العراق يرفع درع السماء.. الزيدي يستنفر الدفاع الجوي

المستقلة/- في توقيت يحمل دلالات سياسية وعسكرية واضحة، أجرى رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي زيارة ليلية إلى مركز عمليات قيادة الدفاع الجوي، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الحكومي بملف حماية الأجواء العراقية مع اقتراب الموعد المعلن لإنهاء مهمة قوات التحالف الدولي في العراق في 30 أيلول المقبل.

الزيارة لم تكن مجرد جولة ميدانية للاطلاع على مستوى الجاهزية، بل جاءت لتبعث برسالة واضحة مفادها أن بغداد تريد الدخول إلى مرحلة جديدة تكون فيها مسؤولية حماية المجال الجوي العراقي أكثر اعتماداً على القدرات الوطنية، بعيداً عن أي فراغ أمني يمكن أن تستغله الأطراف الإقليمية أو الدولية.

وخلال الزيارة، اطلع الزيدي على واقع منظومات الدفاع الجوي وانتشار القطعات ومهامها في حماية سماء البلاد، فيما قدم قائد الدفاع الجوي إيجازاً حول خطط الانتشار والسيطرة العملياتية وبرامج تطوير القدرات خلال المرحلة المقبلة.

الأكثر أهمية في الزيارة كان استعراض خطة بناء قدرات الدفاع الجوي للأعوام 2026–2031، وهي خطة تمتد لخمسة أعوام وتركز على تطوير الرادارات ووسائل الكشف والرصد، وتعزيز منظومات التسليح، وتحديث أنظمة القيادة والسيطرة، وصولاً إلى بناء منظومة دفاع جوي متكاملة قادرة على التعامل مع التهديدات الحديثة.

وهنا تكمن جوهر القضية.

فالعراق لا يواجه فقط تحدي حماية حدوده وأجوائه من الاختراقات، بل يتحرك داخل منطقة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإيرانية والتركية والإسرائيلية، وتتحول الأجواء العراقية في كثير من الأحيان إلى مساحة للتجاذب الأمني والعسكري.

ولهذا فإن امتلاك منظومة دفاع جوي حديثة لا يمثل ملفاً عسكرياً تقنياً فقط، بل يرتبط مباشرة بمفهوم السيادة الوطنية وقدرة الدولة على معرفة ما يدخل مجالها الجوي، وما يخرج منه، ومن أين جاءت الطائرات أو الصواريخ أو الطائرات المسيّرة، وكيف يمكن التعامل معها في الوقت المناسب.

وتزداد أهمية هذا الملف مع اقتراب انتهاء مهمة التحالف الدولي، إذ سيكون على القوات العراقية تحمل مسؤوليات أكبر في مراقبة الأجواء والاستجابة للتهديدات الجوية، وهو ما يتطلب قدرات رادارية متقدمة وشبكات قيادة وسيطرة متكاملة، وليس مجرد امتلاك منظومات تسليح منفصلة.

رسالة الزيدي كانت واضحة أيضاً في الجانب السياسي، عندما أكد أن العراق لن يسمح باختراق أجوائه أو المساس بأمنه من أي جهة، وفي الوقت ذاته لن يسمح باستخدام أراضيه أو أجوائه منصة لتنفيذ اعتداءات على دول الجوار.

هذه المعادلة تعكس محاولة بغداد تثبيت موقف يقوم على مبدأين متلازمين: السيادة أولاً، وعدم تحويل العراق إلى ساحة صراع ثانياً.

لكن تحقيق هذه المعادلة على أرض الواقع لن يكون سهلاً. فبناء دفاع جوي متكامل يحتاج إلى تمويل كبير، وتكنولوجيا متقدمة، وتدريب مستمر، وربط مختلف المنظومات ضمن شبكة واحدة قادرة على اتخاذ القرار بسرعة، إضافة إلى تطوير القدرات العراقية في مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية والمجنحة والتهديدات الجوية منخفضة الارتفاع.

ومن هنا تأتي خطة 2026–2031 باعتبارها اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة العراقية على الانتقال من مرحلة الاعتماد على الدعم الخارجي إلى مرحلة امتلاك منظومة دفاع وطنية أكثر استقلالاً.

فالسيادة الجوية لا تُعلن في البيانات، وإنما تُقاس بقدرة الرادار على اكتشاف الخطر، وقدرة القيادة على تحديد مصدره، وقدرة القوات على التعامل معه، وقدرة الدولة السياسية على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.

زيارة الزيدي الليلية إلى مركز عمليات الدفاع الجوي تحمل، بهذا المعنى، رسالة تتجاوز الجاهزية العسكرية. إنها إعلان مبكر عن أن مرحلة ما بعد التحالف ستضع العراق أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع الدولة حماية سمائها بنفسها، ومنع الآخرين من استخدام أجوائها، وفي الوقت نفسه منع تحويل أراضيها إلى ساحة مواجهة إقليمية؟

الإجابة ستحددها السنوات الخمس المقبلة، لكن المؤكد أن معركة السيادة العراقية القادمة لن تكون على الأرض فقط… بل تبدأ من السماء.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى