
لماذا فشلت السعودية في التعامل مع العراق بعد عام 2003؟
المستقلة/- تكشف حصيلة أكثر من عقدين من العلاقات السعودية العراقية عن فجوة واسعة بين ما تمتلكه الرياض من ثقل سياسي وديني واقتصادي، وبين مستوى نفوذها الفعلي داخل العراق، بعدما غابت عن البلاد خلال السنوات التي تشكل فيها النظام الجديد، ثم عادت إليها من بوابة مواجهة إيران قبل أن يغلب على حضورها لاحقًا الطابع الاستثماري.
ولا يعود هذا الإخفاق إلى قوة إيران وحدها، بل إلى غياب استراتيجية سعودية خاصة بالعراق، تتعامل معه بوصفه دولة عربية متعددة المكونات ومركزًا سياسيًا ودينيًا واقتصاديًا مستقلًا، لا مجرد ساحة تنافس مع طهران أو سوق تنتظر المشروعات الخليجية.
بعد إسقاط نظام صدام حسين عام 2003، تحركت إيران سريعًا مستفيدة من علاقاتها القديمة مع أحزاب وشخصيات عراقية عاشت على أراضيها أو تعاونت معها خلال العقود السابقة، بينما بقيت السعودية خارج بغداد في أكثر المراحل حساسية لإعادة تشكيل الدولة.
وظلت السفارة السعودية مغلقة حتى مطلع عام 2016، عندما أعادت الرياض افتتاحها بعد انقطاع دام 25 عامًا منذ غزو الكويت. وخلال تلك السنوات، كانت الأحزاب العراقية تعيد توزيع مواقع النفوذ، والمؤسسات تتشكل، والأسواق تنفتح، فيما بنت إيران علاقات سياسية وتجارية ودينية وأمنية يصعب تفكيكها بمجرد إعادة فتح سفارة أو توقيع مذكرات تعاون. (Reuters)
قراءة طائفية للنظام الجديد
تعاملت الرياض لفترة طويلة بتحفظ مع الحكومات التي قادتها قوى شيعية بعد 2003، واعتبرت صعود تلك القوى امتدادًا مباشرًا للنفوذ الإيراني.
وقال معهد بروكينغز إن السعودية ظلت مترددة في قبول حكومة عراقية يقودها الشيعة، قبل أن تبدأ متأخرة في إعادة الانخراط مع بغداد. كما خلصت مجموعة الأزمات الدولية إلى أن التقارب الحقيقي لم يتسارع إلا في عام 2017، بعد سنوات من القطيعة والشكوك المتبادلة.
لكن هذا التصور اختزل بيئة عراقية شديدة التنوع في انقسام مذهبي مبسط. فالقوى الشيعية ليست كتلة واحدة، وبعضها يرتبط بطهران سياسيًا أو أمنيًا، فيما تحتفظ تيارات أخرى بخطاب قومي عراقي أو تسعى إلى موازنة علاقاتها الإقليمية.
وكان يمكن للسعودية أن تبني علاقات مبكرة مع النجف والمرجعيات الدينية والجامعات والقوى المدنية والعشائر والنخب الاقتصادية والتيارات الشيعية الراغبة في استقلال القرار العراقي. لكنها بقيت سنوات تنظر إلى تلك البيئة من خلال سؤال واحد: من يقف مع إيران ومن يقف ضدها؟
سياسة عراقية تابعة لملف إيران
من أبرز أسباب الفشل أن الرياض لم تفصل بين سياستها تجاه العراق وسياستها تجاه إيران.
فبدل تقديم نفسها شريكًا للعراق بصرف النظر عن علاقاته مع جيرانه، ارتبطت عودتها في الخطاب السياسي بمحاولة «إعادة العراق إلى محيطه العربي» وتقليص النفوذ الإيراني. وأفادت تقارير عام 2017 بأن التقارب ركز على إبعاد بغداد عن طهران، بالتزامن مع دعم إعادة إعمار المدن العراقية المدمرة.
غير أن العراق، حتى عندما يعترض على التدخل الإيراني، لا يستطيع تجاهل جار يتقاسم معه حدودًا طويلة وعلاقات تجارية ودينية وأمنية متداخلة. لذلك لم تكن أمام السعودية فرصة واقعية لإخراج إيران، بل لبناء حضور عربي يمنح بغداد خيارات إضافية ويحد من احتكار طهران للمشهد.
وحين يُقدم الاستثمار أو الانفتاح السعودي بوصفه جزءًا من معركة إقليمية، يصبح من السهل على خصوم الرياض داخل العراق مهاجمته واتهام أصحابه بالانضمام إلى محور معاد لإيران.
ثامر السبهان.. عودة بدأت بالصدام
اختارت السعودية ثامر السبهان أول سفير لها في بغداد بعد إعادة فتح السفارة، لكن المرحلة لم تستمر طويلًا.
فقد أثارت تصريحاته بشأن التدخل الإيراني وأوضاع السنّة ودور بعض الفصائل غضب قوى سياسية وشيعية مسلحة، وطلب العراق من الرياض استبداله خلال عام 2016.
لم تكن المشكلة في وجود مخاوف سعودية من نفوذ إيران أو الفصائل، بل في أن أول عودة دبلوماسية بعد غياب ربع قرن ظهرت بخطاب أمني وصدامي، بدل أن تبدأ بإعادة بناء الثقة والتواصل الهادئ مع مختلف مكونات الدولة.
وسمح ذلك لخصوم الرياض بتصوير السفارة بوصفها طرفًا في النزاع الداخلي، قبل أن تتمكن من بناء شبكة علاقات سياسية واجتماعية تحمي وجودها وتوضح أهدافها.
عبد العزيز الشمري.. هدوء بلا اختراق
تولى عبد العزيز الشمري المهمة في تشرين الأول 2016، واعتمد نهجًا أكثر هدوءًا وأقل صدامًا. ولا يزال الموقع الرسمي للسفارة السعودية يدرجه سفيرًا فوق العادة ومفوضًا لدى العراق.
وخلال مرحلته، تأسس مجلس التنسيق السعودي العراقي عام 2017، وأعيد افتتاح منفذ عرعر الحدودي عام 2020، وتكثفت اللقاءات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.
لكن الهدوء الدبلوماسي لم يتحول إلى نفوذ سعودي مؤسساتي يوازي حجم المملكة.
وكان تقرير نشرته «المستقلة» في حزيران 2026 قد نقل عن مصدرين سياسيين ورجل أعمال عراقي انتقادات لأداء الشمري، قالوا فيها إن علاقاته اعتمدت على دائرة محدودة من السياسيين ورجال الأعمال والوسطاء، وإن النشاط السعودي ركز على التأشيرات والحج والعمرة والاستثمار أكثر من بناء شراكة سياسية وثقافية طويلة الأمد.
ولا يمكن التحقق بصورة مستقلة من مضمون المراسلات التي رفعها السفير إلى حكومته، كما لم تصدر السفارة تعليقًا على الانتقادات الواردة في التقرير. لكنها تثير سؤالًا مشروعًا عن الفرق بين كثرة الجولات واللقاءات، وبين القدرة على إنتاج تأثير سياسي وشعبي مستدام.
محمد بن سلمان.. العراق من منظور الاستثمار
لم يبدأ الفشل السعودي مع صعود ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لأن أهم سنوات الغياب وترك الساحة لإيران سبقته. لكن النهج السعودي في عهده حاول معالجة الخلل أساسًا من خلال الاقتصاد والاستثمار.
وهذه المقاربة تنسجم مع «رؤية 2030» التي جعلت صندوق الاستثمارات العامة أداة مركزية للتوسع الاقتصادي السعودي داخليًا وخارجيًا. وأنشأ الصندوق عام 2023 شركة سعودية عراقية للاستثمار برأسمال مستهدف قدره ثلاثة مليارات دولار، للعمل في قطاعات تشمل البنية التحتية والعقارات والزراعة والخدمات المالية.
ولا يمثل الاستثمار مشكلة، بل يستطيع توفير وظائف ومصالح مشتركة تقلل التوتر السياسي. لكن التعامل مع العراق بوصفه مجموعة فرص استثمارية لا يكفي لمعالجة إرث طويل من القطيعة والشكوك الطائفية والتنافس الإقليمي.
وتعكس جولات السفير الشمري واجتماعاته مع المسؤولين ورجال الأعمال هذا الاتجاه: نشاط دبلوماسي مكثف تهيمن عليه لغة المشروعات والتجارة والطاقة، من دون حضور مماثل في الجامعات والثقافة والإعلام والحوار الديني وبناء العلاقات مع المجتمع العراقي بمختلف اتجاهاته.
وعود كبيرة وتنفيذ بطيء
أعلنت السعودية مشروعات واستثمارات بمليارات الدولارات، لكن التنفيذ لم يحقق حتى الآن أثرًا يوازي حجم الوعود.
وأظهر تقرير لرويترز عام 2024 أن دول الخليج بدأت اختبار فرص الاستثمار في العراق، لكنه أشار إلى أن قطر والإمارات تقدمتا في مشروعات أكثر وضوحًا، في حين ظل الالتزام السعودي البالغ ثلاثة مليارات دولار في جانب كبير منه ضمن الخطط المعلنة. كما أشار التقرير إلى أن الفساد والبيروقراطية والمخاطر الأمنية والصراع السياسي تمثل عقبات رئيسية أمام المستثمرين.
ولا تتحمل السعودية وحدها مسؤولية البطء. فالحكومات العراقية لم تقدم دائمًا بيئة مستقرة وشفافة، كما واجهت بعض المشروعات الخليجية اعتراضات سياسية وحملات تشكيك ومخاوف مرتبطة بالأراضي والسيادة والمنافسة الإقليمية.
لكن دولة بحجم السعودية كان يفترض أن تطور أدوات استثمار تتناسب مع تعقيدات السوق العراقية، وأن تبدأ بمشروعات واضحة وسريعة الأثر في الكهرباء والإسكان والزراعة والنقل، بدل أن تتراكم الاتفاقات من دون نتائج ملموسة يشعر بها العراقيون.
غياب استراتيجية للعراق المتعدد
يتكون العراق من مراكز قوى متداخلة: الحكومة الاتحادية، والنجف، وإقليم كردستان، والمحافظات، والأحزاب، والعشائر، والجامعات، والنقابات، والقوى الاقتصادية، والمجتمع المدني، والفصائل.
لكن السياسة السعودية اعتمدت غالبًا على العلاقة مع رئيس حكومة أو زعيم سياسي أو مجموعة رجال أعمال. وعندما يتغير موقع هؤلاء، تبدأ الرياض ببناء العلاقة من جديد.
وما ينقصها ليس مزيدًا من اللقاءات الرسمية، بل سياسة مؤسساتية ثابتة تشمل المنح الدراسية والتبادل الأكاديمي والمراكز الثقافية والإعلام والتعاون الصحي والحوار بين المؤسسات الدينية ودعم المشروعات الصغيرة وربط الأسواق الحدودية.
إيران بنت نفوذها من خلال علاقات يومية ومتعددة المستويات، بينما ظل الحضور السعودي في معظم المراحل فوقيًا، يبدأ من الحكومة وينتهي عندها.
فشل كامل أم عودة متأخرة؟
حققت الرياض منذ 2017 تقدمًا لا يمكن تجاهله: أعادت العلاقات الرسمية، وفتحت الحدود، وأنشأت مجلس التنسيق، ووسعت التبادل التجاري، وأعلنت شركة استثمارية خاصة بالعراق.
لكن هذه الخطوات جاءت بعد أن ترسخت موازين القوى الجديدة. ولذلك لا يبدو الفشل السعودي نهائيًا، بل يمثل نتيجة تأخر وسوء تقدير وغياب استمرارية.
والتحدي أمام الرياض اليوم ليس إخراج إيران من العراق، ولا شراء النفوذ عبر مشروع استثماري، بل بناء علاقة مستقلة مع الدولة والمجتمع، تقوم على احترام التعدد العراقي وتحويل الوعود إلى مصالح ملموسة.
فالسعودية لم تخسر العراق لأن إيران أقوى منها اقتصاديًا أو عربيًا، بل لأنها تركت الساحة في لحظة التأسيس، ثم عادت إليها بسياسة مرتبطة بمواجهة طهران، قبل أن تختزل جانبًا من العلاقة في الاستثمار والوسطاء.
ولكي تستعيد دورها، تحتاج الرياض إلى سياسة للعراق نفسه، لا سياسة لإيران تُنفذ من داخل العراق.





