المنظمة العربية لحقوق الانسان تصدر احدث تقاريرها عن “حالة حقوق الإنسان في الوطن العربي”

(المستقلة)/ القاهرة- وليد الرمالي/..أصدرت المنظمة العربية لحقوق الإنسان يوم السبت 18 فبراير/شباط 2017 تقريرها السنوي الثلاثين بعنوان “حالة حقوق الإنسان في الوطن العربي” والذي يغطي الفترة من منتصف العام 2015 إلى نهاية ديسمبر/كانون أول 2016.
يتناول التقرير بالعرض والتحليل تطورات حقوق الإنسان في المنطقة العربية في جوانبها السياسية والميدانية والتشريعية والممارسات والتوجهات، وذلك من خلال قسمين، يضم القسم الأول مقدمة تحليلية تفصيلية ترصد تطورات وتحولات مسار حقوق الإنسان في مجمل المنطقة، وتهتم بفحص تدهور حقوق الإنسان بصورة هائلة في سياق ميادين النزاعات المسلحة الداخلية والاحتلال الأجنبي للأراضي العربية، وتجري قراءة في مشهد الإرهاب وتطوراته وتحولاته والتوقعات المرتبطة بالأسئلة التي يطرحها تحدي الإرهاب وجهود مكافحته في المرحلة الراهنة.
ويهتم التقرير في قسمه الأول بدراسة وتقييم التوجهات العامة التي حكمت التطورات خلال الفترة التي يغطيها التقرير، والتعبير عن القواسم المشتركة التي تجمع سياسات الحكومات والفاعلين السياسيين المتنوعين، وحجم تأثيراتها السلبية على وضعسة حقوق الإنسان في بلدان المنطقة فرادى ومجتمعة.
كما يتناول القسم الثاني تقارير البلدان الي تشمل رصداً لحالة حقوق الإنسان في 21 بلداً عربياً، تشمل: الأردن – الإمارات – البحرين – تونس – الجزائر – جيبوتي – السعودية – السودان – سوريا – الصومال – العراق – سلطنة عُمان – فلسطين – قطر – الكويت – لبنان – ليبيا – مصر – المغرب – موريتانيا – اليمن.
ويهتم التقرير بتقييم وضعية حقوق الإنسان في كل بلد من خلال رصد تطورات في مجال حماية الحقوق الأساسية (الحياة – الحرية والآمان الشخصي – المحاكمة العادلة – معاملة السجناء والمحتجزين)، وفي مجال حماية الحريات العامة (الرأي والتعبير – التجمع السلمي – تكوين الجمعيات – المشاركة في الشئون العامة)، مع التدليل على التقييمات والتوجهات بعرض بعض من الوقائع الموثقة الدالة على صحة التحليل.
ويعبر التقرير عن القلق الخاص بوضعية المدافعين عن حقوق الإنسان والذين أضحوا هدفاً رئيساً لمختلف الفاعلين السياسيين، وهذا القلق لا ينفصم عن التضييق على المجتمع المدني وتضييق المجال العام من خلال تقييد مجمل الحريات العامة والتحكم في هوامش الحركة.

وتعمل المنظمة حالياً على ترجمة التقرير لإتاحته باللغة الإنكليزية في غضون الأسابيع القليلة المقبلة. وكذلك لترتيب ندوة إقليمية لعرض ومناقشة التقرير واستنتاجاته عقب الانتهاء من الترجمة والنشر
الجدير بالذكر ان التقرير اكد بين سطوره ان العام 2016 ناقض التوقعات التي حملها الربع الأخير من العام 2015، إذ لم يضع التدخل العسكري المباشر للقوى الكبرى في سوريا النازفة حدًا لإراقة الدماء، بل استحال المشهد لهيبًا فوق لهيب.
ولم يمثل اتفاق “الصخيرات” الموقع بين الفرقاء الليبيين برعاية أممية مقدمة لنهاية للفوضى التي ما لبثت أن تعمقت وضاعفت وتيرة التشرذم.
وتراجعت الآمال في أن يكون للقتال أو للمفاوضات دور في إنهاء مراسم تدمير ما تبقى من اليمن المتهالك.
وبينما تمدد إرهاب “داعش” في العراق في بضعة أيام منتصف 2014، لم يكن بوسع حكومة العراق سوى التقدم ببطء في مواجهته، ولم يأت هذاتأت التقدم البطيء بمعزل عن وتيرة جديدة من تفشي الجرائم المذهبية التي لم تقل في وحشيتها ولا في قسوتها عما ارتكبه التنظيم الإرهابي.
وبعد عقود من نزاعات مسلحة أهلية مريرة بقي السودان والصومال يراوحان مكانهما، ولا يزال من غير الممكن حصر الضحايا فيهما ولا رصد الآثار المخيفة على مستقبل البلدين في ظل التخبط السياسي.
وفي كل من مصر وتونس اللتين نجيتا من عاصفة التلاعب الدولي والإقليمي بثورتيهما أدت تحديات الإرهاب المقرونة بالاشتراطات الاقتصادية الدولية إلى تراجع التطلعات، ولا تزال الطموحات الشعبية المدعمة بالاستحقاقات الدستورية بعيدة المنال.
وتوارت القضية الفلسطينية خلف كل هذا الضباب في مرحلة يتمتع فيها الاحتلال الإسرائيلي بغطاء توفره الاضطرابات الواسعة في الإقليم، والانشغال العربي العميق بالقضايا الذاتية في كل بلد، بالإضافة إلى غلبة الصراع المذهبي على فلسفة بعض نظم الحكم في المنطقة، ولم يعد للعمل الرسمي العربي تأثير يُذكر في الملف الفلسطيني سوى بالتصريحات ذات الطابع الروتيني، على نحو بات يُغري الإدارة الأمريكية الجديدة 2017 بإتمام مؤامرة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس العربية المحتلة.
وبينما شهدت الفترة التي يتناولها التقرير تقدمًا ملحوظًا في مشاركة المرأة على الأصعدة السياسية بصفة خاصة، إلا أن هذا التقدم لا ينبيء بتوافر الإرادة السياسية الجادة بقدر ما يشي بالحاجة إلى دعم شعبي لنظم الحكم في مرحلة تحولات عاصفة.
وفي ظل هذا الاضطراب الإقليمي الواسع والمعقد والمتراكب والمخاوف من الخرائط المتغيرة بين لحظة وأخرى لم يخل بلد عربي واحد من التضرر بالنزاعات وإفرازاتها أو على أقل تقدير بالإرهاب، فإن لم يكن البلد قد تعرض لجرائم الإرهاب بشكل ملموس، فقد تحرك أمنيًا وقضائيًا للوقاية منه، وفي غضون هذا التحرك لم تأل المؤسسات الأمنية جهدًا لخلط المعارضة السياسية بالإرهاب وربط الجمل القصيرة بالجرائم الإلكترونية.
ويهتم التقرير بالتحولات التي تشهدها خريطة التنظيمات الإرهابية الفاعلة في المنطقة، لما لها من أثر بالغ على تحولات الخرائط السياسية بين يوم وآخر، واستخدام تدابير مكافحتها كذريعة لتبرير خنق الحريات العامة بدلاً من تعزيز البُنى المجتمعية وتنمية مقومات الدولة المدنية للتغلب عليها.
وكما درجت العادة في المنطقة العربية كانت حقوق الإنسان -واقعًا وضمانات- الضحية الأسهل لاعتبارات حفظ الأمن والاستقرار ومزاعم دوران عجلة الاقتصاد ولو بأي وتيرة كانت، وكأن الدوائر الرسمية لم تع بعد دروس هذه الحقبة القاتمة.
من أسوأ ما طبع الفترة التي يغطيها التقرير تقدم فئة الحقوقيين العرب إلى صفوف الفئات المستهدفة بالجرائم، فعلى تفاوت بين بلد وآخر كان الحقوقيون ضحايا للقتل والاختطاف والملاحقات الأمنية والمحاكمات والعقوبات السالبة للحريات وحملات التشويه والتعميم، وتضاعفت التوجهات نحو تقييد حرية الجمعيات بتعديلات تشريعية تسير عكس اتجاه حركة التاريخ.
وفات الحكومات العربية أن السؤال الذي تحتاج إلى أن تجيب عليه بداية إنما يتعلق بمدى اتساق تدابيرها السلبية بحق الحقوقيين وغيرهم مع التوجهات التي تعبر عنها لحماية الدولة الوطنية ومتطلبات الأمن والتنمية، ولم تتمهل لتفحص مدى استجابة التدابير المتخذة هذه لاحتياجاتها الواقعية في المواءمة بين وقف التدخلات الأجنبية غير الحميدة وتعزيز تماسك الجبهة الداخلية، وهو التماسك الذي لا يتحقق سوى بتأمين حقوق المواطنة وضمان المساواة ونبذ التمييز وتأمين وسائل تحقيق العدالة والإنصاف وتنمية الشعور بالكرامة.
إن التذرع بالمخاوف من الإرهاب يفقد قيمته في اللحظة التي يتم التضييق فيها على المجتمع المدني وفي طليعته جماعات حقوق الإنسان، فالمجتمع المدني المتعافي لا يمكن أن يكون سوى مناصر لحقوق الإنسان، وهاهنا فقط يكون الطرف الأكثر حيوية وفاعلية في تنمية الوعي المدني ومحاصرة ظاهرة الإرهاب واقتلاعها من جذورها، وبدون المجتمع المدني المتعافي تبقى تدابير مكافحة الإرهاب دائرة في حلقة مفرغة، ويعجز الجميع عن الوصول لأي غايات تشاركية، وننتهي بفشل الأمة.
ويلاحظ واضعو التقرير أن الإشكالية التي باتت تواجه قطاع “المدافعين عن حقوق الإنسان” بصفة خاصة لم تعد تتعلق بمدى توافر المصادر ولا بصعوبات الوصول للمعلومات، لكنها أضحت تتجسد في غزارة المعلومات المقرونة بالحاجة إلى فك طلاسم وألغاز تضاربها، وهي إشكالية تتنامى في ظل حالة الاستقطاب السياسي والاحتقان الاجتماعي المتزايد والتمترس في خنادق المواقف المسبقة، ومعها يضيع المنطق، وتتوه الحقائق، وتسود الانطباعات.
ومن هنا يأتي واجب تقديم الشكر والتقدير للمفكر الأستاذ “محسن عوض” والزميلات والزملاء أعضاء فريق إعداد التقرير الذين بذلوا جهودًا مضنية في سبيل إنجاز العدد الثلاثين في سلسلة التقرير السنوي، والشكر كذلك موصول لعدد هائل من المناضلين، وخاصة الزميلات والزملاء أعضاء مجلس الأمناء، وقادة وكوادر الفروع والمنظمات العضوة، والأعضاء الأفراد، والزملاء من كوادر المنظمات الأخرى على مساهماتهم الثمينة في مراجعة المعلومات وتدقيقها وتوفير شروط توثيقها.
ومن نافلة القول إن هذا التقرير لا يتضمن كافة المعلومات المتوافرة بأرشيف التوثيق لدى المنظمة، لكنها فقط تتناول بعضًا من النماذج التي تدلل على صحة تحليل المشهد وتحديد السمات والعقبات.
وبالإضافة إلى هدف التقرير السنوي في إحاطة ولفت أنظار صناع القرار والمشرعين والباحثين وذوي الاختصاص إلى أهم القضايا والعوائق والأولويات، فإن المنظمة العربية لحقوق الإنسان تتطلع إلى أن يثري هذا التقرير المكتبة العربية المعنية بالشئون العامة، وأن يلبي -مع أعداد التقرير السنوي السابقة- هدف إتاحة مرجع لتأريخ وإدراك مسار التحولات الاجتماعية والقانونية في الوطن العربي من منظور حقوق الإنسان.

ويصادف هذا التقرير العدد الثلاثين من سلسلة التقارير السنوية التي تصدرها المنظمة العربية لحقوق الإنسان منذ العام 1987، وهى مناسبة ترمز إلى الطابع المؤسسي للمنظمة التي تداول على مسئولية إدارتها مسئولون ومهنيون وباحثون ونشطاء، كما ترمز إلى التراكم المعرفي الذي وفره تواتر هذه الإصدارات وما يواكبها من دراسات مغذية ونقاشات تقييمية جادة.
كانت هذه المعاني تفترض أن تكون مهمة إعداد هذا التقرير أيسر، ومصادره أوفر، واستخلاصاته أدق، ليس فقط بحكم التراكم المعرفي والخبرات، بل أيضًا بفضل التقدم المطرد في وسائل الاتصال التي أتاحت بلوغ نطاق أوسع من المصادر، وظهور أجيال جديدة من منظمات حقوق الإنسان والباحثين والنشطاء الجادين، بل تسريب وثائق كنا نحتاج دهرًا للاطلاع عليها وكشف ما انطوت عليه من حقائق، لكن للأسف الشديد لم يكن الأمر كذلك، إذ كان إعداد هذا التقرير من أشق المرات التي واجهت إعداد التقارير السنوية للمنظمة، من جراء تسييس المعلومات وانقسام الرؤى حيال الأحداث الجارية والفوضى الإعلامية.
لم تكن الصعوبات التي اعترت جهد إعداد هذا التقرير حكرًا على المنظمة العربية لحقوق الإنسان، بل عكستها أيضا العديد من التقارير الدورية أو المتخصصة الدولية والإقليمية والوطنية، فتقارير بعثات الأمم المتحدة لمناطق النزاعات المسلحة -التي لا تضاهيها تقارير في الجهد والإمكانيات ووجودها في قلب الأحداث- لم تعد تفاجئنا بتذييل كثير من الأحداث بعبارة “ولم يتسن للبعثة تدقيق هذه الأخبار”، فضلاً عن التباين الشديد في رصد أعداد الضحايا بين منظمات الأمم المتحدة ذاتها.
وبينما يمكن إرجاع بعض أوجه هذه الظاهرة لاعتبارات فنية أو صعوبات ميدانية، فإن بعضها -بل أخطرها- يعود إلى رغبة بعض الدول في التضليل، ولن نقف هنا عند نموذج تقرير الرباعية حول القضية الفلسطينية الذي كشفته استقالة مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة الجنرال “ألفارو دي سوتو” في مايو/أيار 2007 احتجاجًا على ممارسات هذه اللجنة، أو التحقيقات البريطانية حول مشاركة بريطانيا في قرار غزو العراق، ولكن أدعو القارئ إلى التوقف حتمًا عند تقرير فلسطين عن عدوان إسرائيل على قطاع غزة في صيف العام 2014، والممارسات التي ارتكبتها سلطات الاحتلال للحيلولة دون تمكين لجنة التحقيق التابعة لمجلس حقوق الإنسان من ممارسة مهامها، والضغوط الدولية التي باشرتها، وصلت إلى حد التهديد المباشر لحياة رئيس لجنة التحقيق الحقوقي الكندي البارز “وليام شاباس”.
ويغطي هذا التقرير الفترة من منتصف العام 2015 -التي توقف عندها التقرير الأخير للمنظمة- إلى نهاية العام 2016، وهى فترة حافلة بالأحداث الملتبسة بنوعية الجرائم التي واكبتها والأطراف المتورطة فيها والنتائج التي تمخضت عنها وتلك التي سوف تترتب عليها، ولم يتجاوز التقرير الحقيقة عندما قدرها كحرب عالمية ثالثة مصغرة تدور رحاها على الأرض العربية، إذ تشارك فيها ثلث بلدان العالم على نحو أو آخر عبر تحالفات ثنائية وجماعية، بينما تتصل أهدافها بإعادة صياغة موازين القوى الإقليمية والدولية.
وقد فرض هذا السياق تغييرًا على تبويب هذا التقرير بتضمينه في بابين اثنين: يتناول أولهما التحليل الكلى للمشهد، ويتعرض الثاني للتقارير الوطنية، واختزال القسم الثالث من التقرير بضمه إلى القسم الأول الذي يُعنى بالتحليل الكلي لضمان الترابط بين تطور الأحداث الرئيسة ونتائجها.(النهاية)

قد يعجبك ايضا

اترك رد