العراق يلاحق تضخم ثروات المسؤولين.. رقابة مصرفية مشددة تشمل الأسر والمقربين

المستقلة/- كشفت صحيفة “العربي الجديد”، في تقرير تابعته “المستقلة”، أن الحكومة العراقية تواصل مساعيها لملاحقة المتهمين بالفساد، عبر إجراءات جديدة يقودها البنك المركزي لتشديد الرقابة على كبار المسؤولين وأسرهم، ضمن تحركات أوسع لتعزيز منظومة مكافحة الفساد وغسل الأموال.

وبحسب التقرير، وجّه البنك المركزي العراقي المصارف الحكومية والخاصة إلى تشديد إجراءات المتابعة والتدقيق على الأشخاص المصنفين ضمن فئة “المعرضين سياسياً”، وهم كبار المسؤولين والشخصيات العامة البارزة، فضلاً عن أفراد أسرهم والمقربين منهم والجهات المرتبطة بهم.

وحدد البنك مجموعة من المؤشرات التي يتوجب على المؤسسات المالية الانتباه إليها عند التعامل مع هذه الفئة، من بينها عدم تناسب حجم الثروة أو مصادر الأموال مع الدخل المعروف والوضع المالي للعميل، فضلاً عن تنفيذ معاملات مالية مرتفعة القيمة أو غير معتادة لا تنسجم مع طبيعة المنصب الذي يشغله المسؤول.

خطوة لتعزيز مكافحة الفساد

ونقل التقرير عن عضو اللجنة المالية في مجلس النواب، منصور البعيجي، تأكيده أن هذه الإجراءات تمثل خطوة مهمة في إطار مكافحة الفساد، لافتاً إلى أن تضخم ثروات عدد من المسؤولين والسياسيين بات أمراً واضحاً.

وأوضح البعيجي أن أهمية هذه التعليمات لا تكمن فقط في مراقبة الحسابات المباشرة للمسؤولين، بل في شمولها أيضاً التحويلات غير المعتادة المرتبطة بأفراد الأسرة والمقربين، إلى جانب تتبع استخدام الشركات والأطراف الثالثة والهياكل المالية المعقدة التي قد تُستخدم لإخفاء المستفيد الحقيقي أو مصادر الأموال.

وأشار إلى أن نجاح هذه الخطوة سيبقى مرتبطاً بمدى جدية التطبيق، وقدرة المؤسسات المالية والجهات الرقابية على تبادل المعلومات والوصول إلى المستفيد الحقيقي من الأموال، خاصة أن الأموال المتأتية من الفساد لا تمر دائماً عبر حسابات مباشرة بأسماء المسؤولين، بل قد توزع على شركات أو عقارات أو تُسجل بأسماء آخرين.

اختبار حقيقي للمصارف

كما أشار الخبير المالي مصطفى أكرم حنتوش، بحسب ما أورده التقرير، إلى أن تعليمات البنك المركزي الخاصة بالأشخاص المعرضين سياسياً تمثل جزءاً من متطلبات تطوير منظومة الامتثال ومكافحة غسل الأموال في العراق.

وبيّن حنتوش أن هذه التعليمات تضع المصارف أمام اختبار حقيقي، يتمثل في الانتقال من مجرد معرفة هوية العميل إلى التحقق الفعلي من مصادر ثروته والمستفيد الحقيقي من الأموال.

وأضاف أن تطبيق هذه الإجراءات يتطلب وجود قواعد بيانات مترابطة تمكّن المصارف من مقارنة حركة الحسابات مع الدخل والممتلكات والنشاط الاقتصادي الحقيقي، مشدداً على أن مراقبة الحساب المصرفي وحده لن تكون كافية في بيئة ما زال جزء كبير من التعاملات فيها يتم نقداً، بينما يمكن الاحتفاظ بالثروات في العقارات أو الشركات أو تسجيلها بأسماء أطراف أخرى.

وأكد أن نجاح تلك الإجراءات من شأنه أن يعزز ثقة المصارف المراسلة والمؤسسات المالية الدولية بالنظام المصرفي العراقي، لكنه حذر في المقابل من أن أثرها سيظل محدوداً إذا لم تقترن بتبادل فعلي للمعلومات بين المصارف والجهات الضريبية والعقارية والرقابية، وبوجود قدرة حقيقية على تتبع الأموال خارج الحسابات المباشرة.

كبح الاقتصاد الموازي

وفي السياق ذاته، ربط الباحث الاقتصادي علي عواد بين فاعلية هذه الإجراءات وقدرة الدولة على كبح التشوهات التي تحدثها الأموال غير المشروعة داخل الاقتصاد.

وأوضح، وفقاً للتقرير، أن المشكلة لا تتعلق فقط بمصدر الأموال، بل أيضاً بتأثيرها اللاحق على الأسواق والاستثمار وتوزيع الثروة، إذ تتجه الأموال المتأتية من الفساد في كثير من الأحيان إلى شراء العقارات والأراضي أو تأسيس الشركات والاستحواذ على الأصول، ما يؤدي إلى رفع الأسعار بصورة لا تعكس النشاط الاقتصادي الحقيقي.

وأضاف أن استمرار جزء كبير من التعاملات خارج النظام المصرفي يمنح الأموال المشبوهة مساحة أوسع للحركة وإعادة التدوير، ويحد في الوقت نفسه من قدرة الدولة على تتبعها والاستفادة من النشاط الاقتصادي في زيادة الإيرادات وتحسين البيئة الاستثمارية.

وشدد عواد على أهمية تقليص الاعتماد على النقد، وتوسيع استخدام المدفوعات الإلكترونية وتعزيز الشمول المالي، بالتوازي مع إصلاح النظام الضريبي وتشديد الإفصاح عن الملكية الحقيقية للشركات والأصول والعقارات، بما يحد من مساحة الاقتصاد الموازي ويقلل من قدرة الأموال غير المشروعة على التحول إلى نفوذ اقتصادي.

أحكام قضائية ضمن حملة أوسع

ويأتي ذلك بالتزامن مع تحركات قضائية ضمن حملة أوسع لمكافحة الفساد، إذ كانت هيئة النزاهة العراقية قد أعلنت صدور حكم بالسجن سبع سنوات بحق وكيل وزارة النفط علي البهادلي عن جريمة تضخم الأموال والكسب غير المشروع، إلى جانب حكم آخر بالسجن سبع سنوات بحق النائب طلال الزوبعي عن الجريمة ذاتها.

وتندرج هذه الأحكام ضمن حملة أطلقتها الحكومة العراقية بالتنسيق مع مجلس القضاء، بهدف استرداد الأموال المنهوبة والمسروقة وتعزيز ملاحقة المتورطين بقضايا الفساد والكسب غير المشروع.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى