
العراق يدرس حذف أصفار الدينار.. هل يكون الحل لأزمة السيولة؟
المستقلة/- عاد ملف إعادة هيكلة العملة العراقية إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بالتزامن مع أزمة السيولة التي تواجهها الحكومة وانعكاساتها على تمويل النفقات العامة وتأخر صرف بعض المستحقات. وبينما يطرح خبراء اقتصاديون أفكارًا تتعلق بحذف أصفار من الدينار أو إصدار فئات نقدية جديدة، يحذر مختصون من التعامل مع هذه الإجراءات باعتبارها حلولًا مباشرة للأزمة المالية.
وتتجه النقاشات الحالية نحو البحث عن أدوات تساعد على تحديث النظام النقدي وتنظيم الكتلة النقدية المتداولة، في ظل توسع حجم التعاملات المالية وتزايد الحاجة إلى تطوير البنية المصرفية. إلا أن السؤال الأساسي يبقى: هل يستطيع تغيير شكل العملة معالجة الاختلالات المالية والاقتصادية التي يعاني منها العراق؟
حذف الأصفار.. إعادة تنظيم لا زيادة في القوة الشرائية
يرى الخبير المالي الدكتور نبيل العبادي أن تغيير العملة الوطنية لا ينبغي التعامل معه باعتباره إجراءً فنيًا أو نقديًا منفصلًا عن بقية الملفات الاقتصادية، مؤكدًا أن حذف الأصفار، في حال اعتماده، يمثل بالدرجة الأولى إعادة تنظيم للوحدات النقدية وتبسيطًا للعمليات الحسابية والمحاسبية.
وبحسب هذا الطرح، فإن حذف الأصفار لا يعني تلقائيًا ارتفاع القوة الشرائية للمواطن أو زيادة القيمة الحقيقية للدينار، لأن القوة الشرائية ترتبط بأداء الاقتصاد ومستويات التضخم والإنتاج والدخل والسياسات المالية والنقدية.
ويحذر العبادي من الخلط بين معالجة مظهر المشكلة الاقتصادية ومعالجة أسبابها، معتبرًا أن العملة القوية هي نتيجة لاقتصاد ومؤسسات قوية، وليست مجرد نتيجة لتغيير شكل الأوراق النقدية.
هل يمكن ملاحقة الأموال غير المشروعة؟
من بين الأسباب التي تدفع بعض الخبراء إلى طرح تغيير العملة، إمكانية استغلال عملية الاستبدال للكشف عن الأموال غير المشروعة وإدخال جزء من الكتلة النقدية الموجودة خارج الجهاز المصرفي إلى النظام المالي الرسمي.
لكن هذه الفكرة تواجه تحديات كبيرة، إذ يشير العبادي إلى أن الأموال الكبيرة الناتجة عن الفساد أو الأنشطة غير المشروعة قد لا تكون موجودة أصلًا على شكل نقد عراقي، وإنما تحولت إلى عقارات وأصول واستثمارات أو أموال خارج البلاد.
وبالتالي، فإن تغيير الأوراق النقدية وحده لن يكون كافيًا لاسترداد تلك الأموال أو كشف مصادرها، ما لم يترافق مع منظومة متكاملة للتدقيق المصرفي والضريبي وتتبع حركة الأموال والأصول.
إصدار فئات نقدية جديدة.. مقترح آخر
وفي مقابل فكرة حذف الأصفار، يطرح باحثون اقتصاديون خيار إصدار فئات نقدية جديدة تتناسب مع حجم الكتلة النقدية وحركة التعاملات في السوق.
ويرى الباحث في الشأن الاقتصادي عماد المحمداوي أن إصدار فئة نقدية جديدة أو تغيير العملة يمكن أن يكون مفيدًا من الناحية النظرية لتنظيم التداول النقدي، لكنه لن يكون كافيًا لمعالجة أزمة السيولة أو الحد من الفساد ما لم يرافقه نظام صارم للتحقق من مصادر الأموال.
ويشير إلى أن القضية الأساسية لا تتعلق بشكل الورقة النقدية، وإنما بقدرة المؤسسات المالية والرقابية على معرفة مصدر الأموال الكبيرة عند إيداعها أو استبدالها.
مخاطر المرحلة الانتقالية
تمثل المرحلة الانتقالية أحد أكثر الملفات حساسية في أي مشروع لإعادة هيكلة العملة، إذ يمكن أن يؤدي الإعلان عن تغيير العملة إلى تحركات استباقية في السوق، سواء من جانب المواطنين أو التجار أو المضاربين.
ويحذر خبراء من إمكانية استغلال فترة الانتقال لرفع الأسعار أو خلق حالة من الارتباك في السوق، خصوصًا إذا لم تكن هناك تعليمات واضحة بشأن الأسعار وآليات الاستبدال والفترة الزمنية المحددة للتعامل بالعملتين القديمة والجديدة.
كما أن تنفيذ المشروع بصورة مفاجئة قد يفرض تكاليف كبيرة على الدولة والمصارف والشركات والمواطنين، بدءًا من طباعة العملة الجديدة وصولًا إلى تحديث الأنظمة المحاسبية وأجهزة الصراف والدفع الإلكتروني والعقود والأسعار.
الرقابة المصرفية شرط أساسي
ويؤكد المحمداوي أن نجاح أي مشروع لتغيير العملة يتطلب إجراءات رقابية متزامنة، من بينها إلزام أصحاب المبالغ الكبيرة بإيداع أموالهم في المصارف، والتحقق من مصادرها وربط المعلومات المصرفية بالبيانات الضريبية.
كما يمكن منح فترة زمنية محددة لاستبدال العملة، مع تطبيق قواعد واضحة للتعامل مع المبالغ الكبيرة، بما يسمح للجهات المختصة بالتدقيق في مصادر الأموال بدل تحويل عملية الاستبدال إلى إجراء آلي يستفيد منه الجميع دون تمييز.
ويحذر المختصون في الوقت ذاته من أن ضعف الرقابة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، إذ يمكن لشبكات الفساد استغلال الثغرات قبل بدء عملية الاستبدال لتوزيع الأموال أو تحويلها إلى أصول يصعب تتبعها.
الإصلاح المالي قبل تغيير العملة
تتفق الآراء الاقتصادية المطروحة على نقطة رئيسية، وهي أن تغيير العملة لا يمكن أن يكون بديلًا عن الإصلاح الاقتصادي الشامل.
فمعالجة الاختلالات المزمنة في الموازنة، وتعزيز استقلالية السياسة النقدية، وتطوير القطاع المصرفي، وتنويع مصادر الإيرادات، وزيادة الإنتاج المحلي، وتحسين بيئة الاستثمار، تبقى عوامل أكثر تأثيرًا في قوة الدينار واستقرار الاقتصاد.
كما أن تقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية يمثل تحديًا أساسيًا للعراق، خصوصًا أن قدرة المالية العامة على الإنفاق ترتبط بدرجة كبيرة بعوائد النفط وتقلبات أسعاره والإنتاج والتصدير.
بين حذف الأصفار وأزمة السيولة
يبرز هنا فارق مهم بين إعادة هيكلة العملة ومعالجة أزمة السيولة؛ فحذف الأصفار قد يسهم في تبسيط التعاملات والحسابات، لكنه لا يعني بالضرورة توفير أموال إضافية للحكومة أو معالجة العجز المالي.
وبالمثل، فإن إصدار فئة نقدية جديدة قد يسهل التعامل مع المبالغ الكبيرة، لكنه لا يعالج تلقائيًا أسباب نقص السيولة أو الاختلالات المالية.
لذلك، فإن أي قرار يتعلق بالدينار العراقي يحتاج إلى دراسة واسعة تشمل السياسة النقدية والمالية والمصرفية، إلى جانب تأثيره في الأسعار والمدخرات والعقود والرواتب والتعاملات التجارية.
إصلاح شامل أم تغيير شكلي؟
يضع النقاش الحالي صانع القرار العراقي أمام خيارين: التعامل مع تغيير العملة باعتباره مشروعًا مستقلًا، أو إدخاله ضمن برنامج إصلاح اقتصادي ومالي أوسع.
وفي حال جرى اعتماد حذف الأصفار أو إصدار فئات جديدة ضمن منظومة متكاملة تشمل الرقابة المصرفية والضريبية، وتعزيز الدفع الإلكتروني، ومكافحة غسل الأموال، وإصلاح المالية العامة، فقد يتحول المشروع إلى فرصة لتنظيم الكتلة النقدية وتحديث النظام المالي.
أما إذا جرى التعامل معه باعتباره حلًا منفردًا لأزمة السيولة أو وسيلة مباشرة لرفع قيمة الدينار، فقد تكون نتائجه محدودة، بل قد يخلق تكاليف ومخاطر إضافية خلال المرحلة الانتقالية.
وبينما تستمر النقاشات حول مستقبل العملة العراقية، يبقى جوهر القضية أوسع من عدد الأصفار على الأوراق النقدية؛ إذ ترتبط قوة الدينار في النهاية بقوة الاقتصاد، واستقرار المالية العامة، وكفاءة المؤسسات، وقدرة الدولة على بناء اقتصاد إنتاجي ومتنوع يقلل من هشاشة النظام المالي أمام الأزمات.
أخبار قد تهمك
المدى تكشف: طهران أوقفت هجوماً وشيكاً للفصائل العراقية على السعودية
العراق يترقب انخفاض درجات الحرارة بدءاً من الأربعاء
العراق يعيد تأهيل خط فيشخابور.. خطة لرفع صادرات النفط عبر ميناء جيهان
العراق يطلق تطبيقًا جديدًا للبطاقة التموينية.. إشعارات بمواعيد الحصص
حصر السلاح بيد الدولة في العراق.. أولوية سياسية وأمنية لترسيخ السيادة
المليون قطعة أرض في العراق.. حسم معايير الاستحقاق قبل التوزيع
بغداد تتجه لخصخصة النفايات.. 100 ميغاواط من الطاقة
تصريحات محمد باقر خرازي تفتح ملف صراعات النفوذ داخل القيادة الإيرانية
حريق في أحد مرافق مصفاة جازان بالسعودية.. وأرامكو تعلن السيطرة عليه دون إصابات
طبيب روسي يحذر: 3 عوامل قد تسرّع شيخوخة القلب
موتورولا تكشف عن Moto Pad 70 Pro بشاشة 144 هرتز ومعالج قوي





