصلاح مقبل لن يكون في عدد الصفقات التي يتم إبرامها، وإنما في قدرة الدولة على التأكد من أن السلاح الذي تشتريه هو السلاح الذي تحتاجه، بالسعر العادل، وبالمواصفات المطلوبة، ومن دون أن تتحول العقود الأمنية إلى باب جديد لهدر المال العام.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى