
من ديوان طيني الى نهضة قرية… كيف اعاد الشيخ علي الحياة الى اذربان؟ (1)
عديلة شاهين
في قرية أذربان شمال محافظة صلاح الدين، أطلق علي حمدون العبيدي مبادرة مجتمعية تهدف إلى مساعدة السكان على تجاوز آثار النزوح وإعادة بناء حياتهم عقب سيطرة تنظيم (داعش)، واعتمدت هذه المبادرة على تكاتف المجتمع المحلي، لتصبح نموذجا يحتذى به وقابلا للتطبيق في مناطق أخرى تواجه ظروفا مشابهة.
بتاريخ 20 من حزيران 2014 وبعد سيطرة تنظيم داعش على المنطقة وفرض حصار، عانى السكان من نقص في الغذاء والماء، أمام هذا الوضع الصعب، قرر علي حمدون (63 عاما) و هو احد شيوخ العبيد في اذربان، التدخل ومساعدة الأهالي على النجاة، فقاد عملية نزوح جماعي للسكان باتجاه منطقة الگيصومة القريبة من جبال حمرين، التي تبعد عن قرية أذربان حوالي كيلومترين، حيث تمكنت الكثير من العائلات من الوصول إلى مكان أكثر أمانا والابتعاد عن الخطر.
تقع قرية أذربان شمال محافظة صلاح الدين، في موقع يتوسط محافظتي صلاح الدين وكركوك وعلى الرغم من تبعيتها إدارياً إلى قضاء الحويجة بكركوك، فإنها ترتبط اجتماعيا بقضاء العلم في صلاح الدين ويبلغ عدد سكان القرية نحو 2800 نسمة، بحسب ما ذكره شيخ القرية علي حمدون.
وتشير بيانات اللجنة الحكومية العراقية العليا لإيواء النازحين، الى ان أعداد النازحين المسجلين في قاعدة البيانات للعام 2015 بلغت نحو 2.7 مليون نازح من محافظات ديالى، الانبار، صلاح الدين ونينوى، كما شهد العام ذاته موجات نزوح طالت أهالي الحويجة في كركوك والشرقاط في صلاح الدين إثر هجمات نفذها تنظيم داعش.
يقول علي: إنه”بعد المضايقات التي تعرضت لها القرية، ومع القصف الذي كان يستهدفها من جهة جبل حمرين، عاش الأهالي حالة من الخوف الشديد، خاصة النساء والأطفال، لذلك أبلغ سكان القرية بضرورة التوجه نحو قرية الگيصومة، على شكل مجاميع، حفاظا على سلامتهم”.
يحظى علي حمدون بثقة كبيرة من أهالي قرية أذربان والقرى المجاورة، لما يتمتع به من مكانة كشيخ عشيرة إضافة إلى إخلاصه في خدمة الناس فقد كان مضيفه مفتوحا للجميع حتى في أصعب الظروف.

سيطر تنظيم (داعش) على مساحات من شمال وغرب العراق، في عام 2014، و بعد سقوط مدينة الموصل بيده وانسحاب القوات الأمنية، إمتد نفوذه إلى نينوى وأجزاء من صلاح الدين، كركوك، الأنبار وديالى، وأعلن ما سمّاه ب”الخلافة”، و تسببت سيطرته في موجات نزوح ودمار للبنية التحتية والمجتمعات المحلية، وفي أواخر عام 2017، أعلنت الحكومة العراقية استعادة كامل الأراضي من سيطرة التنظيم.
بناء المأوى وتأمين سبل العيش
في الگيصومة، عمل الأهالي أولا على توفير مأوى للنازحين، و قاموا بتشييد بيوت من ألطين عبر خلط التربة مع قش ألحنطة (ألتبن) وتشكيلها على هيئة قوالب تشبه ألبلوك، وبعد ذلك تم حفر بئر إرتوازي لتأمين المياه للاستخدام اليومي والزراعة.
بدر صباح حمدي (65 عاما)، وهو موظف متقاعد من القرية النموذجية القريبة من اذربان، فيؤكد: “ساهم الجميع في تشييد هذه البيوت، لأن بناء بيت في تلك الظروف لم يكن مجرد مأوى، بل كان يعني أننا نحاول خلق الحياة من جديد رغم كل ما مررنا به”.

تركزت مبادرة علي حمدون على تقديم الدعم الإنساني لأهالي أذربان والقرى المجاورة في ظل الظروف التي مروا بها حيث عمل على توفير المأوى والغذاء للأسر المحتاجة كما أسهم في تعليم السكان بناء بيوت الطين، مستفيدا من خبرته في هذا المجال.
وسط ذلك شيد الشيخ علي منزله من الطين، وكان يتكون من غرفتين وديوان واسع، تحول مع الوقت إلى مساحة مفتوحة لإستقبال الأهالي، ومن هذا البيت اعتاد أن يمد يد العون للجميع.
قدم حمدون دعما اقتصاديا، حيث جرى أخذ جزء من المواشي من أصحاب الأعداد الكبيرة وتوزيعها على المحتاجين في مسعى لتحقيق نوع من التوازن المجتمعي وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز مصادر الدخل لدى الأسر الفقيرة والمساهمة في الحد من نقص الموارد.
وشاركت زوجته أيضا بدور فاعل في إنجاح هذه الجهود فقد قادت صفية محمد هلال (55 عاما) حملة لزراعة الخضراوات والحنطة مستندة إلى خبرة اكتسبتها من عملها في الزراعة لسنوات و تولت تدريب النساء اللواتي لا يمتلكن معرفة سابقة بالزراعة حيث علمتهن طرق الزراعة والعناية بالمحاصيل بما يضمن إنتاجا مستداما.
كما أسهم أهالي القرى المجاورة في دعم المبادرة من خلال توفير البذور والمساعدة في حراثة الأرض باستخدام الجرارات، وبالتوازي مع ذلك، بدأ الأهالي ايضا بتربية الأبقار والأغنام والدواجن.
و تروي صفية قصة نجاح المبادرة قائلة:”أقمنا في قرية الگيصومة لمدة عامين، وخلال هذه الفترة تمكنا من تحقيق الاكتفاء الذاتي من الزراعة، بل وصلنا إلى مرحلة تسويق الفائض في منطقة العباسي، التي كانت سوقا تجاريا لبيع الخضراوات واللحوم والماشية”، وأضافت:”أن الإنتاج اليومي من الخضراوات المتنوعة بلغ نحو أربعة أطنان”.

ومع تزايد إنتاج الماشية، شهد السوق وفرة في اللحوم، ما أدى إلى انخفاض سعر الكيلوغرام الواحد إلى نحو ألفي دينار عراقي فقط، في حين أن أسعار المواد الاستهلاكية الأخرى مثل الأرز والسكر والشاي والصابون، كانت مرتفعة جدا، حتى وصل سعر الصابونة الواحدة إلى نحو 11 ألف دينار عراقي، وتوضح صفية: “اضطررنا إلى صنع الصابون بأنفسنا عبر عجن نبات الريحان بالطين”.
صرح مدير زراعة صلاح الدين، عباس طه عباس قائلا: “تمثل الدعم المقدم من قبلنا للنازحين آنذاك في توفير مستلزمات الإنتاج الزراعي من بذور وأسمدة إضافة إلى إتاحة الفرصة لاستغلال الأراضي الزراعية”، مضيفا:”كما تضمن هذا الدعم إنشاء مخيمات لإيواء النازحين وإسناد مباشر بهدف التخفيف من الأعباء المعيشية على الأسر المتضررة”.
وفي الوقت الراهن، أشار عباس إلى أن البرنامج الزراعي الحكومي يركز على اعتماد منظومات الري الحديثة، لما لها من دور في ترشيد استخدام المياه وتقليل الجهد المبذول من قبل المزارعين وأكد أن هذه التقنيات أسهمت في زيادة الإنتاج الزراعي.
التوسع المجتمعي
توسعت مبادرة علي وزوجته لتشمل القرى المجاورة، من بينها الطارقية والقرية النموذجية، حتى شملت أكثر من 1000 عائلة لمدة عامين، يقول مختار القرية النموذجية، فجر العبيدي (60 عاما) “كانت المبادرة مثالا للتماسك المجتمعي في أصعب الظروف، إذ توفرت الشتلات والبذور، ما مكننا من الزراعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي، بل وبيع الفائض”.
يرى الخبير الدولي في مجال العدالة الانتقالية وأنثروبولوجيا الذاكرة، د. علي بخت التميمي إن هذه المبادرة تمثل نموذجا محليا للتعافي المجتمعي بعد الدمار، وتندرج ضمن الأبعاد العملية لمسارات العدالة الانتقالية التي لا تقتصر على المحاكمات ولجان التحقيق، بل تشمل أيضا إعادة بناء الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات المتضررة.
ويستدرك: “أن إعادة بناء بيوت الطين تمثل خطوة أساسية لاستعادة الاستقرار الاجتماعي، إذ يشكل البيت في المجتمعات الريفية وحدة مركزية في حياة العائلة، ويسهم بناؤه في إعادة الشعور بالأمان وتنظيم الحياة من جديد، كما أن إحياء الزراعة يعزز التعافي الاقتصادي للقرية”.
وأشار بخت إلى أن هذه المبادرة تعكس أيضا دور القيادات الاجتماعية المحلية في تنظيم الجهود الجماعية وتحفيز السكان على استعادة تماسكها وإعادة إعمار قريتهم وإنتاج حلولها الخاصة في مواجهة الأزمات.

عبور جبال حمرين والنجاة
ويعود مختار القرية النموذجية ليؤكد: أن “أهاليها كانوا في الأصل يقيمون في قرية أذربان، لكن مع اشتداد الحصار الذي فرضه (داعش) اضطروا إلى إنشاء تجمع سكني جديد أطلقوا عليه اسم (القرية النموذجية) بالقرب من أذربان، في محاولة لتخفيف الضغط وتأمين حياة أكثر استقرارا”.
ويضيف العبيدي: إن “هذا الانتقال لم ينه معاناة الأهالي، إذ استمرت التهديدات الأمنية، و دفعتنا الأعتقالات والاغتيالات التي طالت العديد من أبناء القرية في النهاية إلى النزوح مع الشيخ علي وترك المنطقة”.
ويشير إلى: أن “حالة الاستقرار النسبي التي عاشها أهالي القرى لم تستمر طويلا، و من باب الترهيب و التخويف اقدم (داعش) على اعدام شاب من اذربان بعد ان جمع اهالي القرى ليشهدوا الحادثة”.
سرعان ما فرض عناصر (داعش) حصارا مشددا على المنطقة، ومنع الحصار وصول الوقود اللازم لتشغيل المولدة التي كانت تغذي البئر الارتوازي، ما أدى إلى توقف ضخ المياه وجفاف الأراضي الزراعية تدريجيا، في حين نفقت أعداد كبيرة من الماشية، ما عمق معاناة السكان ودفع كثيرين منهم إلى البحث عن طريق للنجاة.
من جهته قرر الشيخ علي مساعدة أبناء قريته والقرى المجاورة، على عبور جبال حمرين للوصول إلى قضاء العلم، وكان العبور يتم سيرا على الأقدام عبر طرق سرية تستغرق من يومين إلى أسبوع، تجنبا لدوريات (داعش) التي كانت تطوق الجبل، ولم تكن تتردد في قتل أي شخص يتعرض لها.
اعتمد النازحون على علي كمرشد ميداني لما يمتلكه من معرفة دقيقة بتضاريس المنطقة وخريطتها فضلا عن إلمامه بأماكن تواجد عناصر داعش على الجبل ما مكنه من تحديد الطرق الآمنة وتأمين مسارات تنقلهم.
أما الطريق الآخر المتاح أمام الأهالي، فكان يمر عبر منطقة الشرقاط، من خلال اجتياز نهر دجلة، إلا أنه كان طريقا بالغ الخطورة، حيث سجلت عشرات حالات الغرق بين الفارين.

كان يرتجف علي خوفا من أن تمتد أيادي الظلام فتمسك بالنازحين بين صمت الجبال وهو يرى في كل خطوة احتمال أن تبتلعهم الكمائن المفخخة ولم يكن قادرا على رفع صوته لتحذير الأهالي خشية أن تلتقطه آذان عناصر التنظيم، فاكتفى بالتواصل معهم عبر الإشارات.
بدأ علي بتنظيم عبور الأهالي على شكل مجموعات تضم كل منها نحو 50 شخصا وكانت الرحلة محفوفة بالمخاطر بسبب الكمائن المفخخة في الطريق، ما أدى إلى فقدان أربع عائلات من أذربان، إضافة إلى آخرين فقدوا في الوادي، ويقول علي :”إن بعض الحالات شهدت اختناقا أثناء عبور الجبل والنزول إلى الوادي نتيجة نقص الأوكسجين ووجود الغازات والكبريت”.

كان علي آخر من عبر جبل حمرين باتجاه قضاء العلم، بعد أن اطمأن إلى وصول أبناء قريته والقرى المجاورة بسلام، هناك، وجدوا مجتمعا مضيفا فتح لهم أبوابه وقلوبه، فيما ساهمت استخبارات الحشد الشعبي في إنشاء مخيم الربيضة الذي ضم 500 خيمة لإيواء النازحين.
في حین، تكفلت منظمات المجتمع المدني وجمعية الهلال الاحمر العراقية ودائرة الهجرة والمهجرين في صلاح الدين بتقديم المساعدات الإنسانية، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة.



