
التهاني قبل الثقة.. هل تحولت مجاملة علي الزيدي إلى انحياز في شأن عراقي داخلي؟
المستقلة/- أثارت موجة التهاني التي تلقاها رئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي، قبل عرض كابينته الوزارية على مجلس النواب ونيلها الثقة، جدلاً سياسياً بشأن حدود المجاملة الدبلوماسية، وما إذا كانت بعض المواقف الخارجية قد تجاوزت التهنئة بالتكليف إلى الإيحاء المسبق بدعم حكومة لم تولد دستورياً بعد.
وقال سياسي عراقي مخضرم لـ“المستقلة”، مفضلاً عدم ذكر اسمه، إن “التسابق إلى تهنئة رئيس وزراء مكلف قبل تصويت البرلمان على حكومته ظاهرة غريبة، ولا تنسجم مع الأعراف السياسية والدبلوماسية، خصوصاً عندما تصدر من رؤساء دول وشخصيات ذات ثقل إقليمي ودولي”.
وأضاف أن التهنئة بالتكليف قد تكون مفهومة في حدود البروتوكول، لكنها تصبح محل إشكال عندما تُقدَّم كما لو أن الحكومة تشكلت فعلاً أو أن صاحب التكليف أصبح رئيساً للحكومة بكامل الصلاحيات، مشيراً إلى أن “الزيدي لا يزال مكلفاً، وحكومته قد تمر أو قد تتعثر داخل البرلمان”.
وجاء الجدل بعد سلسلة مواقف داخلية وخارجية رحبت بتكليف الزيدي. فقد هنأ العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني رئيس الوزراء العراقي المكلف خلال اتصال هاتفي، متمنياً له التوفيق في خدمة الشعب العراقي، كما هنأ رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان الزيدي بتكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة.
كما تحدثت تقارير عن تهانٍ ومواقف ترحيب صدرت من قادة ومسؤولين دوليين، بينها تهنئة من الإمارات، وموقف فرنسي مرحب بتكليف الزيدي، فضلاً عن تهنئة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.
وفي واشنطن، نقلت وكالة أسوشيتد برس أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هنأ الزيدي ودعاه إلى زيارة واشنطن بعد نجاحه في تشكيل الحكومة، في خطوة قرأتها الوكالة بوصفها إشارة إلى مباركة أميركية للمرشح الجديد، بعد اعتراض واشنطن على مرشح سابق هو نوري المالكي.
غير أن جوهر الاعتراض السياسي لا يتعلق، بحسب المصدر، بمجرد التهاني البروتوكولية، بل بتوقيتها ورسائلها السياسية. فالزيدي، وفق المسار الدستوري، لا يصبح رئيساً للحكومة فعلياً إلا بعد تقديم كابينته الوزارية ونيلها ثقة مجلس النواب. وتشير أسوشيتد برس إلى أن الزيدي أمامه 30 يوماً لتشكيل الحكومة، وأن حكومته تحتاج إلى 167 صوتاً في البرلمان للحصول على الثقة.
ويرى السياسي، أن “تقديم التهاني قبل اكتمال المسار البرلماني قد يخلق انطباعاً بأن بعض العواصم تتعامل مع التكليف بوصفه حسمًا نهائياً، لا خطوة أولى قابلة للنجاح أو الفشل”، معتبراً أن ذلك “يقترب من الانحياز السياسي في شأن داخلي، خاصة إذا كانت القوى العراقية نفسها لم تحسم بعد موقفها من الكابينة المقبلة”.
وتزداد حساسية هذا النقاش في ظل تقارير تحدثت عن أن اختيار الزيدي جاء بعد أسابيع من الجدل داخل الإطار التنسيقي، بوصفه مرشح تسوية، وأنه رجل أعمال لم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً بارزاً، ما يجعل مرحلة نيل الثقة اختباراً أساسياً لقدرة التكليف على التحول إلى حكومة فعلية.
وبحسب مراقبين، فإن التهاني المبكرة قد تمنح الزيدي دفعة سياسية ومعنوية في الداخل، لكنها في الوقت نفسه قد تزيد حساسية المشهد، خصوصاً إذا قرأتها قوى سياسية عراقية على أنها محاولة خارجية لتثبيت خيار معين قبل أن يقول البرلمان كلمته.
كما أن هذا النوع من المواقف قد يضع القوى البرلمانية أمام ضغط غير مباشر، إذ يبدو المكلف مدعوماً خارجياً قبل أن يحسم التوازن الداخلي مصير حكومته. وفي بلد شديد الحساسية تجاه التدخلات الخارجية، قد تتحول التهاني إلى مادة جدل سياسي، لا مجرد رسائل بروتوكولية.
ولا يعني ذلك، وفق المصدر، أن كل تهنئة تمثل تدخلاً مباشراً، فبعض الرسائل الدبلوماسية تُصاغ عادة في إطار دعم الاستقرار وتمني النجاح للمكلف. لكن الإشكال يظهر عندما تتجاوز اللغة حدود “التوفيق في تشكيل الحكومة” إلى التعامل مع المكلف باعتباره رئيس حكومة مكتمل الشرعية السياسية والدستورية.
وتكشف هذه الظاهرة جانباً من هشاشة المرحلة الحالية في العراق. فالتكليف لم يعد خطوة داخلية محصورة بين رئيس الجمهورية والكتلة الأكبر والبرلمان، بل أصبح موضع مراقبة إقليمية ودولية، في ظل ترابط ملف الحكومة المقبلة بعلاقات بغداد مع واشنطن وطهران، وملفات الدولار، والطاقة، والفصائل المسلحة، والتوازنات الأمنية.
وفي المحصلة، يبقى السؤال المطروح: هل كانت التهاني الدولية للزيدي مجاملات دبلوماسية معتادة، أم رسائل سياسية مبكرة تهدف إلى ترسيخ خيار لم يكتمل دستورياً بعد؟
الإجابة ستتضح عند عرض الكابينة الوزارية على مجلس النواب. فإذا نالت حكومة الزيدي الثقة، ستبدو التهاني وكأنها استباق سياسي انتهى إلى نتيجة واقعية. أما إذا تعثرت الحكومة أو تأخر التصويت عليها، فستتحول تلك التهاني إلى شاهد على تسرع دبلوماسي قرأ التكليف كأنه تشكيل، وتجاهل أن الكلمة الأخيرة في النظام البرلماني العراقي لا تزال لمجلس النواب.





