
خلافات الإطار تؤجل منح الثقة لحكومة الزيدي.. والعراق أمام مجهول سياسي جدي
المستقلة/- دخلت مشاورات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي مرحلة أكثر تعقيداً، مع تصاعد الخلافات داخل قوى الإطار التنسيقي بشأن توزيع الحقائب الوزارية وآليات اختيار المرشحين، ما يهدد بتأجيل جلسة منح الثقة ويفتح الباب أمام مزيد من الغموض السياسي.
وتشير أحدث التقارير إلى أن قوى الإطار التنسيقي لم تتمكن حتى الآن من حسم توزيع الوزارات داخل الكابينة المرتقبة، وسط خلافات بين أطرافه بشأن الحصص والمواقع التنفيذية، وهو ما أدى إلى تأخير استكمال التشكيلة الحكومية رغم استمرار الاتصالات السياسية المكثفة.
وكانت تقارير صحفية قد تحدثت عن أن البرلمان العراقي يستعد لتسلّم البرنامج الحكومي للزيدي، تمهيداً لعرض الكابينة الوزارية على مجلس النواب للتصويت، غير أن استمرار الخلافات داخل القوى الداعمة للمكلف جعل موعد جلسة الثقة مرهوناً بإنجاز التفاهمات النهائية حول أسماء الوزراء وتوزيع الحقائب.
صراع توازنات لا خلاف أسماء
ولا يبدو الخلاف الحالي مجرد تنافس على أسماء الوزراء، بل يعكس صراعاً أعمق على موازين القوى داخل الإطار التنسيقي، حيث تسعى كل كتلة إلى تثبيت نفوذها داخل الحكومة المقبلة، خصوصاً في الوزارات السيادية والخدمية والمالية التي تمنح أصحابها تأثيراً مباشراً في القرار السياسي والإداري والاقتصادي.
ويواجه الزيدي، الذي كُلّف بتشكيل الحكومة بعد ترشيحه من الإطار التنسيقي، اختباراً مبكراً يتمثل في قدرته على إرضاء القوى التي أوصلته إلى موقع التكليف، من دون أن تتحول حكومته إلى مجرد انعكاس لحسابات المحاصصة داخل التحالف الداعم له.
وبحسب تقارير دولية، جاء ترشيح الزيدي بعد أسابيع من النقاشات داخل الإطار، بوصفه مرشحاً توافقياً ورجل أعمال لم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً بارزاً، ما يجعل قدرته على إدارة مفاوضات التشكيل محط اختبار سياسي مباشر. كما يحتاج الزيدي إلى نيل ثقة البرلمان بأغلبية 167 صوتاً، بعد تقديم كابينته خلال المهلة الدستورية المحددة.
الحقائب الحساسة تعرقل التفاهم
وتتركز العقدة الأبرز، وفق المعطيات المتداولة، حول الوزارات التي تمنح نفوذاً سياسياً ومالياً وأمنياً واسعاً، وفي مقدمتها الداخلية والدفاع والمالية والنفط والنقل والكهرباء، فضلاً عن الهيئات والمناصب التنفيذية التي غالباً ما تكون جزءاً من معادلة التفاوض غير المعلنة.
ويقول مراقبون إن القوى السياسية لا تنظر إلى الحكومة المقبلة بوصفها حكومة خدمات فقط، بل بوصفها حكومة توازنات ستدير مرحلة داخلية وإقليمية حساسة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بالعلاقة بين بغداد وواشنطن وطهران، وملفات الدولار، والفصائل المسلحة، والاقتصاد، والطاقة.
وتأتي هذه التعقيدات في وقت يسعى فيه الزيدي إلى تقديم نفسه بوصفه مرشحاً قادراً على إنتاج توازن داخلي وخارجي. وقد نقلت تقارير عن استعداده للعب دور وساطة بين واشنطن وطهران، في مؤشر إلى أن الحكومة المقبلة ستتحرك منذ بدايتها ضمن مساحة إقليمية شديدة الحساسية.
حكومة توازنات أم تعطيل مبكر؟
وتثير الخلافات الحالية سؤالاً أساسياً بشأن طبيعة الحكومة المقبلة: هل ستكون حكومة قادرة على تنفيذ برنامج واضح، أم حكومة توازنات ثقيلة تولد وهي مقيدة بشروط القوى التي شاركت في تشكيلها؟
فإذا نجح الزيدي في تمرير كابينته عبر تفاهمات متوازنة، فقد يفتح ذلك الباب أمام مرحلة سياسية جديدة تمنحه هامشاً لإدارة الملفات الاقتصادية والخدمية. أما إذا جاءت الحكومة نتيجة ترضيات متبادلة بين الكتل، فقد تبدأ ولايتها تحت ضغط “التعطيل المبكر”، حيث تصبح القرارات الكبرى رهينة الخلافات نفسها التي رافقت تشكيلها.
وتزداد حساسية الموقف لأن الزيدي لم يأتِ من تجربة سياسية تقليدية داخل السلطة، بل من خلفية اقتصادية ومصرفية، وهو ما قد يمنحه صورة مختلفة عن السياسيين التقليديين، لكنه في المقابل يضعه أمام اختبار صعب في إدارة شبكات النفوذ الحزبي والبرلماني داخل الدولة.
جلسة الثقة تنتظر الحسم
ومع استمرار الخلافات، تبقى جلسة منح الثقة مؤجلة عملياً إلى حين اكتمال التفاهمات داخل الإطار ومع بقية القوى السياسية. فالكابينة الحكومية لا تحتاج فقط إلى أسماء وزراء، بل إلى اتفاق سياسي يضمن التصويت عليها داخل البرلمان، ويمنع سقوطها أو تأجيلها في اللحظة الأخيرة.
وبحسب مصادر سياسية متابعة، فإن أي تعثر إضافي في حسم الحقائب قد يدفع البلاد إلى مرحلة غموض جديدة، خصوصاً إذا اصطدمت مهلة تشكيل الحكومة بخلافات لم تُحل داخل الكتلة الداعمة للزيدي.
وفي المحصلة، تبدو حكومة الزيدي أمام اختبارين متلازمين: الأول داخل الإطار التنسيقي، حيث يجري الصراع على الحصص والنفوذ؛ والثاني داخل البرلمان، حيث ستظهر قدرة المكلف على تحويل الدعم السياسي الأولي إلى أغلبية تصويت فعلية.
وبين ضغوط المدد الدستورية، وخلافات القوى النافذة، وحسابات الوزارات الحساسة، يبقى المشهد مفتوحاً على أكثر من احتمال. فإما أن ينجح الزيدي في عبور عقدة الثقة بحكومة توازنات مقبولة، أو تتحول الخلافات داخل الإطار إلى بوابة جديدة للمجهول السياسي في العراق.





