
ارتفاع الدولار يختبر الإصلاح المصرفي.. البنك المركزي يغيّر القواعد والسوق الموازية تقاوم
المستقلة/ بغداد/- ما زال الدولار يباع في السوق الموازية العراقية بفارق كبير عن السعر الذي يعلنه البنك المركزي، رغم سلسلة إجراءات مصرفية وتنظيمية نفذتها السلطات خلال الأشهر الماضية في محاولة لإعادة هيكلة القطاع المالي وتوسيع القنوات الرسمية للحصول على العملة الأجنبية.
وبلغ سعر بيع 100 دولار في محال الصيرفة ببغداد نحو 154,500 دينار عند إغلاق تعاملات السبت 29 أغسطس/آب، مقابل 154 ألف دينار في بورصتي الكفاح والحارثية، بينما يعرض البنك المركزي الدولار عند 1310 دنانير، بما يعادل 131 ألف دينار لكل 100 دولار. ويضع ذلك الفارق بين سعر البنك المركزي وسعر البيع النقدي في السوق عند نحو 23,500 دينار، أو قرابة 18 بالمئة.
ولا تعكس الأرقام مساراً صعودياً منتظماً للدولار. فقد وصل سعر البيع في بغداد إلى نحو 156 ألف دينار في بعض جلسات يونيو/حزيران قبل أن يتراجع، لكنه بقي في نهاية أغسطس/آب أعلى من مستواه في نهاية يناير/كانون الثاني عندما كان يباع بنحو 151 ألف دينار لكل 100 دولار.
ويعني ذلك أن الإجراءات الجديدة لم تؤد حتى الآن إلى تضييق دائم للفجوة بين السعرين إلى مستويات محدودة، رغم تغير كبير في الطريقة التي يدير بها العراق تمويل التجارة والحصول على العملات الأجنبية.
منذ بداية 2025، انتقل العراق من المنصة الإلكترونية التي كان البنك المركزي يشرف من خلالها على التحويلات الخارجية إلى نظام تعتمد فيه المصارف التجارية على حساباتها وعلاقاتها مع البنوك المراسلة في الخارج، بينما يتولى البنك المركزي تمويل تلك الحسابات والإشراف على الامتثال.
وقال صندوق النقد الدولي العام الماضي إن الانتقال إلى النظام الجديد نجح في خفض الفارق بين السعر الرسمي والموازي في تلك المرحلة، لكنه قال أيضاً إن تقليص الفجوة بصورة أكبر يتطلب تسهيل الوصول إلى العملة الأجنبية وتشديد الرقابة الجمركية للحد من التهريب والتجارة غير الرسمية وتعزيز استخدام الدينار في التعاملات المحلية.
لكن اتساع الفارق مجدداً في 2026 يشير إلى أن إصلاح آلية التحويل وحده لم يكن كافياً لإلغاء الطلب خارج النظام الرسمي.
وقال البنك المركزي في يونيو/حزيران إنه ملتزم بتلبية الطلب المشروع على الدولار والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وإن برنامجه الإصلاحي يشمل إعادة دمج المصارف العراقية في التحويلات الخارجية وتوسيع علاقاتها مع البنوك المراسلة وتحسين الدفع الإلكتروني والامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
وفي يوليو/تموز، أعلن محافظ البنك المركزي نزار ناصر حسين التوصل، بعد مباحثات مع وزارة الخزانة الأمريكية، إلى تفاهم يسمح بإعادة مصارف عراقية مقيدة إلى قنوات المراسلة الخارجية بعملات غير الدولار بعد استيفائها متطلبات الامتثال والحوكمة.
وقال البنك إن سبعة مصارف أصبحت مؤهلة لهذه المرحلة، وإن بإمكانها استعادة أهلية التعامل بالدولار لاحقاً بعد اجتياز متطلبات إضافية.
وفي الشهر نفسه سحب البنك المركزي تراخيص ثلاث شركات للتوسط في بيع وشراء العملات الأجنبية، هي الرواجب وسبأ والنطاق، بسبب مخالفتها ضوابط تنظيم القطاع، ثم عقد اجتماعات مع شركات الصرافة لبحث إعادة تنظيم أعمالها ورفع مستويات الامتثال والحوكمة.
كما شهدت السياسة تجاه الدولار النقدي تغييراً آخر. ففي يوليو/تموز نشرت وسائل إعلام عراقية توجيهاً للبنك المركزي يسمح للمصارف بتسليم بعض الحوالات الخارجية والودائع الواردة بالدولار إلى أصحابها بالعملة نفسها وفق ضوابط محددة، في خطوة من شأنها زيادة قدرة الجهاز المصرفي على تلبية الطلب المشروع على النقد الأجنبي.
ومع ذلك، لم تختف السوق الموازية.
ويرتبط ذلك جزئياً بطبيعة الطلب الذي لا يمر كله عبر النظام المصرفي. وكان صندوق النقد قد قال في تقريره عن العراق إن الفارق المتبقي بين السعرين يعكس، من بين عوامل أخرى، تجارة غير رسمية وطلباً على الدولار لأنشطة لا تستطيع الوصول إلى القنوات المنظمة، فضلاً عن المضاربة.
وكان البنك المركزي نفسه قد قال في توضيحات سابقة إن جزءاً من الطلب الموازي يأتي من تجار لا يستخدمون الطرق الرسمية للاستيراد، أو من تجارة لا تمر عبر المنافذ الجمركية النظامية، أو من أنشطة محظورة، وهو ما يجعل توفير الدولار للعمليات المشروعة غير كافٍ وحده لإلغاء السوق غير الرسمية.
وتضيف علاقة العراق المالية بالولايات المتحدة وتجاراته مع إيران طبقة أخرى من التعقيد.
وقالت رويترز الأسبوع الماضي إن اعتماد العراق على النظام المالي القائم على الدولار يمنح واشنطن نفوذاً كبيراً على قطاعه المالي، في وقت يحتفظ فيه العراق بعلاقات اقتصادية واسعة مع إيران. وتجاوز حجم التجارة العراقية الإيرانية عشرة مليارات دولار في 2025، بحسب أرقام أوردتها الوكالة.
كما فرضت الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية قيوداً وعقوبات على مصارف عراقية قالت إنها شاركت في معاملات مرتبطة بإيران، ما دفع البنك المركزي إلى تشديد متطلبات الامتثال وإعادة ترتيب علاقة المصارف العراقية بالنظام المالي الدولي.
ويكشف ذلك عن مفارقة تواجه السياسة النقدية العراقية: فالتشدد في الامتثال يقلل مخاطر العقوبات وغسل الأموال ويقرب المصارف من النظام المالي الدولي، لكنه قد يترك في الوقت نفسه جزءاً من الطلب غير القادر أو غير الراغب في المرور بالإجراءات الرسمية يتجه إلى السوق الموازية.
ولهذا لا يقدم سعر السوق وحده حكماً كاملاً على نجاح الإصلاح المصرفي. فإعادة بناء المصارف، وتحسين الحوكمة، وتوسيع علاقاتها الخارجية وإخضاع التحويلات للتدقيق أهداف تتجاوز سعر الصرف اليومي.
لكن استمرار فارق يقترب من 18 بالمئة يمثل في الوقت نفسه مؤشراً يصعب تجاهله عند قياس قدرة الإصلاحات على الوصول إلى الاقتصاد الحقيقي.
فبالنسبة للتاجر الذي لا يستطيع تمويل كامل احتياجاته عبر مصرف مراسل، أو المواطن الذي يحتاج إلى الدولار النقدي خارج الأغراض المحددة، يبقى سعر السوق الموازية هو السعر الفعلي الذي يواجهه.
وهنا يقع الاختبار الأصعب أمام البنك المركزي وحكومة علي الزيدي.
فبعد تغيير قواعد التحويل الخارجي وإعادة فتح قنوات مصرفية وتنظيم شركات الصرافة وتوسيع التعامل بالدولار عبر المصارف، لم يعد التحدي مقتصراً على بناء نظام مالي أكثر امتثالاً، بل أصبح يتمثل في جعل هذا النظام قادراً على منافسة السوق الموازية في السرعة والوصول والكلفة.
وتقول تجربة الأشهر الثمانية الأولى من 2026 إن السوق الموازية لم تستسلم بعد.
فالدولار الذي كان يباع بنحو 151 ألف دينار لكل 100 دولار في نهاية يناير/كانون الثاني وصل إلى 154,500 دينار في نهاية أغسطس/آب، رغم أنه تراجع عن قمم سجلها في يونيو/حزيران.
وبذلك فإن ما تحقق حتى الآن يبدو أقرب إلى إصلاح في البنية والقنوات المصرفية منه إلى تحول مكتمل في سوق الصرف.
وسيكون تضييق الفارق بين السعرين، وليس عدد التعليمات أو المصارف التي أعيد تأهيلها وحده، أحد أكثر الاختبارات وضوحاً لمدى قدرة السياسة الجديدة على نقل الإصلاح من المصارف إلى السوق.
أخبار قد تهمك
الدولار عند 154,500 دينار.. هل دخل سعر الصرف مرحلة جديدة في العراق؟
83 ألف دولار مخبأة في حقيبة.. الجمارك تحبط محاولة تهريب في مطار بغداد
العراق يطبع الكتب محلياً.. و150 ألف دينار للتربويين على طاولة 2027
صفقة على أبواب الإعلان.. كي كارد العراقية تقترب من الاستحواذ على شركة دفع أردنية
النزاهة تضرب ملف الكهرباء في بابل.. ضبط 4 موظفين بقضية قواطع باهظة الثمن
النفط العراقي يغيب عن السوق الأميركية.. الواردات تهبط إلى صفر لأول مرة
المستنصرية تدخل عصر الذكاء الاصطناعي بتخصصات جديدة
بعد فاجعة الدورة.. البرلمان يفتح ملف العشوائيات وتفتيت الأراضي في بغداد
الأنواء الجوية: درجات الحرارة في الثلاثينيات بـ9 محافظات بينها بغداد
رواتب الدرجات الدنيا على طاولة الحكومة.. معالجة مؤقتة قبل حسم سلّم الرواتب
ترمب يضع يده على نفط فنزويلا.. والبنتاغون يدخل الصفقة




