واشنطن وبكين.. سباق الصواريخ يرفع منسوب التوتر النووي

المستقلة/- دخلت المواجهة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والصين مرحلة جديدة من التوتر، بعدما دعت واشنطن، إلى جانب 40 دولة، الدول المالكة للصواريخ الباليستية إلى تقديم إخطارات مسبقة عن عمليات الإطلاق، في خطوة تقول الولايات المتحدة إنها تهدف إلى الحد من مخاطر سوء التقدير والتصعيد العسكري، بينما ترى بكين أنها محاولة لتقييد قدراتها وصرف الأنظار عن التطور المتسارع للترسانة الأمريكية.

وتطالب المبادرة الدول بإبلاغ المجتمع الدولي قبل إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والصواريخ الباليستية التي تطلق من الغواصات، إضافة إلى بعض مركبات الإطلاق الفضائية، على أن تتضمن الإخطارات معلومات أساسية عن نوع الصاروخ وموعد الإطلاق والمنطقة التي سيتم منها، فضلاً عن مسار الرحلة ومناطق السقوط أو الهبوط المتوقعة.

وبالنسبة إلى واشنطن، فإن مثل هذه الإخطارات يمكن أن تقلل احتمالات سوء الفهم، خصوصاً في ظل امتلاك القوى الكبرى ترسانات نووية وقدرات صاروخية بعيدة المدى. فأي عملية إطلاق غير معلنة يمكن، في ظروف التوتر، أن تُفسر على أنها تحضير لهجوم، وهو ما يجعل الشفافية والإبلاغ المسبق أدوات مهمة للحد من خطر التصعيد غير المقصود.

لكن الجانب الصيني ينظر إلى الخطوة من زاوية مختلفة. ويرى خبراء صينيون أن الولايات المتحدة تستخدم منصة الأمم المتحدة للضغط على منافسيها الاستراتيجيين، بالتزامن مع تطوير قدراتها الصاروخية والدفاعية وتعزيز ترتيبات الردع النووي مع حلفائها.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية الصينية تنافساً متزايداً في المجالات العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية، بينما أصبحت القدرات الصاروخية واحدة من أبرز ساحات الصراع الاستراتيجي بين البلدين.

وتعتبر بكين أن تطوير قدراتها النووية والصاروخية جزء من استراتيجية الردع وحماية أمنها القومي، في حين ترى واشنطن أن تنامي هذه القدرات، إلى جانب التطورات العسكرية الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، يمثل تحدياً متزايداً للتوازن الاستراتيجي.

وتكمن خطورة هذا التنافس في أن سباق التسلح لا يجري فقط على مستوى عدد الصواريخ والرؤوس النووية، بل يتجه أيضاً نحو تطوير أنظمة أكثر سرعة ودقة وقدرة على المناورة، إلى جانب الأسلحة التي تطلق من البر والبحر والغواصات، وهو ما يقلص زمن اتخاذ القرار في حال وقوع أزمة.

وفي مثل هذه البيئة، تصبح مسألة الإخطار المسبق أكثر أهمية، لكنها في الوقت نفسه تتحول إلى قضية سياسية حساسة. فالدول التي تمتلك قدرات استراتيجية قد ترى في الكشف عن معلومات إضافية حول تجاربها أو تدريباتها العسكرية مساساً بسرية عملياتها، بينما ترى الدول الأخرى أن غياب المعلومات قد يزيد مخاطر سوء التقدير.

ويحذر مراقبون من أن استمرار التنافس الأمريكي الصيني من دون قنوات اتصال وضوابط واضحة قد يجعل أي حادث عسكري أو تجربة صاروخية مصدراً لأزمة أكبر من حجمها الحقيقي، خصوصاً إذا تزامنت مع توترات في مناطق مثل تايوان أو بحر الصين الجنوبي.

وفي النهاية، لا تبدو المعركة الحالية مجرد خلاف حول الإخطار بإطلاق الصواريخ، بل جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام الأمني العالمي ومن يمتلك القدرة على وضع قواعده.

وبينما تدعو واشنطن إلى مزيد من الشفافية للحد من مخاطر الصواريخ، تخشى بكين أن تتحول هذه الدعوات إلى وسيلة للضغط عليها وإضعاف قدرتها على الردع. وفي ظل استمرار سباق التكنولوجيا العسكرية، يبقى السؤال الأكبر: هل تقود قواعد الشفافية إلى خفض خطر الحرب النووية، أم تتحول هي نفسها إلى ساحة جديدة للصراع بين القوى الكبرى؟

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى