
طفولة جبل. . بين الغموض والتمرد لأمجد توفيق
صباح هرمز
*الإستهلال:
في المدخل الإستهلالي للرواية الموزّع على أربعة مشاهد، إبتداء من المشهد الأول، يوحي السارد الموضوعي الى كون الجبل والطفل متشابهين وكأنهما صنوان، وذلك من خلال عبارة: (يتقابل وجهان لطفلين، الأول الجبل، والثاني لطفل تتوهج روحه بمرآى الجبل.). العبارة الثانية من هذه الفقرة إيماءة واضحة الى الطفل (بارق)، أما العبارة الاولى، للتأكد من أن للجبل وجه، بحاجة الى فحص وتدقيق، أو أنه المقصود تحديدا؛ والشيء نفسه ينطبق على معظم العبارات التي تأتي في المشاهد الثلاثة الاخرى، لتترك فهما غير واضح لدى المتلقي، فيما إذا كان الجبل شخصية مستقلة بحد ذاته، أو أنه يرمز الى الطفل.
وبناء على ذلك، يسعى السارد الى تحميل الرواية بأبعاد فلسفية، مشوبة بلغة أقرب الى الشعر منه الى النثر، لتحفيز المتلقي على تأويل أحداثها؛ وفق نظرية التلقي، سائرا على هذا النهج الى نهايتها.
ولعل إضافة ثلاث عبارات أخرى الى العبارة الآنفة الذكر، تؤكد أكثر بأن الجبل شخصية مستقلة، مع أن عنوان الرواية الذي هو (طفولة جبل) لا يشير الى ذلك، بقدر ما يشير الى أن طفولة بارق هي أشبه بجبل، إن لم يكن هو بعينه، متمثلة العبارة الأولى بالمقارنة بين نظرة الصخور وبين نظرة العيون، في إيماءة واضحة في الأولى الى الجبل، وفي الثانية الى الطفل، من خلال تجسيد نظرة الصخور في لغة من الصمت الجليل، وتجسيد نظرة العيون في لغة من القلب. وفي العبارة التي تليها، يجري المقارنة نفسها بين الجبل والطفل:
-قلب الطفل: أهو كمثرى الدم أم العروق التي يغذيها الدم بانفعالات الجسد؟
-قلب الجبل: سر صخوره، وكائناته المرئية أو غير المرئية. . قلبان. .
ولكنه يعود في مكان آخر، ليؤكد عكس ما ذهب اليه في المشاهد السابقة، من خلال وصف الطفل بالجبل، وهو يقول: (لم يكن الجبل الطفل مجرد جار أو صديق. .). أو كما يقول في عبارة أخرى: (لون الجبل الحقيقي لون قلبه. . لون طفولته. .
معبرا في هاتين العبارتين، وعلى غرارهما جملة من العبارات، عن شعور الطفل في توحده مع الجبل، وبعبارة أوضح، أن يكتسب صفاته، ويمسي مثله قويا متماسكا على تحمل المحن والمصائب، وقادرا على تجاوزها.
بقدر ما تحاول هذه المشاهد، نعت المحاسن التي يتحلى بها الجبل والطفل، إرتباطا الأخير بتأدية الواجبات الملقاة على عاتقه، بالقدر ذاته لا تتعرض لما هو مطلوب من الجبل، ذلك لأنه كما يقول السارد: (لا يحتاج الى وسيلة لعيشه أو بقائه، بعكس الطفل الذي عليه أن يتأكد بأن الأمان والإختباء كذبتان صنعهما هو بنفسه).
قد يكون الجبل والطفل صديقان، وصداقتهما قائمة على البراءة، ولكنها غير مبنية على التكافؤ، بدليل ما هو مطلوب من الطفل، غير مطلوب من الجبل، وهذا الخلل في التوازن بينهما، مثلما يقترن بالشق الأول للفقرة الآنفة الذكر، كذلك يقترن بالشق الثاني منها. وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على غموض العلاقة القائمة بين بارق ومريم، لا على أساس علاقة الحب القائمة بينهما، وإنما على أساس إختلاف المذهب الديني، شأنها شأن العلاقة الغامضة بينه وبين شقيقه، وبينه وبين المجنونة.
*الغموض والفكر الفلسفي:
يبدو لي أن هذه الرواية، بالرغم من أنها تقع في مائتين وخمسين صفحة، إلا أنها، لمحدودية شخصياتها، وعدم تصديها لأكثر من حدث، فضلا عن لغتها المقتضبة؛ حدت بها الأسباب الثلاثة لأن تنضوي تحت لواء القصة الطويلة، باعتبار أن الأحداث الثانوية والهامشية التي تجري فيها، غير منفصلة عن الحدث الرئيس، وهي جزء منه، وتخرج من معطفه الدائر في علاقة الشخصية المحورية بالجبل والمجنونة والنهر وبهار ومريم والحصان والأشجار والطيور وشقيقه أحمد ووالده. . والأب يوسف. . و. . و. . ما دفع السارد الموضوعي الذي ينوب المؤلف في سرد الأحداث، أن يتخذ من هذا الأسلوب القائم على الغموض والفكر الفلسفي، نهجا للاستهلال بشكل خاص والنص عموما.
إن (الغموض) بمعناه الفلسفي، لا يؤدي الى عدم الفهم، بل بالعكس يفضي الى الوضوح، والنهايات المفتوحة، وتأويلها على عدة إتجاهات؛ وأهميته تكمن في عدم قدرة كل الروائيين، ما عدا النزر اليسير منهم، خوض هذه التجربة العسيرة، ذلك أن الإقدام عليها ليس هينا، ومغامرة، قد تفضي الى الفشل الذريع، ذلك أنها بحاجة الى تجربة طويلة وجهد ذهني ومعرفي كبيرين، ولكن هذا لا يقلل من شأن منحى التوجه القائم على أسلوب السهل الممتنع، فلكل منهما ميزاته الخاصة به، وفي الوقت نفسه، مريدوه.
وأمجد توفيق هو واحد من الروائيين العراقيين الذين أرتآى أن يتبع هذا النهج، ليس في روايته الرابعة هذه التي أتصدى لها فحسب، وإنما في الروايات الثلاث الأخريات أيضا: ينال، الظلال الطويلة، والساخر العظيم، وهو على ذلك يحدد مسار أسلوبه الروائي، ويرسم معالم وأبعاد هويته المبصومة بهذا الأسلوب الذي يتفرد به، ويعرف من خلاله، مثله مثل الروائيين المعروفين على نطاق واسع.
لذا ليس من باب المغالاة أقول، أنني بعد اطلاعي على أربع رواياته، وتعرضي لها، من مجموع الروايات الست التي كتبها أو أية رواية أخرى قد يكتبها لاحقا؛ بوسعي التعرف على مؤلفها، بدون الإشارة الى أسمه على غلافها.
في العبارة التي يطلقها الأب يوسف المتكونة من كلمتين، وهما: (يا رب. . الخلاص)، يأتي الفصل الموسوم ب (الحوار) الى نهايته، وكما هو بيّن، تدل على استياء الأب يوسف من العلاقة القائمة بين بارق وأبنته، مع أنه هو الذي طلب منها اللقاء به في الكوخ الذي شيده والده في بستانه، إيفاء للعهد الذي قطعه مع والده في حمايته، ودرء المخاطر عنه؛ ظنا منه أن رأس الفتى أثقل بكثير من جسده، أثر اطلاعه على كيفية وطريقة تفكيره.
في هذا الفصل، كما في معظم الفصول، يسعى السارد الى بث نوع من الغموض في الجو العام للرواية، سواء كان ذلك في أحداثها أو شخصياتها، عبر التحول المباغت الذي يطرأ عليهما، كما في موقف الأب يوسف المتعاطف مع بارق في البداية، والمناهض له في النهاية، وكذلك في موقف الأب المعارض لأبنه ركوب الحصان، والعيش لوحده، ثم قبوله بذلك.
إن هذا الغموض لا يأتي إعتباطا، أو رغبة من السارد لبثه، بقدر ما يأتي، وهو محمّل بالمسوغات التي تؤكد ضرورة وجوده، أو أن المسوغات هي التي تدفعه لتواجده، بدليل أن العقيقة الحمراء التي أهدتها المجنونة لبارق، هي التي دفعت والده لأن يسمح له في إصطحاب الحصان معه الى كوخ البستان، بوصفها تعويذة، كما أن الوعد الذي قطعه الأب يوسف مع والد بارق لحمايته، علاوة على حكاية مصرع بهار على يد أهلها التي سمعها من بارق، جعله كلا الأمرين متعاطفا معه، أو هكذا يبدو، ولكن هذا في الظاهر لشخصية الأب يوسف، أما المعنى الكامن وراء الكلمات التي يطلقها في حواره مع بارق، هذا ما يخفيه السارد على المتلقي، ليكمن هنا الجانب المظلم في شخصيته، ويكتنفها الغموض.
بمنآى عن الحوار القائم بين الرجلين وطبيعته، فإن تفكير الرجل العقائدي والمؤمن، يختلف كليا عن تفكير شاب يسعى الى التمرد والحرية، ولا سيما إذا كان هذا الشاب من غير دينه. لذا فمن الصعب جدا أن يلتقي مثل هذين التفكيرين حتى في أبسط أمور الحياة. فكيف إذن في أعقدها، وهي سماح الكنيسة للفتاة المسيحية الزواج بشاب مسلم، وبالأخص إذا كانت أبنة قسيس؟!
وهنا يطرح هذا السؤال نفسه بإلحاح: ترى هل أن الأب يوسف كان من السذاجة، بحيث لم يفكر بالمعضلة التي ستواجهه، عندما أعطى وعدا لوالد بارق في حماية أبنه ورعايته كما لو كان ابنه؟! ثم أنىّ منح الثقة بشاب يعيش وحده في كوخ، ليبعث أبنته اللقاء به؟!
إن الإختلاف القائم بينهما، هو أن بارق يتحدث عن أمور غير موجودة في قاموس الأب يوسف، لا بل يبغضها، كمصرع بهار، والأحلام التي يراها في منامه وتتحقق في اليوم التالي، ويحاول: ( ألا تكون الطاقة أسيرة احلامه، وأن يخضعها لإرادته)، بينما يقرن الأب يوسف كل ما يجري في الحياة بأمر من الرب. وبعبارة أوضح، أن الأول يجنح نحو الحرب، والثاني نحو السلم.
ولعل طرح الأب يوسف هذين السؤالين على بارق، يؤكدان أنه كان على خطإ، عندما أتفق مع والد بارق على رعايته والإهتمام به، كما أنهما يدلان على عدم رضاه ورفضه للعلاقة القائمة بينه وبين أبنته وزواجهما. وهذان السؤالان هما:
-هل استطيع معرفة الفترة التي ستقضيها في البستان قبل عودتك الى الأهل؟
-هل لي أن أطلب منك إبلاغنا بالموعد قبل أن نفاجيء بغيابك؟
ولكن هذين السؤالين، يطرحهما الأب يوسف بعد فوات الأوان، حيث كان العاشقان قد قطعا شوطا بعيدا في علاقتهما التي لا تنتهي إلآ بالزواج، ليبرهن بارق ليس في مرحلة الطفولة أنه جبل، بل في مرحلتي الصبا والفتى أيضا، هو كذلك. .
*قراءة العنوان من منظورين مختلفين:
ما اللغز القائم بين الجبل والطفل، بحيث تسود لغة من الصمت الجليل بينهما؟!
وهل للجبل عواطف وحواس وإنفعالات، لكي يجعل من الطفل شقيقه، وينجذب اليه ويتعاطف معه؟!
أم أن المسألة معكوسة، فالطفل هو كذلك، وليس الجبل، لأن الجبل عديم الحركة، والطفل هو الذي يقوم بزيارته.
ويمكن قراءة هذا التجاذب من وجهة نظر ثانية، وهي أن الكائنات الحية التي تعيش في كنف الجبل هي التي تنجذب الى الطفل، وليس الجبل، سواء كانت هذه الكائنات تنتمي الى صنف البشر أو الحيوانات أو النباتات، وكما يقول السارد: (يقرر الشقيق الجبل توديع شقيقه، ويقرر الشقيق الطفل أن يحتفظ بالجبل ويدخله معه الى الغرفة المحتفية بالمدفأة.). في إشارة واضحة الى الحلم بالجبل، وإن شئنا التأويل، (الجمال) سواء كان جمال الطبيعة، أو جمال مريم، والتخيل في قدرته على إدخال الجبل من باب الغرفة الضيق الذي لا يتسع للجبل، ليأخذ معه قسطا من الدفء.
ترى لماذا يبدي الطفل هذا الإهتمام بالجبل، ويتعامل معه ليس كصديق فقط، بل أحيانا كما لو كان حبيبته؟!
هل لأنه منبهر بسحره وجماله الدائمين الإخضرار؟ أم لأنه مثله، يجمع بين نقيضين، وهما البراءة والتمرد؟ البراءة في حبه للأشياء الجميلة؛ والتمرد في عصيانه على القرية التي يعيش فيها مع والديه وشقيقه، ما عدا المجنونة، وإنجذابه الى الطبيعة، حيث يسمو الجبل فيها شامخا بقامته، والسهول تمتد في فضاء مديد وواسع لا نهاية له، ليصادق في الأول الأفعى وصغارها، وفي الثاني بهار ومريم. أم لأن الجبل هو رمز للفتاتين اللتين أحبهما؟ تحديدا مريم، ذلك أنه أحب صوت بهار فقط، بينما أحب مريم جمالها.
*التمرد:
تتوزع حركة الشخصية المحورية في منحيين، منحى التمرد في الداخل، ومنحى الإنجذاب في الخارج. في الداخل من خلال: (عالمه العزيز العجيب الذي سحبه من البيت. . من علاقة غير مفهومة مع أخيه).
والثاني عبر: (إمتلاء الصبي بنفسه، ولأنه كذلك، فإنه قادر على سماع نداءات خاصة لا يدركها غيره.). ولكن هذا التمرد لم يبلغ حد القطيعة بينه وبين القرية، وكانت المجنونة والحصان، هما الدافعان الوحيدان لإرخاء حبل التمرد، بينما كان سحر الطبيعة، وفتنة وجمال مريم، هما اللذان دفعاه للإستقرار في الوادي الذي يطل عليه الجبل، حيث تسكن مريم مع والدها (الأب يوسف).
ولو أجرينا وجه المقارنة بين نزعة التمرد، ونزعة (الإنجذاب)، أو (الإستقرار) ، لا فرق بينهما، لوجدنا أن عنوان الرواية الذي هو (طفولة جبل) يقابله، وجه المجنونة، وعينا الحصان تقابلان فتنة وجمال مريم. الجبل والمجنونة، عبر جنونهما، ومريم من خلال جنونها بعيني الحصان، بعكس بهار التي كانت تخاف منهما. تقابل طفولة جبل، وجه المجنونة، لأن الجبل منح الطفل مريم والأفعى، ومنحته المجنونة العقيق الأحمر وأوراق الشجرة الخضراء.
وعلى ذلك، ومن خلال منظور زاوية الطفل، فإن الجبل والمجنونة وجهان لعملة واحدة، ومثلهما الحصان ومريم. وإذا كانا كذلك، وبهذا القدر من التماهي، فهذا يعني أن الطفل لم يتمرد إلآ من أجل مريم الرامزة الى المكان الذي يحتضنها وهو (الجبل)، ولم يرخ حبل التمرد ألآ من أجل المجنونة والحصان.
معظم شخصيات الرواية، تنزع الى التمرد والهروب من واقعها ومعتقداتها، إبتداء من بارق، مرورا بشخصيتي بهار ومريم، وإنتهاء بالأب يوسف. يبدأ تمرد الطفل بارق من لحظة إسناد ظهره الى جدار الطين، وهو ينظر الى شجرة التوت العملاقة التي تشمخ في بيت المجنونة، أي من مطلع الرواية تحديدا، ولا يفكر إلآ في الأمطار التي تغسلها، والطيور التي تضج بين أغصانها. ولكن هذا لا يعني برغم توجسه من المجنونة، لكونها بالنسبة اليه حلم غامض، أن الأشجار والطيور سرقتها منه، بل بالعكس، سعيه لفهم ما يشاع عنها، هو الذي جذبه اليها.
ولعل بلوغه الى قناعة بأنها على عكس ذلك، زائدا حفنة من الزبيب التي داستها في راحة يده، ومع شعوره بأنها قالت له: (أنك تحب طيوري وشجرتي)، جعله كل هذا، أن يدخل بيته وكأنه يمشي على سجادة من حلم، وبالتأويل أن يتمرد على كل شيء، حتى على تناول الطعام مع شقيقه، لأنه أرتوى من لوز وزبيب المجنونة، ولأنه وجد فيها من المصداقية التي يفتقر اليها كل سكان القرية، بما فيهم شقيقه الذي طفق يضربه، لأنه لا يشاركه الأكل:
-كل حبة من اللوز تجعله يتحمل لكمة.
-كل ورقة خضراء، تجعله يتحمل الغضب والجنون.
-كل طير مغرد يجعله قادرا على تحمل سوء الفهم. ليشعر للمرة الأولى بطعم الإنتصار. . بطعم أن يكون للمرء شيء خاص.
إذن أن من قاده الى التمرد، ليس إمتلائه بنفسه فقط، وإنما المجنونة بمصداقيتها وطيورها وأشجارها، والهدايا التي قدمتها له، فضلا عن ذكائها، وشقيقه بالتجاوز عليه ضربا، وغبائه. أي من خلال شيئين متناقضين مع بعضهما في فهمه له، وتصرفهما معه، حضّاه لأن ينطلق الى آفاق أرحب، لإكتشاف المزيد من أسرار هذا الكون الغامض.
وكان النهر محطته الثانية، للصداقة معه، لأنه أمسى بعد اللقاء بالمجنونة، أكثر قدرة على الثقة بنفسه، للإحتكاكبالأشياء التي كان يحلم بها، ويتوجس منها في الوقت نفسه.
أقام هذه الصداقة مع النهر، ليس ليتحدث معه ويستمتع بمائه فحسب، وهو يغوص بقدميه فيه حد الركبتين، بل ليتعرف على الكائنات الحية وغير الحية التي تعيش فيه، علاوة على رسم الحروف المنقطة التي كان يعاني في إيجاد الحلول لها، لأنها: (تقطع الإنسيابية أو الإيقاع الذي ترسمه قدماه.). ولكنه مثلما أستطاع أن يتجاوز توجسه في دخول بيت المجنونة، ومثلما أستطاع أن يتحدى ضربات شقيقه، وينتصر عليه، كذلك فقد أستطاع بتحديه لهذه المشكلة، أن يعلن عن إنتصاره عليها، ليعيد الحروف المنقطة التي يرسمها في ماء النهر بقدميه الى أنسيابيتها وإيقاعها المنتظم.
ولتحقيق حلمه اللقاء بالجبل والنهر، يرسم هاتين المفردتين، ويحاول الجمع بين الحرفين اللذين يأتيان في بداية كل مفردة منهما، وهما اللام والنون، ليشكل منهما كلمتي (لن) و (نل)، بقصد، كما يقول السارد: (نفي كل ما من شأنه التأثير على الصفاء. .أنه يبغي المتعة لنفسه. . ويتمنى أن يأمر أو يطلب من الآخرين نيلها أيضا.).
وهاتان الكلمتان بقدر ما هما في تضاد مع بعضهما، بالقدر ذاته يمنحان المعنى نفسه. في تضاد مع بعضهما، في حالة التراجع والإندفاع، أو الجبن والشجاعة، والمعنى ذاته في حالة الإقدام والإصرار، وهنا أقرب الى الحالة الثانية منها الى الأولى، لأن حرف اللام في الجبل وحرف النون في النهر ينقلبان الى حرف الحاء الذي يرمز الى الحرب، ذلك أن بارق قرر الدفاع عن بهار المخضبة بجروحها، حيث حاول أهلها قتلها، لأنهم أتهموها بجلب العار لهم، بسبب حبها للوحدة، وغنائها كل يوم، وتحب الجبل مثله.
أتخذ هذا القرار، لأنه يحب الجمال، وما عليه إلآ الدفاع عنه. أما الغول الهائج المعربد، كما يقول السارد: (يبدأ بحرف الحاء فإنه لا ينتمي للحياة، لا ينتمي للحب والإخلاص.).
*المكان:
والمكان هنا أهم ما في الرواية، ويشغل رقعة الفجوات التي تركتها التقنات، متمثلا في الخارج بالجبل والكنيسة والنهر وبيت بهار وكوخ بارق، وفي الداخل؛ بيت المجنونة وبيت أبيه. فالجبل علّم الطفل على الصمت، وقاده الى صداقة الكائنات الحية وغير الحية، والكنيسة الى المساواة بين البشر، بالرغم من إختلاف أديانهم، والنهر الى الحفاظ على حياة الكائنات التي تعيش فيه، وبيت بهار الى رحاب الحرية المديد، من خلال كتم صوت بهار الصادح وخنقه، وبيت المجنونة الى الراحة تحت ظل شجرة التوت والتأمل، والحوار مع نفسه.
ولعل هذا الإستنتاج يقودنا الى أن نتساءل : ترى لماذا عنوان الرواية أقترن بالجبل وليس بالطفل، مع أن الأخير هو الشخصية المحورية لأحداثها؟!
وبعبارة أخرى: هل أن للجبل طفولة؟ أم أن الطفل هو الجبل؟!
يبدو لي أن مرد ذلك، يعود بالدرجة الرئيسية ما عدا كونهما متشابهين، حد التماهي؛ أن ربط الطفولة بالجبل، تمنح الطفل بعدين، أولهما أن هذه المفردة تنسحب اليه، ليمسي هو الآخر مثله جبلا، بوصفه صنوا له، وثانيهما بالرغم من أنهما صديقان، لكن لكل واحد منهما إهتماماته. فإذا كان الجبل يميل الى الإستمتاع بحياته، فإن الطفل يمنح حياته أهتماما أكبر من إهتمامه بفكرته عنها. ذلك أنه أنكر سنوات عمره، وهذا يعني أن الطفل يسعى الى إيجاد الحلول للصعوبات التي تواجهه في حياته، ويبذل جهودا كبيرة في ذلك، بينما الجبل لأنه لا يواجه مثل هذه الصعوبات، لذا فإنه يعيش مستمتعا في حياته.
*الحلم:
لأن الصبي ممتلئ بنفسه. والجبل والحصان والمجنونة ومريم، حلم غامض، وإتساقا مع عدم قدرته على إستيعابما يدور حوله، وما تراوده من أفكار ورؤى غريبة؛ فاضت الرواية بالأحلام، وتكررت فيها ست مرات.
يوحي الحلم الأول الى التسامح الذي يتحلى به الفتى بارق، لأنه بعد إستيقاظه من نومه: (يشعر بالندم أو الرغبة في الإعتذار عن حلم يسيء الى أخيه، عبر إحساسه أنه يستحق الألم ونزف الدم).
أما حمايته من قبل المجنونة، لئلا يلحق أخيه به أذى، فهو بغض النظر: (عن شعوره أكبر من ان تجعله خائفا من أخيه)، كما يقول السارد؛ ينطوي على أكثر من دلالة، كأن تحبه كما لوكان أبنها، ولربما أيضا كما لوكان حبيبها، وها هو قلب أم بارق يوحي لها، ليس بوجود علاقة ما تربط أبنها بالمجنونة فحسب، وإنما أيضا كما تقول: (أصبحت هادئة، لا أصوات أو مشاجرات، والأهم أنها تحييني بخجل كفتاة مراهقة، وكأن ثمة رجاء أو أستفسار ترغب فيه وتفشل في النطق به.)، في إيحاء الى تمنيها الزواج ببارق.
و في الحلم الثاني الذي تسعى فيه مريم البحث عن بارق، تراه بالعكس هو الذي يطاردها، وقد جلس في الكنيسة يبكي بحرقة، إشارة واضحة الى خوفها، لدياناتهما المختلفة، أن يرفضها، أو أن يقف هذا الإختلاف حاجزا في طريق زواجهما، مع أنها تعرف أنه بحاجة الى نصائح، لأنه جاء للسكن في كوخ مزرعة والده، سعيا لإيجاد نفسه. لذا حين تتقدم نحوه، يتحول الى طائر ويخرج من الكنيسة، والأغرب يقف على الصليب، وهذه الإشارة هي على نقيض الإشارة الأولى، وقد توحي الى زواجه بمريم المسيحية. ولكن أن ينتهي الحلم بالخوف الذي بدأ فيه، أي أن ينتهي هذا المشهد بالحدث الذي بدأ فيه، بشكل دائري، عبر نزع الطير ريشة ملونة بمنقاره، وعدم العثور عليها من قبل مريم؛ يوحي الى أنه بالرغم من حبهما لبعضهما البعض، إلآ أن عائق الدين قد يحرمهما من العيش المشترك تحت سقف واحد.
نهاية الرواية تباغت المتلقي، بوصفها تقترن، ليس بعكس ما تحلم به مريم فقط، وذلك بزواجهما، بل أيضا بعكس ما هو معروف في السرد الروائي، بأن الحلم هو المفتاح المخبّر بشكل غير مباشر، لما تؤول اليها في ختامها:
(صهل الحصان الأبيض. . فتحت مريم عينيها. . كانت ذراعا بارق مفتوحتين. .اليمنى لإستقبالها، واليسرى. . تؤشر الإتجاه. . آن للحصان أن ينطلق).
كما في الحلم الأول يندم بارق بالإساءة الى أخيه، كذلك يندم لما حدث في الحلم الثالث من إعتداء قام به ضد الأفعى وصغارها، وذلك من خلال سقوط صخرة كبيرة من الجبل على الموقع الذي تسكنه، وتصوره أنه أستهدفها، مع أنه كان يحلم بأنقاذها وصغارها. وإذا كان هذا الحلم يتفق مع الحلم الأول من حيث الندم، غير أنه يختلف معه في نهاية الرواية، إذ يقترن بارق بمريم، أو هذا ما يوحي اليه، في أول لقائهما ببعضهما، من خلال الحوار الدائر بينهما، وتحديدا هذه العبارة التي لا تتعدى ست كلمات: (نظرت مريم الى بارق، فأحس بومضة سريعة)..
أما حلم رقصة العقيق الأحمر الذي رآه بارق في الليلة التي نام فيها مع شقيقه أحمد في بيت الأب يوسف، حيث يتعرى فيه الرجال والنساء عن ملابسهم، يرقصون ويمارسون الجنس، قابل للتأويل في أتجاهين أثنين، يرتبطان بالمجنونة تحديدا، التأويل الأول لمطاردة الأحلام التي تترآى لبارق، من خلال إهداء المجنونة له، عقيقة حمراء، بوصفها تعويذة تبعد الرؤى المزعجة عنه: (عندما غادر بارق سمع ضجة الطيور، فأبتسم وقرر أن يتوجه الى حظيرة حصان أبيه)، في إيماءة الى تحقيق أمنيته في ترويض الحصان والإنطلاق الى الفضاء الرحب. والتأويل الثاني، هو تشبيهه للمرأة التي حكت حكاية كرة الدبابيس والتي مارست الجنس معه وسط الحلقة أمام أنظار الجميع؛ بالمرأة المجنونة: (وشرع يرقص رقصة فيها من الحزن قدر الفرح، وفيها من حركات الطيور قدر تحملها من سلوك الأفاعي. . كان يرقص والمرأة تطوقه بنظراتها وأطرافها وجسدها. . في اللحظة التي أنفجر فيها الجسدان، قالت المرأة: إنها رقصة العقيق الأحمر. حيث ترد عبارتان في هذه الفقرة تخص المجنونة وهما: (حركات الطيور) و: (العقيق الأحمر).
أخبار قد تهمك
العراق أمام ضغط مالي.. 10 تريليونات دينار التزامات شهرية
آبل تغيّر قواعد متجر التطبيقات في أوروبا وتفرض عمولة 5% خارج App Store
ريان كوندال يودّع عالم «Game of Thrones» بعد الموسم الرابع
النفط قرب 92 دولاراً.. ومضيق هرمز يربك الأسواق
اكتشاف جديد يغيّر فهم العلماء لدواء الميتفورمين ودوره في الدماغ
18.9 مليار يورو فاتورة إضافية.. ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الأسر الأوروبية
آسيا تعيد حساباتها الدفاعية بعد تحركات ترامب تجاه كوريا الشمالية
اتفاقية للتبادل العلمي.. شراكة أكاديمية تجمع جامعة كربلاء بجامعة “أوفيدو” الإسبانية
زراعة كربلاء توزع 100 قطعة أرض زراعية على المتفرغين كدفعة أولى
الكهرباء العراقية تستعد لخطة 2027.. محطات جديدة وتوسعة للشبكات
500 مليار دينار لقروض الإسكان.. تمويل جديد يفتح باب الأمل أمام 10 آلاف عراقي




