
المصارف العراقية بين بغداد وصمت واشنطن.. هل رُفعت القيود أم بدأت مرحلة اختبار جديدة؟
المستقلة/- لم يكن بيان البنك المركزي العراقي بشأن إعادة سبعة مصارف إلى النظام المالي العالمي مجرد خبر مصرفي عابر، بل فتح مواجهة من نوع آخر بين رواية بغداد الرسمية وصمت واشنطن. ففي الوقت الذي أعلن فيه البنك المركزي تحقيق تقدم في ملف المصارف العراقية، بقيت وزارة الخزانة الأمريكية، صاحبة القرار الأهم في منظومة الدولار العالمية، خارج المشهد دون إعلان واضح يؤكد رفع القيود عن هذه المصارف.
المعادلة بسيطة: أي انفراج حقيقي في علاقة المصارف العراقية بالنظام المالي الأمريكي يحتاج إلى إشارة واضحة من الجهة التي تملك أدوات الرقابة والعقوبات، وهي وزارة الخزانة الأمريكية. وحتى الآن، لا يظهر بيان أمريكي رسمي يعلن رفع العقوبات أو إزالة القيود عن المصارف السبعة بالاسم، الأمر الذي يجعل التساؤل مشروعاً: هل نحن أمام رفع فعلي للقيود أم أمام خطوة أولى في طريق طويل من الإصلاح والاختبارات؟
البنك المركزي العراقي تحدث عن إعادة المصارف المؤهلة إلى قنوات المراسلة المصرفية الدولية بعد التزامها بمتطلبات الامتثال والحوكمة، وهي خطوة مهمة لاستعادة الثقة بالقطاع المصرفي العراقي. لكن العودة إلى التعاملات المالية العالمية لا تعني بالضرورة انتهاء كل القيود، خصوصاً أن ملف الدولار الأمريكي يخضع لمعايير أمريكية صارمة مرتبطة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومنع استخدام النظام المالي في تحويلات غير مشروعة.
واشنطن خلال السنوات الماضية لم تكن تنظر إلى أزمة المصارف العراقية باعتبارها مشكلة تقنية فقط، بل باعتبارها ملفاً مرتبطاً بالأمن المالي الإقليمي. ولهذا فإن أي تغيير في موقفها يحتاج إلى إجراءات قابلة للقياس، تبدأ بتحسين أنظمة الرقابة وتنتهي باستعادة المصارف العراقية علاقاتها مع البنوك المراسلة العالمية.
المشكلة الأساسية اليوم ليست في الإعلان العراقي، بل في غياب الإعلان الأمريكي المقابل. فبينما تقول بغداد إن الإصلاحات فتحت الباب أمام سبعة مصارف، يبقى السؤال في الأسواق الدولية: هل ستتعامل المؤسسات المالية العالمية مع هذه المصارف باعتبارها عادت فعلاً إلى النظام المالي، أم أنها ما زالت تنتظر الضوء الأخضر الأمريكي؟
ملف المصارف العراقية أصبح اختباراً حقيقياً لقدرة العراق على بناء قطاع مالي مستقل وموثوق. فالمرحلة المقبلة لن تُحسم بالبيانات الإعلامية، بل بحجم الثقة التي ستمنحها البنوك العالمية، وبقدرة المصارف العراقية على إثبات التزامها بالمعايير الدولية.
بين بيان البنك المركزي العراقي وصمت الخزانة الأمريكية، يقف القطاع المصرفي العراقي أمام مرحلة حاسمة: إما أن تكون الخطوة بداية عودة تدريجية إلى النظام المالي العالمي، أو مجرد محطة مؤقتة في طريق طويل من الإصلاحات.
فالقرار النهائي في عالم الدولار لا يُكتب في بغداد فقط… بل يُختبر في واشنطن.





