الصين تتحدى الهيمنة الأميركية على الذكاء الاصطناعي.. 700 مليون مستخدم وسباق للسيطرة على الحياة الرقمية

المستقلة/- تتجه المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين في مجال الذكاء الاصطناعي نحو مرحلة جديدة، لم يعد التفوق فيها مرتبطاً فقط بقوة النماذج التقنية وقدرتها على معالجة المعلومات وحل المسائل المعقدة، بل بمدى انتشار هذه التكنولوجيا في حياة المستخدمين اليومية، وقدرة الشركات على تحويلها إلى جزء أساسي من الخدمات الرقمية التي يعتمد عليها ملايين الأشخاص.

وبينما تواصل الشركات الأميركية تطوير نماذج متقدمة مثل ChatGPT وGemini وClaude، تعمل الشركات الصينية على توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي داخل منظومات رقمية متكاملة تشمل التسوق الإلكتروني والمدفوعات والخدمات اللوجستية وطلب الطعام وسيارات الأجرة، في استراتيجية قد تمنح بكين ميزة تنافسية في نشر التكنولوجيا على نطاق واسع.

وتشير تقارير تقنية إلى أن الصين تسعى إلى تجاوز مفهوم المساعد الذكي المستقل، والانتقال نحو دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي مباشرة في التطبيقات التي يستخدمها المواطنون يومياً، بحيث تصبح هذه الأدوات جزءاً من تجربة الاستخدام دون الحاجة إلى فتح تطبيق منفصل أو البحث عن خدمة متخصصة.

وتلعب شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة، وفي مقدمتها «بايت دانس» و«تينسنت» و«علي بابا»، دوراً رئيسياً في هذا التحول، مستفيدة من قواعد المستخدمين الضخمة التي تمتلكها، ومن البيانات المرتبطة بسلوك المستهلكين ومشترياتهم ومعاملاتهم الرقمية.

ويمنح هذا التكامل الشركات الصينية فرصة لتطوير خدمات قادرة على فهم احتياجات المستخدمين وتقديم اقتراحات وتنفيذ مهام متنوعة ضمن بيئة رقمية واحدة، ما قد يعزز ارتباط المستهلكين بتطبيقاتها ويزيد من فرص الاستخدام المتكرر للتقنيات الذكية.

وبحسب أرقام أوردتها تقارير إعلامية نقلاً عن بيانات صينية، وصل عدد مستخدمي الذكاء الاصطناعي التوليدي في البلاد إلى نحو 700 مليون شخص، وهو ما يعادل قرابة نصف سكان الصين، في مؤشر على الحجم الكبير للسوق المحلية وسرعة انتشار هذه التكنولوجيا.

وفي السياق ذاته، برزت تطبيقات صينية مثل «دوباو» التابع لشركة بايت دانس و«ديب سيك» ضمن أبرز خدمات الذكاء الاصطناعي عالمياً، بعدما نجحت في جذب أعداد كبيرة من المستخدمين وتوسيع حضورها داخل الصين وخارجها.

وأظهر تقرير حديث لشركة الاستثمار الأميركية «أندريسن هورويتز»، نُشر في الخامس من تشرين الأول 2026، استمرار حضور التطبيقات الصينية في قوائم خدمات الذكاء الاصطناعي الأكثر استخداماً، إلى جانب المنافسين الأميركيين.

ورغم هذا التوسع، لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بموقع قوي في تطوير النماذج المتقدمة والبنية التحتية والخدمات التجارية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إذ يواصل ChatGPT تصدر الاستخدام الاستهلاكي عالمياً وفق مؤشرات الزيارات والنشاط التي تتبعها الشركة الاستثمارية الأميركية.

وتشير البيانات نفسها إلى أن ChatGPT حقق خلال آب 2026 نحو ضعف زيارات Gemini عبر الويب، مع تفوق أوسع على Claude، ما يعكس استمرار المنافسة الأميركية القوية في سوق تطبيقات الذكاء الاصطناعي المباشرة.

لكن الاختلاف الأساسي بين التجربتين الأميركية والصينية يظهر في أسلوب انتشار التكنولوجيا؛ فبينما يعتمد جانب مهم من الاستخدام الغربي على التطبيقات المستقلة والاشتراكات والخدمات المتخصصة، تمتلك الشركات الصينية فرصاً كبيرة لإدخال الذكاء الاصطناعي ضمن منصات قائمة يستخدمها المستهلكون لإنجاز معاملاتهم اليومية.

وتثير هذه الاستراتيجية في المقابل تساؤلات بشأن الخصوصية وحماية البيانات، إذ يتطلب تطوير الخدمات الشخصية الذكية الوصول إلى كميات واسعة من المعلومات المتعلقة بالمستخدمين، ما يزيد أهمية الضوابط المنظمة لجمع البيانات وتخزينها واستخدامها.

كما تواجه الشركات الأميركية تحديات مرتبطة بتوزع البيانات بين منصات متعددة، واختلاف سياسات الخصوصية والمنافسة، وهو ما قد يحد من قدرة بعض الخدمات على تقديم تجربة متكاملة مقارنة بالمنصات الرقمية التي تجمع خدمات متنوعة ضمن تطبيق واحد.

ولا تعني هذه الفوارق أن الصين حسمت المنافسة العالمية، إذ يبقى التفوق في الذكاء الاصطناعي مرتبطاً بعوامل أخرى، من بينها قوة النماذج وتكاليف التشغيل والابتكار والقدرة على جذب الاستثمارات والمواهب التقنية، فضلاً عن ثقة المستخدمين وأمان البيانات.

وتكشف هذه التطورات أن المعركة المقبلة بين واشنطن وبكين قد لا تُحسم فقط داخل مختبرات تطوير الذكاء الاصطناعي، وإنما داخل الهواتف الذكية والمتاجر الإلكترونية ومنصات الدفع والخدمات اليومية، حيث يصبح انتشار التكنولوجيا وقدرتها على تلبية احتياجات المستهلكين عاملاً حاسماً في تحديد حجم النفوذ الرقمي للشركات والدول.

ومع تسارع الاستثمارات العالمية في القطاع، تبدو المنافسة مفتوحة بين التفوق التقني الأميركي والتوسع الصيني في التطبيقات والخدمات، وسط تحول الذكاء الاصطناعي من أداة مستقلة للإجابة عن الأسئلة إلى بنية رقمية قادرة على التأثير في طريقة العمل والتسوق والتواصل وإدارة الحياة اليومية.

وفي المحصلة، فإن الطرف الذي ينجح في الجمع بين القدرات التقنية المتقدمة وسهولة الاستخدام والانتشار الواسع وحماية بيانات المستخدمين، قد يكون الأكثر قدرة على ترسيخ موقعه في الاقتصاد الرقمي العالمي خلال السنوات المقبلة.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى