بعد فاجعة الدورة.. البرلمان يفتح ملف العشوائيات وتفتيت الأراضي في بغداد

المستقلة/- أعادت حادثة منطقة الدورة جنوبي بغداد ملف العشوائيات وتفتيت الأراضي الزراعية والاعتداءات على القوات الأمنية والملاكات البلدية إلى واجهة الاهتمام النيابي والسياسي، بعد سقوط ضابط ومنتسب أمنيين خلال تنفيذ واجب لإزالة التجاوزات.

الحادثة أثارت موجة غضب داخل مجلس النواب، خصوصاً مع خطورة تحول بعض عمليات إزالة التجاوزات إلى مواجهات تهدد حياة القوات الأمنية والموظفين المكلفين بتنفيذ القانون.

تحقيق ومحاسبة

مجلس النواب صوّت على القرار النيابي رقم 54 لسنة 2026، متضمناً تشكيل لجنة تحقيقية عليا للتحقيق في ملابسات الحادثة وتحديد المسؤوليات والمقصرين، مع إلزام الجهات الأمنية والتنفيذية بتقديم الوثائق والمعلومات اللازمة.

كما كُلّفت لجنة الأمن والدفاع النيابية بمتابعة الملف ميدانياً وإدارياً، في خطوة تعكس حجم الاهتمام البرلماني بالحادثة وتداعياتها.

النائب يوسف الكلابي أكد وجود توجيهات بمحاسبة المقصرين وإنزال أشد العقوبات بحق المتسببين، بالتزامن مع فتح ملف تفتيت الأراضي الزراعية وملاحقة الجهات المتورطة في تقسيمها وبيعها خارج الأطر القانونية.

العشوائيات.. أزمة أكبر من مجرد تجاوز

المشكلة لا تتوقف عند الاعتداء الأخير، فالعشوائيات في بغداد تحولت خلال السنوات الماضية إلى ملف معقد تتداخل فيه عوامل اقتصادية واجتماعية وقانونية.

ويرى النائب عبد الحمزة الخفاجي أن غياب السياسات المنظمة لتوزيع الأراضي السكنية، إلى جانب استغلال بعض الجهات النافذة لمساحات واسعة من الأراضي الزراعية وتفتيتها، أسهما في توسع المناطق غير النظامية.

وفي المقابل، فإن لجوء آلاف العائلات إلى السكن العشوائي يرتبط أيضاً بارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وغياب البدائل السكنية المناسبة، ما يجعل معالجة الظاهرة بحاجة إلى حلول تتجاوز عمليات الإزالة وحدها.

بين هيبة القانون وحق المواطن

الملف يضع الحكومة أمام معادلة صعبة: كيف تحافظ على هيبة القانون وتمنع التجاوز على أراضي الدولة، وفي الوقت نفسه توفر حلولاً واقعية للعائلات التي لا تملك سكناً؟

النائب محمد قتيبة شدد على أن حق المواطن في السكن لا يمكن أن يكون مبرراً للاعتداء على القوات الأمنية أو عرقلة عمل المؤسسات الحكومية، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى عدم الاكتفاء بالإزالة القسرية، وطرح بدائل سكنية أو آليات تمليك ميسرة للعائلات المستحقة.

معركة ضد شبكات الأراضي

الخطوة الأهم في معالجة الملف قد لا تكون في إزالة التجاوزات فقط، وإنما في الوصول إلى الجهات التي تقف خلف عمليات تفتيت الأراضي وتسويقها وبيعها للمواطنين.

فالمواطن الذي يشتري قطعة أرض بشكل غير قانوني قد يكون في نهاية السلسلة، بينما تستفيد من هذه الفوضى شبكات منظمة تحقق أرباحاً كبيرة من بيع الأراضي الزراعية وتحويلها إلى تجمعات سكنية غير مخططة.

ولهذا فإن نجاح التحقيقات لن يقاس فقط بعدد المعتقلين أو الأراضي التي تتم إزالتها، وإنما بمدى قدرة الدولة على تفكيك الشبكات التي تقف وراء تجارة الأراضي غير القانونية وتجفيف مصادر تمويلها ومحاسبة المتنفذين الذين يوفرون لها الحماية.

بغداد أمام اختبار حقيقي

حادثة الدورة كشفت أن أزمة العشوائيات لم تعد مجرد مشكلة تنظيمية أو خدمية، بل أصبحت قضية تمس الأمن وهيبة الدولة وحقوق المواطنين في آن واحد.

وبينما ينتظر الشارع نتائج التحقيق ومحاسبة المتسببين بمقتل عناصر الأمن، يبقى الحل الدائم مرتبطاً بثلاثة مسارات متوازية: فرض القانون، ضرب شبكات المتاجرة بالأراضي، وتوفير بدائل سكنية حقيقية للمواطنين.

فإزالة العشوائيات دون معالجة أسباب نشوئها قد تعيد إنتاج المشكلة، والتساهل مع التجاوزات قد يفتح الباب أمام فوضى أكبر، أما الحل الحقيقي فيبدأ عندما تكون الدولة قادرة على حماية موظفيها ومؤسساتها، وفي الوقت ذاته تمنح المواطن طريقاً قانونياً وميسراً للحصول على السكن.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى