
من ديوان طيني الى نهضة قرية… كيف اعاد الشيخ علي الحياة الى اذربان؟ (2)
عديلة شاهين
مرحلة جديدة بعد سنوات العاصفة
لم تكن العودة نهاية المعاناة، بل بداية تحدٍ جديد تمثل في إعادة إعمار البيوت واستئناف الزراعة وسط نقص الموارد وضعف الخدمات، في محاولة لاستعادة الحياة وترميم ما دمرته سنوات العنف.
وقال مختار قرية المربع حمد الجبوري (60 عاما) :”رحلة النزوح التي خضناها برفقة سكان أذربان كانت قاسية، وبعد أن قضى أهالي قريتنا عاما كاملا في قضاء العلم، لم تتحقق العودة إلا بعد التحرير في عام 2019، غير أن الأهالي وجدوا أنفسهم أمام واقع مؤلم، إذ لم يبق من قراهم سوى الأطلال”.
بعد أن استعادت القوات العراقية تلك المناطق، عاد علي حمدون وأهالي قرية أذربان والقرى الأخرى لمواجهة حقيقة قاسية، البيوت مهدمة بالكامل والمزروعات تم حرقها، وهنا وجد الشيخ وزوجته نفسيهما أمام مسؤولية جديدة، هي مبادرة لإعمار المنازل واستئناف الزراعة.

بادر علي بمبادرة إنسانية جديدة تمثلت في إطلاق حملة لبناء بيوت من الطين لتكون مأوى مؤقتا للأهالي، لأنه لم تكن لدى معظم العائلات الإمكانات المادية الكافية لتشييد بيوت جديدة.
ويشرح علي: “ساعدتنا الحكومة المحلية فيما بعد باعادة بناء منزلنا عبر دفع نصف كلفة الإعمار البالغة 8 ملايين دينار عراقي كما استفاد اهالي القرية من هذه المبالغ، وبدأوا إعادة الزراعة من جديد، وكانت زوجتي مثالا للتفاني، إذ شجعت النساء و الشباب على المشاركة في الزراعة وتربية الماشية، عبر جلب المياه من نهر دجلة الذي يبعد نحو خمسة كيلومترات عن قريتنا”.

ساهم عمر طايس سعيد، البالغ من العمر 36 عاما، (مسؤول فريق الحماية في لجنة الإنقاذ الدولية IRC)، بدعم العائدين إلى قراهم من خلال تقديم الخدمات القانونية بما في ذلك إصدار الوثائق الرسمية وتثبيت عقود الزواج أمام المحاكم إضافة إلى تقديم مساعدات إغاثية ونفسية للمتضررين .
واستطرد قائلاً:”ندعم المبادرات التي تعود بالنفع على المواطنين” مشيدا بمبادرة الشيخ علي، والتي وصفها بأنها تجربة واعدة وقابلة للتعميم في قرى أخرى.
حسب تقرير لدائرة البحوث في مجلس النواب العراقي حول مؤشر عودة النازحين، انه بحلول عام 2018 عاد اكثر من 3،8 مليون نسمة من النازحين الى اكثر من 1،400 موقعا قد هجروها في عموم العراق.

وقد صنفت محافظة صلاح الدين من المناطق الاكثر قسوة في ظروفها بالنسبة للعائدين خاصة في المناطق الريفية كقرية اذربان وغيرها بسبب تدمير البنية التحتية.

تعزيز التماسك الاجتماعي
اشار بدر صباح حمدي، موظف متقاعد (65 عاما) من القرية النموذجية، الى أن مبادرة الشيخ علي توسعت لتشمل قريتهم والقرى المجاورة، كما أطلق مبادرة تشجيعية بتخصيص أراض لمن لا يملك أرضا للزراعة، مقابل تسليمه ربع الإنتاج.
ويضيف:”استمر العطاء الزراعي حتى اليوم، وأصبح الإنتاج من الخضروات واللحوم يروي الأسواق المحلية، منتجا نحو 10 أطنان من الخضراوات يوميا”.

حرص الشيخ علي على تعزيز التماسك المجتمعي عبر عقد اتفاقيات مع شيوخ القرى المجاورة وأوضح: “تم الاتفاق على انه من يعتدي على اي من القرى المجاورة فستتم محاسبته عشائريا، وأقمنا أيضا جلسات مصالحة لحل نزاعات تقسيم الأراضي ومشاكل البناء، واليوم نعيش في تماسك ووئام وأمان”.
و بالعودة الى د.علي بخت، فانه يؤكد:”تعتمد المبادرات العشائرية على الأعراف والتقاليد الاجتماعية، حيث تتدخل القيادات العشائرية للوساطة الاجتماعية بين الأطراف المتنازعة بهدف تحقيق الصلح والحفاظ على التماسك الاجتماعي داخل المجتمع”.
في المقابل، تعمل الآليات القانونية الرسمية ضمن إطار مؤسسات الدولة والقوانين المعتمدة، وتركز على تحديد المسؤوليات القانونية ومحاسبة الأفراد وفق الأدلة والإجراءات القانونية.
ويشير بخت إلى أن كلا من المسارين يؤدي دوراً مهما، فالمبادرات العشائرية تمتاز بقربها من المجتمع وسرعة تدخلها، بينما تضمن الآليات القانونية تحقيق العدالة والمساءلة.

تقول صفية محمد:”لا تخلو أي مبادرة من قيود تحد من مسارها، فبعد العودة إلى قريتنا واجهتنا صعوبات في إعادة الزراعة والإعمار، من نقص الكهرباء والماء ومن بين العقبات الأخرى التي برزت بعد عودة العائلات، الخلافات المتعلقة بتقسيم الأراضي واستعادتها”.
مبينة:”سعى شيوخ العشائر إلى لعب دور الوسيط الاجتماعي، حيث عملوا على إقناع الميسورين ماديا بمد يد العون للأسر التي تفتقر إلى الموارد اللازمة لإعادة البناء واستئناف النشاط الزراعي.”
مع مطلع عام 2026، أعلنت محافظة صلاح الدين عن عودة أكثر من مئة ألف عائلة نازحة إلى مناطقها الأصلية، ومع ذلك، ما تزال قرابة ثلاثين ألف عائلة تنتظر لحظة العودة.
وفي ظل الجهود المستمرة للتعافي، برزت مبادرة الشيخ علي كمثال على دور الجهود المجتمعية في استعادة الاستقرار وتعزيز التماسك الاجتماعي.



