
العراق يفتح ملف المال العام.. ضرب الامتيازات وحذف الأصفار
المستقلة/- في ظل الضغوط المالية والاقتصادية التي تواجهها الدولة العراقية، تعود ملفات المال العام والامتيازات والرواتب المزدوجة وإصلاح النظام النقدي إلى واجهة النقاش داخل مجلس النواب، مع طرح مجموعة من المقترحات التي تستهدف إعادة ترتيب الإنفاق الحكومي وتشديد الرقابة على ثروات المسؤولين وتعزيز مكانة الدينار العراقي.
المقترحات المطروحة لا تتوقف عند تعديل قانون واحد، بل تفتح نقاشاً أوسع حول شكل الإدارة المالية للدولة، وحجم الإنفاق على المسؤولين، ومدى قدرة المؤسسات الرقابية على كشف الأموال غير المشروعة، وصولاً إلى مقترح مثير للجدل يتعلق بحذف الأصفار من العملة العراقية.
وفي مقدمة الملفات، يأتي مقترح تعديل قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع، بهدف تشديد إجراءات الكشف عن الذمة المالية ومساءلة المكلفين الذين تظهر زيادة كبيرة وغير مبررة في أموالهم.
ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة في بلد يعاني منذ سنوات من تحديات الفساد واستغلال النفوذ، إذ إن مكافحة الكسب غير المشروع لا تعتمد فقط على العقوبات بعد وقوع المخالفة، وإنما تحتاج إلى نظام فعال لمراقبة نمو الثروات وربط الإقرارات المالية بالمعلومات المصرفية والعقارية والتجارية.
المقترحات تتجه أيضاً إلى تشديد الإجراءات بحق من يمتنعون عن تقديم إقرارات الذمة المالية، مع إحالة المخالفين إلى القضاء عند ثبوت وجود كسب غير مشروع.
أما الملف الأكثر حساسية سياسياً وشعبياً، فيتعلق بازدواج الرواتب والامتيازات المالية، حيث طُرح منع حصول الشخص الواحد على أكثر من راتب تحت أي عنوان، إلى جانب إعادة تنظيم مجموعة من المزايا التي يحصل عليها مسؤولون وموظفون في مؤسسات الدولة.
الفكرة هنا تقوم على مبدأ بسيط: لا يمكن مطالبة المواطن بترشيد إنفاقه فيما تبقى أبواب الامتيازات الحكومية مفتوحة بلا حدود واضحة.
وفي السياق ذاته، يتضمن أحد المقترحات تحديد راتب شهري مقطوع لعضو مجلس النواب بقيمة خمسة ملايين دينار، مع تنظيم المخصصات والامتيازات، وتقليص أعداد الموظفين والحمايات والمرافقين والمستشارين، إضافة إلى ضبط استخدام السيارات والطائرات الحكومية وإخضاع الإنفاق لرقابة الجهات المختصة.
هذه الإجراءات، إذا تحولت إلى تشريعات نافذة وطبقت بصورة فعلية، يمكن أن توفر مبالغ مهمة للخزينة، لكنها في الوقت نفسه ستواجه اختباراً سياسياً صعباً، لأن إصلاح الامتيازات غالباً ما يصطدم بمصالح الجهات المستفيدة منها.
وفي مسار موازٍ، برز مقترح آخر يتعلق بإصلاح النظام المالي والنقدي، يتضمن مكافحة غسل الأموال وحصر حركة الأموال داخل القنوات المصرفية الرسمية، واسترداد الأموال المهربة، وإدخال رؤوس الأموال غير الرسمية إلى الدورة الاقتصادية.
لكن الأكثر إثارة للجدل هو مقترح حذف الأصفار من الدينار العراقي، أو ما يعرف بإعادة تسمية العملة، باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لإصلاح النظام النقدي.
وهنا يجب التمييز بين حذف الأصفار وبين رفع القيمة الحقيقية للعملة. فحذف ثلاثة أصفار، على سبيل المثال، لا يعني تلقائياً أن المواطن أصبح أكثر ثراء أو أن القوة الشرائية للدينار ارتفعت؛ نجاح هذه الخطوة يعتمد على استقرار الاقتصاد، والسيطرة على التضخم، وإدارة الكتلة النقدية، وقوة النظام المصرفي، وثقة المواطنين بالعملة.
ولهذا فإن أي مشروع لإعادة تسمية الدينار يحتاج إلى دراسة دقيقة وآلية انتقال واضحة، تضمن عدم حدوث ارتباك في الأسعار والعقود والرواتب والمدخرات والمعاملات التجارية.
المشكلة العراقية ليست في شكل العملة وحده، وإنما في منظومة اقتصادية كاملة تحتاج إلى إصلاحات متزامنة تشمل المصارف، والإيرادات غير النفطية، والإنفاق الحكومي، والتهرب المالي، وغسل الأموال، وسوق الصرف، والاقتصاد النقدي.
ومن هنا، فإن حذف الأصفار إذا جاء منفرداً قد يكون مجرد تغيير حسابي، بينما إذا جاء ضمن برنامج اقتصادي متكامل فقد يصبح جزءاً من عملية إصلاح نقدي أوسع.
في النهاية، العراق أمام فرصة لإعادة فتح ملف المال العام من زاوية مختلفة: تقليل الامتيازات، مكافحة الكسب غير المشروع، ضبط الرواتب المزدوجة، استرداد الأموال المهربة، وإصلاح النظام النقدي.
لكن نجاح هذه الأفكار لن يقاس بعدد المقترحات التي تصل إلى البرلمان، وإنما بقدرة الدولة على تحويلها إلى قوانين عادلة تُطبق على الجميع دون استثناء.
فالإصلاح المالي الحقيقي لا يبدأ من حذف ثلاثة أصفار فقط، ولا من تقليل راتب مسؤول، بل من بناء دولة تعرف أين تذهب أموالها، ومن يحصل عليها، وكيف تُحمى من الهدر والفساد.
المعركة الحقيقية ليست مع الأصفار الموجودة على العملة.. بل مع الأصفار الموجودة في حسابات الرقابة والمساءلة.
أخبار قد تهمك
طقس العراق.. أجواء مستقرة نسبياً وفرص أمطار رعدية شمالاً
البرلمان العراقي يفتح ملف الإجازة الخمسية.. راتب كامل وترهل وظيفي تحت المجهر
الضمان الصحي في العراق يتوسع.. تخفيضات كبيرة على العمليات والأشعة
الشرق الأوسط تكشف: خطة عراقية لتطويق الفصائل بعد 30 سبتمبر
ميسي بعد رحيل والده.. حين يصبح الحزن أقوى من كرة القدم
الكهرباء العراقية أمام مرحلة جديدة.. مشاريع أميركية لإعادة بناء قطاع الطاقة
العراق يرفع درع السماء.. الزيدي يستنفر الدفاع الجوي
الذهب يقترب من أعلى مستوى في شهرين وسط ترقب لقرار الفيدرالي الأميركي
واشنطن وبكين.. سباق الصواريخ يرفع منسوب التوتر النووي
OpenAI توقف خطط إطلاق نموذج «أسترا» بعد مخاوف من قدراته السيبرانية
تلوث الهواء.. تغيّرات في الدم قد تكشف خطر سرطان الرئة قبل سنوات من تشخيصه





