مجلة بريطانية: فائق زيدان «القوة الفعلية» في العراق وعلي الزيدي واجهة له

المستقلة/ متابعة/- قالت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية إن العراق أصبح ساحة رئيسية للتنافس بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرة أن رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي يواجه اختبارًا معقدًا بين تنفيذ المطالب الأميركية والتعامل مع النفوذ الإيراني المتجذر داخل مؤسسات الدولة والقوى السياسية والفصائل المسلحة.

 ونقلت المجلة البريطانية، عن منتقدين للزيدي قولهم إنه يمثل واجهة سياسية لرئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، الذي قالت إنه يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه «القوة الفعلية» في العراق، في توصيف يعكس، بحسب التقرير، اتساع نفوذه داخل مؤسسات الدولة.

وذكرت المجلة أن منتقدي حملة مكافحة الفساد التي أطلقتها حكومة الزيدي يرون أنها تستهدف مسؤولين وموظفين، لكنها تتجنب زعماء سياسيين ورؤساء شبكات نافذة كان لهم دور في اختياره رئيسًا للحكومة.

وأضافت أن هؤلاء المنتقدين يعدّون الزيدي واجهة لفائق زيدان، الذي يقود المؤسسة القضائية منذ نحو عقد ويتمتع، وفق التقرير، بنفوذ واسع يتجاوز حدود موقعه الرسمي.

وقالت المجلة إن زيدان ظل يُنظر إليه لسنوات باعتباره قريبًا من إيران، لكنه بدأ تعديل تموضعه في ظل تصاعد التهديدات الأميركية بفرض عقوبات عليه.

ونقلت عن دبلوماسي عراقي لم تكشف هويته قوله إن زيدان «ما زال يسيطر على الدولة»، مضيفًا أن «أميركا أصبحت راضية عنه الآن».

ولا يقدم التقرير وصف الزيدي بأنه واجهة لزيدان بوصفه حقيقة قضائية أو دستورية مثبتة، بل ينسبه إلى منتقدين ومصادر عراقية تحدثت إليها المجلة خلال إعداد التقرير.

العراق في قلب الصراع الأميركي الإيراني

قالت «الإيكونوميست» إن العراق بات ساحة المنافسة البرية الأساسية بين واشنطن وطهران، بالتوازي مع المواجهة البحرية والاقتصادية المرتبطة بمضيق هرمز.

وأضافت أن حكومة الزيدي ستؤدي دورًا محوريًا في تحديد شكل النفوذ الأميركي والإيراني خلال المرحلة المقبلة، في ظل اعتماد العراق ماليًا على الولايات المتحدة، مقابل استمرار الحضور السياسي والأمني والديني لإيران على الأرض.

وذكرت المجلة أن الزيدي بعث بإشارة سياسية إلى واشنطن عندما اختار الولايات المتحدة وجهة لأول زيارة خارجية له منذ توليه رئاسة الحكومة، قبل التوجه إلى إيران.

ورأت أن هذه الخطوة تعكس رغبة الزيدي في بناء علاقة وثيقة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والحصول على دعم سياسي واقتصادي يساعد حكومته على مواجهة التحديات الداخلية.

ووصل الزيدي إلى واشنطن في 13 تموز على رأس وفد اقتصادي كبير، حاملًا تعهدات بالعمل على نزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران، وتشديد الرقابة على تدفق الدولار العراقي إلى طهران، إلى جانب عرض مشروعات استثمارية على الشركات الأميركية.

وقالت المجلة إن الزيدي يختلف في خلفيته عن معظم رؤساء الحكومات الشيعية السابقين، إذ لا ينتمي إلى تيار إسلامي ولا يمتلك مسيرة سياسية تقليدية، بل جاء من قطاع الأعمال وبنى ثروته من خلال العقود الحكومية.

وأضافت أن ترامب استقبل الزيدي بحفاوة، وأشاد بما وصفه بالانسجام الكبير بينهما، متوقعًا أن يصبح رئيس الوزراء العراقي قائدًا مؤثرًا في الشرق الأوسط.

لكن المجلة رأت أن التقارب مع واشنطن لا يعني بالضرورة امتلاك الزيدي القدرة على تقليص النفوذ الإيراني بالمستوى الذي تأمله الإدارة الأميركية.

حملة فساد تصطدم بمراكز النفوذ

قالت المجلة إن أنصار الزيدي يقدمونه بوصفه رئيس حكومة بدأ مواجهة الفساد الذي استنزف موارد الدولة وأضعف مؤسساتها.

وأشارت إلى توقيف نحو 50 مسؤولًا، بينهم وكيل سابق لوزارة النفط وعدد من أعضاء مجلس النواب، ضمن حملة حظيت بتغطية إعلامية واسعة ورفعت سقف التوقعات بشأن قدرتها على ملاحقة شبكات الفساد.

غير أن منتقدين، بحسب التقرير، يقولون إن الحملة تطال مسؤولين من مستويات مختلفة، لكنها لم تقترب حتى الآن من الزعامات السياسية الكبرى أو مراكز النفوذ التي توفر الحماية لشبكات الفساد.

وربطت المجلة بين حدود حملة مكافحة الفساد وطبيعة موازين القوة داخل الدولة، مشيرة إلى أن توسيع التحقيقات سيظل مرتبطًا بالتوازنات السياسية والقضائية القائمة.

واشنطن تملك ورقة الدولار

ركز التقرير على أدوات النفوذ المالي التي تمتلكها الولايات المتحدة داخل العراق، وفي مقدمتها مرور عائدات صادرات النفط العراقية عبر حسابات في نيويورك ضمن ترتيبات مالية قائمة منذ سنوات.

وقالت المجلة إن هذه الآلية تمنح واشنطن قدرة واسعة على ممارسة الضغط المالي على بغداد، سواء عبر تشديد الرقابة على التحويلات أو فرض عقوبات على المصارف والمؤسسات والأشخاص.

وأضافت أن اعتماد العراق على الإيرادات النفطية في تمويل رواتب موظفي القطاع العام والنفقات الحكومية يجعله شديد الحساسية تجاه أي قيود أميركية محتملة على تدفق الأموال.

وأشارت إلى أن انخفاض العائدات النفطية، بسبب الاضطرابات المرتبطة بمضيق هرمز، زاد حاجة الحكومة إلى استمرار التحويلات المالية، ورفع مستوى تعرضها للضغوط الأميركية.

وتطرقت المجلة إلى صلة الزيدي بمصرف الجنوب الإسلامي، قائلة إن المصرف كان من بين المصارف العراقية الممنوعة من التعامل بالعملات الأجنبية.

وأضافت أن الإدارة الأميركية خففت بعض القيود المفروضة على المصرف، لكنها لم تسمح له حتى الآن بالعودة إلى التعامل بالدولار، وهو ما اعتبرته المجلة عاملًا إضافيًا يدفع الزيدي إلى الحفاظ على علاقة مستقرة مع واشنطن.

اختبار نزع سلاح الفصائل

رأت «الإيكونوميست» أن التحدي الأصعب أمام حكومة الزيدي يتمثل في نزع سلاح الفصائل الشيعية المدعومة من إيران، بعدما تعهد رئيس الوزراء بإنجاز المهمة قبل نهاية أيلول.

ويتزامن هذا الموعد، بحسب التقرير، مع الجدول المحدد لانسحاب آخر القوات الأميركية التي دخلت العراق عام 2014 للمشاركة في الحرب على تنظيم «داعش».

وقالت المجلة إن بعض الجماعات أبدت استعدادًا لمناقشة تسليم أسلحتها، بينما رفضت الفصائل الأكثر تشددًا التخلي عنها، مشيرة إلى أن آلاف المسلحين ما زالوا يتحدون دعوات الحكومة إلى حصر السلاح بيد الدولة.

وأضافت أن إيران لا تبدو مستعدة للتخلي عن شبكتها العراقية، التي تعد أحد أهم مكونات ما تسميه طهران «محور المقاومة».

وأشارت إلى أن الفصائل استغلت مرور مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي عبر مدن عراقية ذات غالبية شيعية لإظهار قوتها الميدانية، من خلال نشر المسلحين والعجلات المدرعة والأعلام الإيرانية.

وبحسب المجلة، فإن قدرة الزيدي على نزع سلاح هذه الجماعات ستشكل المعيار الأهم للحكم على استقلال حكومته ومدى قدرتها على تنفيذ التعهدات التي قدمتها إلى الولايات المتحدة.

تغير في المزاج الشعبي

لفت التقرير إلى حدوث تغير نسبي في المزاج الشعبي العراقي تجاه إيران، مقارنة بالسنوات التي شهدت إحراق متظاهرين عراقيين قنصليات إيرانية ورفع شعارات رافضة لنفوذ طهران.

وقالت المجلة إن الحرب مع الولايات المتحدة دفعت بعض العراقيين، بمن فيهم مشاركون سابقون في الاحتجاجات المناهضة لإيران، إلى إبداء قدر أكبر من التعاطف معها.

ونقلت عن محلل في بغداد قوله إن جزءًا من الجيل الذي كان ينتقد إيران بات يشيد بها بسبب وقوفها في مواجهة الولايات المتحدة وتقديم نفسها مدافعة عن سيادتها.

كما نقلت عن رجل أعمال رافق الزيدي إلى واشنطن قوله إن «أميركا تسيطر على السماء، وإيران تحكم الأرض، وبالنسبة لمعظم العراقيين فإن الأرض هي التي تهم».

ونقلت عن قاضٍ عراقي قوله إن الولايات المتحدة تمارس نفوذها عبر الدولار، في حين تعتمد إيران على الدين، معتبرًا أن العامل الديني يمتلك تأثيرًا أعمق في هذا الجزء من العالم.

مكاسب اقتصادية محتملة

قالت المجلة إن التقارب مع الولايات المتحدة قد يمنح العراق مكاسب اقتصادية مهمة، تشمل استقطاب شركات أميركية لتطوير حقول النفط والغاز وإنشاء محطة للغاز الطبيعي المسال على الساحل الجنوبي.

وأضافت أن هذه المشروعات قد تساعد العراق على تقليل اعتماده على واردات الطاقة الإيرانية، التي ظلت لسنوات عنصرًا أساسيًا في تشغيل محطات الكهرباء.

وأشارت إلى وجود مباحثات مع شركات أميركية كبرى بشأن تطوير حقول النفط ومنشآت الغاز والطاقة، إلى جانب مشروعات لمد خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز.

كما قالت إن واشنطن تنظر إلى العراق بوصفه جسرًا لتعزيز العلاقات الاقتصادية مع سوريا، من خلال مشروعات محتملة لمد خطوط أنابيب وكابلات اتصالات بين البلدين.

غير أن المجلة رأت أن هذه المكاسب ستظل مرتبطة بقدرة الحكومة على توفير الاستقرار السياسي والأمني، والحد من نفوذ الفصائل، وضمان عدم استخدام النظام المصرفي العراقي في تمويل إيران.

واختتمت «الإيكونوميست» تقريرها بالتحذير من احتمال وقوع مواجهات دامية إذا قررت إيران مقاومة المساعي الأميركية للاحتفاظ بنفوذها المالي في العراق بعد انسحاب قواتها العسكرية.

وأضافت أن واشنطن قد تلجأ إلى فرض عقوبات إضافية أو تقييد التحويلات المالية إذا أخفق الزيدي في تنفيذ تعهداته، ولا سيما المتعلقة بنزع سلاح الفصائل ووقف تدفق الدولار إلى إيران.

وبذلك يجد علي فالح الزيدي نفسه أمام اختبار مزدوج: إثبات امتلاكه سلطة فعلية مستقلة داخل الدولة، وتنفيذ مطالب واشنطن من دون دفع القوى المرتبطة بإيران إلى مواجهة مفتوحة، فيما يبقى فائق زيدان، وفق توصيف المجلة ومصادرها، في مركز معادلة النفوذ السياسي والقضائي في العراق.

زر الذهاب إلى الأعلى