انكماش بـ6.8% يضع اقتصاد العراق أمام اختبار صعب.. النفط لم يعد المشكلة الوحيدة

المستقلة/- يدخل الاقتصاد العراقي مرحلة شديدة الحساسية مع توقع صندوق النقد الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 6.8% خلال عام 2026، في مؤشر يعكس حجم الضغوط التي تواجه البلاد، ليس فقط نتيجة اضطرابات إنتاج وتصدير النفط، وإنما أيضاً بسبب استمرار هشاشة القطاعات غير النفطية واعتمادها الكبير على الإنفاق الحكومي. ويثبت صندوق النقد حالياً توقعه لانكماش الاقتصاد العراقي بـ6.8% خلال العام الجاري.

وحذّر الخبير الاقتصادي منار العبيدي من أن قراءة الرقم باعتباره نتيجة مباشرة لأزمة النفط وحدها قد تخفي مشكلة أعمق، تتمثل في طبيعة الاقتصاد العراقي نفسه، إذ ما يزال جزء كبير من النشاط غير النفطي مرتبطاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالدولة التي تعتمد إيراداتها أساساً على القطاع النفطي.

وبهذه المعادلة، فإن أي تراجع في الإيرادات النفطية لا يبقى محصوراً في الموازنة العامة، بل ينتقل تدريجياً إلى مختلف مفاصل السوق، من خلال تراجع قدرة الحكومة على الإنفاق والاستثمار وتنفيذ المشاريع وتسديد الالتزامات، وهو ما ينعكس بدوره على الشركات والمقاولين والتجار والاستهلاك وفرص العمل.

وتأتي توقعات الانكماش في ظل صدمة اقتصادية إقليمية واسعة. فقد أشار صندوق النقد في تقريره الإقليمي الصادر في نيسان 2026 إلى أن اضطرابات إنتاج ونقل الطاقة والحرب في الشرق الأوسط أدت إلى تخفيضات حادة في توقعات نمو عدد من الاقتصادات النفطية، موضحاً أن استمرار تعطل صادرات الطاقة يمكن أن تكون كلفته على الدول المنتجة أكبر من المكاسب الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط.

وتكشف المقارنة حجم التغير الذي طرأ على المشهد الاقتصادي العراقي. ففي تقرير المادة الرابعة الصادر عام 2025، كان صندوق النقد يتوقع نمواً حقيقياً للعراق بنحو 1.4% في 2026، قبل أن تتحول التوقعات لاحقاً إلى انكماش حاد، في ظل التطورات الإقليمية واضطرابات قطاع الطاقة.

لكن العبيدي يرى أن الأزمة تتجاوز هذه الظروف الطارئة، مشيراً إلى أن النشاط غير النفطي يواجه هو الآخر مجموعة من الضغوط، بينها ارتفاع كلف ممارسة الأعمال وتشدد بعض الإجراءات والرسوم الكمركية، وضعف التمويل وتراجع بعض أشكال الدعم للقطاعات الإنتاجية، فضلاً عن محدودية وصول الشركات العراقية إلى الأسواق الخارجية.

وتبرز هنا إحدى أهم نقاط الضعف في الاقتصاد العراقي؛ فغالبية الشركات تعتمد على السوق المحلية، وبالتالي فإن انخفاض ثقة المستهلك وتراجع القدرة على الإنفاق لا ينعكسان فقط على تجارة التجزئة، بل يمتدان إلى قرارات الاستثمار والتوسع والتوظيف.

كما يضع ملف التمويل المصرفي تحدياً إضافياً أمام القطاع الخاص. وبحسب العبيدي، فإن المصارف لا تستطيع بمفردها تحمل مسؤولية تمويل التحول الاقتصادي، ولا سيما مع اتجاه جزء من السيولة نحو التمويل الحكومي الأقل مخاطرة مقارنة بتمويل المشاريع الخاصة، إلى جانب تأثير حالة عدم اليقين والثقة في القطاع المصرفي.

وهنا تصبح الأزمة مزدوجة: الدولة قد تجد نفسها أمام قدرة أقل على الإنفاق إذا تراجعت إيراداتها، بينما لا يمتلك القطاع الخاص حتى الآن قنوات تمويل عميقة ومستقلة تسمح له بالتوسع عندما ينكمش الدور المالي للحكومة.

ويرى العبيدي أن معالجة هذه الحلقة تستدعي فتح مصادر جديدة لرأس المال، وفي مقدمتها جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية، وتطوير سوق العراق للأوراق المالية، وزيادة عدد الشركات المدرجة وتنويع القطاعات الممثلة فيه، فضلاً عن تشريع وتنظيم الصناديق الاستثمارية وتسهيل دخول المستثمرين.

ولا يعني انكماش الناتج بنسبة 6.8% بالضرورة أن جميع القطاعات العراقية ستنكمش بالمعدل نفسه، إلا أن الرقم يمثل إنذاراً بشأن حجم الصدمة التي يتعرض لها الاقتصاد الكلي، ومدى حاجته إلى الانتقال من نموذج يقوم على تحويل الإيرادات النفطية إلى إنفاق حكومي ثم إلى نشاط في السوق، إلى نموذج يمتلك فيه القطاع الخاص مصادر مستقلة للاستثمار والتمويل والتصدير.

ويبدو أن السؤال الاقتصادي الأهم للعراق لم يعد متعلقاً فقط بموعد عودة النمو بعد عام 2026، بل بما إذا كان بإمكان البلاد استغلال هذه الأزمة لإعادة بناء هيكل اقتصادي يستطيع خلق الوظائف وتمويل الشركات وجذب رأس المال حتى عندما تتراجع قدرة الخزينة العامة على الإنفاق.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى