أحزاب السلطة وقانون الأحزاب

د. أبو جعفر الحسيني…

إنَّ الأداة التي يستخدمها الشعب لتحقيق النظام العام أعني الأمن العام والصحة العامة والسكينة العامة له هو القانون والأداة التي يستخدمها الشعب لوضع الحق في نصابه هو القانون والإدارة التي يستخدمها الشعب لتحقيق العدالة الاجتماعية هي القانون والأداة التي يستخدمها المجتمع لتنظيم السلوك بشكل عام هو القانون والأداة التي يستخدمها الشعب للإصلاح هي القانون والأداة التي يستخدمها الشعب لتحقيق المساواة أمام القانون هي القانون فكيف إذا كان القانون منحرفا؟ هذا سؤال عجيب لأنَّ القانون له سيف واحد يطبقه على الجميع فكيف يكون منحرفا؟

ولماذا ينحرف القانون؟ القانون يصدر عن السلطة التشريعية، وعندما يكون أعضاء السلطة التشريعية كلهم أعضاء في أحزاب أو قوائم لتنظيمات سياسية، فتكون السلطة التشريعية متألفة من الأحزاب، وهذه الأحزاب يمكنها ببساطة أن تُصدر قانونا منحرفا، كما حصل في قانون الأحزاب الذي أصدرته أحزاب السلطة التشريعية، والحقيقة إنَّ هذا القانون مليء بالانحرافات ولكن لنضع يدنا على أحد تلك الانحرافات، نصّ هذا القانون في مادته (42) على ما يأتي “تتسلم الأحزاب أو التنظيمات السياسية إعانة مالية سنوية من ميزانية الدولة، ويتم تحويلها إلى حساب كل حزب أو تنظيم سياسي من قبل وزارة المالية” ومع أنَّ البلد يمرّ بأزمة مالية، ومع أنَّ الشعب يدعو إلى إنهاء الفساد المالي، ومع أنَّ الشعب يتظاهر لتخفيض الامتيازات المالية للأحزاب، نجد أنَّ أحزاب السلطة تدخل من شباك قانون الأحزاب فتمنح لنفسها حقوقا مالية جديدة، ويمكن استيعاب هذا الامتياز الجديد ونقول يمكن للشباب تجاوز قلّة ذات اليد ويؤسسون حزبا سياسيا للدفاع عن حقوقهم وتقوم الدولة بتمويله، ولكن تصفعهم أحزاب السلطة لتوقظهم على مصيبة جديدة، وهي أنَّ هذا التمويل أولا تسيطر عليه أحزاب السلطة نفسها لأنَّ الجهة التي توزّع مبالغ التمويل على الأحزاب هي أحزاب السلطة نفسها، ولقائل يقول هذا الكلام غير صحيح لأنَّ قانون الأحزاب نصّ في مادته (44) على أن “تتولى دائرة الأحزاب والتنظيمات السياسية توزيع المبلغ الكلي للإعانة المالية على الأحزاب أو التنظيمات السياسية” نقول صحيح أنَّ هذه الدائرة هي التي تقوم بتوزيع الإعانات المالية على الأحزاب ولكن لا تنسوا يا أخوتي أنَّ أعضاء هذه الدائرة هم من أحزاب السلطة، إذ إنَّ أحزاب السلطة وضعت حساباتها لهذه الدائرة ولذلك جعلتها دائرة من دوائر المفوضية العليا المستقلّة للانتخابات، واحزروا يا أخوتي ممن تتألف هذه المفوضية؟ إذا لم تعرفوا فراجعوا أسماء أعضاء مجلس المفوضين فيها لتعرفوا أنَّها تتألف من أعضاء أحزاب السلطة.

وإذا أردنا أن نتلافى المشكلة السابقة، بل نتركها على ما هي عليه وننساها تحت عذر (ما بيها شي) مع ذلك لن يحصل الشباب عندما يؤسسوا أحزابهم السياسية إلّا على فتات أحزاب السلطة والتي لن تسمح لهم بالحصول على تمويل جيد لينجحوا في مسعاهم، أتعرفون لماذا؟ لأنَّ أحزاب السلطة منحت لنفسها في قانون الأحزاب (80٪) من مبلغ التمويل المرصود للأحزاب والذي توزّعه بواسطة أعضائها في دائرة الأحزاب والتنظيمات السياسية، أمّا غيرها من الأحزاب وهي غير أحزاب السلطة فليس لها من التمويل الحكومي أي ليس لها من أموال الشعب التي خصصتها الدولة لأحزابه إلّا نسبة (20٪) فقط، فتألموا يا أخوتي، أو أضحكوا فإنَّ شرّ البلية ما يُضحك.

أمّا ما قاله الدستور من أنَّ العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز (مادة 14 منه) وأنَّ تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين (مادة 16 منه) فقد ضربت بها أحزاب السلطة عرض الجدار بقانونها قانون الأحزاب.

اترك رد