أزمة الكهرباء في العراق صيف 2026.. لماذا يواجه الشارع “أسوأ سيناريو” منذ سنوات؟

بغداد — حين تلامس الحرارة عتبة الخمسين، لا يسأل العراقي عن النشرة الجوية بقدر ما يسأل عن “جدول الكهرباء”. هذا هو المعيار الذي صار يقيس به الناس يومهم: كم ساعة وطنية، وكم ساعة “أمبيرات”، وكم ساعة ظلام كامل. ومع دخول صيف 2026، يقف ملف الكهرباء — أقدم وجع عراقي مزمن — أمام ما يصفه خبراء الطاقة بأنه “أسوأ سيناريو” منذ سنوات، في تقاطع نادر بين موجة حر استثنائية وأزمة إمدادات غاز خانقة.

ما حجم الفجوة بين الإنتاج والحاجة؟

الأرقام وحدها تكفي لشرح المعاناة. أعلى إنتاج سجّله العراق من الكهرباء بلغ نحو 29 ألف ميغاواط مطلع عام 2026، فيما يتراوح الطلب الفعلي في أوقات الذروة الصيفية بين 48 و55 ألف ميغاواط. أي أن الشبكة، في أحسن حالاتها، لا تغطي سوى نحو 60% من الحاجة عند الحد الأعلى للاستهلاك. هذه ليست فجوة عابرة، بل خلل هيكلي عميق يجعل المنظومة كلها عرضة للانهيار عند أي عطل مفاجئ أو نقص في الوقود.

ويحتاج العراق — وفق تقديرات متخصصة — إلى محطات جديدة بقدرة تقارب 40 ألف ميغاواط لسدّ العجز فعلياً، وهو رقم يكشف حجم الهوّة بين الواقع الحالي وما يتطلبه استقرار التيار.

لماذا يتفاقم الوضع هذا الصيف تحديداً؟

تجتمع هذا العام عوامل عدة دفعت المختصين إلى دق ناقوس الخطر مبكراً:

  • اضطراب الغاز الإيراني: يعتمد العراق بشكل كبير على واردات الغاز الإيراني لتشغيل محطاته، وهي إمدادات ظلّت متذبذبة بفعل التوترات السياسية وتداعيات التصعيد الإقليمي.
  • تأجيل الربط الخليجي: تأجّل مشروع الربط الكهربائي مع دول الخليج إلى أواخر أغسطس/آب 2026 أو مطلع 2027، ما يحرم الشبكة من دعم كان متوقعاً في ذروة الصيف.
  • توقف الربط مع تركيا: تعطّل خط الربط مع تركيا الذي كان يسهم بنحو 300 ميغاواط يومياً، على خلفية أزمة ديون.
  • تراجع الغاز المحلي: انخفض إنتاج الغاز المصاحب نتيجة تراجع إنتاج النفط المرتبط بأزمة مضيق هرمز.

وهكذا، بدل أن تتجه المنظومة نحو التعافي مع دخول الصيف، وجدت نفسها تخسر عدة مصادر دعم دفعة واحدة.

وعود 2013 وواقع 2026

اللافت أن هذه الأزمة ليست وليدة اليوم. منذ عام 2013 تتكرر التصريحات الرسمية عن “وداع المولدات” و”الاكتفاء الذاتي”، لكن المشهد على الأرض لم يتغير جوهرياً منذ 2003. ففي كل صيف، تعود التظاهرات في مدن الوسط والجنوب احتجاجاً على تردي التجهيز، وتتحوّل ساعات الكهرباء إلى مقياس للثقة بين المواطن والدولة. وقد سبق لانقطاع التيار في ذروة الحر أن أشعل احتجاجات واسعة صيف 2021، ما يجعل الملف أمنياً وسياسياً بقدر ما هو خدمي.

وتقع هذه الأزمة على طاولة حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي التي ما تزال حديثة العهد، لتشكّل أحد أولى اختباراتها الكبرى أمام شارع نفد صبره من الوعود المؤجلة.

هل من حلول قصيرة المدى؟

ترتكز خطة وزارة الكهرباء المعلنة على أربعة محاور: تنويع مصادر الوقود، وإدخال محطات شمسية، وتحديث البنية التحتية، وإجراء صيانة دورية للمحطات قبل الذروة. كما توجد مذكرة تفاهم مع شركة “جنرال إلكتريك فيرنوفا” الأميركية لبناء محطات بقدرة تصل إلى 24 ألف ميغاواط — لكن هذه مشاريع تؤتي ثمارها على المدى المتوسط والبعيد، ولن تغيّر واقع الصيف الحالي.

أما على المدى القريب، فيبقى الرهان على المولدات الأهلية (الأمبيرات) و — لمن يستطيع — الألواح الشمسية المنزلية التي بدأت تنتشر تدريجياً كحل فردي يهرب به المواطن من عجز المنظومة العامة.

الأسئلة الشائعة

كم ساعة كهرباء تصل المواطن العراقي في الصيف؟
يتفاوت التجهيز بين المحافظات والأحياء، لكن العجز الذي يصل إلى 40% من الحاجة في الذروة يعني انقطاعات يومية طويلة تُعوّض غالباً بمولدات الأحياء.

لماذا يعاني العراق من نقص الكهرباء رغم ثروته النفطية؟
بسبب خلل هيكلي في البنية التحتية، والاعتماد على واردات الغاز، وتأخر بناء محطات جديدة، إضافة إلى الفجوة الكبيرة بين الإنتاج والطلب المتنامي.

هل سيتحسن وضع الكهرباء قريباً؟
المشاريع الكبرى (الربط الخليجي، محطات جنرال إلكتريك) متوسطة وبعيدة المدى، ولا يُتوقع أثرها خلال صيف 2026.


المصادر: منصة الطاقة (attaqa.net)، شبكة النبأ، صحيفة البيان، مؤسسة غد لإدارة المخاطر.

زر الذهاب إلى الأعلى