عاد ملف وزارة الدفاع إلى واجهة المشهد السياسي، عقب معلومات حصرية لـ”العالم الجديد” كشفت عن تفاهمات رافقت زيارة الحلبوسي إلى أربيل لتنسيق دعم مرشح حزب “تقدم”، مقابل دعم إعادة انتشار البيشمركة بالمناطق المتنازع عليها. في المقابل، برزت مواقف رافضة لربط الوزارة بملف المناطق المتنازع عليها، مع تأكيد سياسيين على ضرورة معالجتها وفق الدستور والسياقات القانونية بعيداً عن صفقات المناصب.
الحلبوسي وبارزاني
وحصلت “العالم الجديد” على معلومات خاصة، عبر مصادر مطلعة أفادت بأن زيارة الحلبوسي إلى أربيل لم تقتصر على مناقشة الخلافات المتعلقة بالحصص الوزارية، بل تضمنت أيضاً تفاهمات بشأن آلية تمرير مرشح وزارة الدفاع، عبر تنسيق بين الحلبوسي وغالبية قوى المجلس السياسي الوطني، مقابل دعم من الحزب الديمقراطي الكردستاني في هذا الملف.
وبحسب المعلومات، فإن التفاهمات شملت أيضاً اتفاقاً غير معلن يتعلق بإعادة انتشار قوات البيشمركة في بعض المناطق المتنازع عليها، تحت غطاء تفعيل آليات الاجتماعات واللجان الأمنية المشتركة، على أن يدعم بارزاني الشخصية التي يختارها الحلبوسي لتولي وزارة الدفاع، بعيداً عن تأثير الكتل الشيعية أو قوى الإطار التنسيقي.
جمعة عناد ونايف الشمري
وأشارت المعلومات إلى أن المنافسة على المنصب انحصرت حالياً بين عدد محدود من الأسماء، إذ يطرح الحلبوسي كلاً من جمعة عناد وقاسم المحمدي، مع ترجيح كفة جمعة عناد، فيما يبرز النائب نايف الشمري ضمن الأسماء المطروحة من أطراف سنية أخرى، لتبقى المنافسة، وفق المعلومات، محصورة بين جمعة عناد والنائب نايف الشمري.
وعاد ملف وزارة الدفاع إلى واجهة المشهد السياسي مع استمرار الخلافات بين القوى السنية بشأن حسم المنصب، في وقت تداخلت فيه المفاوضات الخاصة بتوزيع الحقائب الوزارية مع ملفات أمنية وسياسية أكثر حساسية، أبرزها مستقبل المناطق المتنازع عليها واليات إدارتها.
وخلال الأيام الماضية، أجرى رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني ورئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي مباحثات في أربيل، تناولت جملة من الملفات السياسية، وفي مقدمتها استكمال الكابينة الحكومية، وسط ترقب للقوى السياسية بشأن هوية المرشح الذي سيحصل على حقيبة وزارة الدفاع.
إقصاء الإطار التنسيقي
من جهته، يقول عضو ائتلاف دولة القانون عمران الكركوشي، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس، إن “أي تفاهم يقضي بدعم مرشح لوزارة الدفاع مقابل تقديم تسهيلات في ملف المناطق المتنازع عليها سيواجه معارضة شديدة من الإطار التنسيقي، الذي ينظر إلى مثل هذه التفاهمات على أنها محاولة لإقصائه من التوازنات السياسية والأمنية”.
ويضيف، أن “الإطار التنسيقي يرفض ربط ملف المناطق المتنازع عليها بتوزيع المناصب الوزارية”، مؤكداً أن “هذا الملف يجب أن يحسم وفق الدستور والاتفاقات الرسمية، وليس من خلال صفقات أو تفاهمات سياسية”.
إعادة انتشار البيشمركة
ويوضح الكركوشي، أن “الإطار يشدد على ضرورة معالجة ملفات كركوك وسنجار وسائر المناطق المتنازع عليها استناداً إلى المادة 140 من الدستور، التي تتضمن مراحل التطبيع والإحصاء والاستفتاء”، معتبراً أن “إدراج هذه الملفات ضمن مفاوضات تشكيل الحكومة أو توزيع الحقائب الوزارية يمثل خلطاً للأوراق وتهديداً للاستقرار”.
ويشير إلى أن “الإطار يرفض أي خطوة لإعادة انتشار قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها إذا جاءت نتيجة تفاهمات سياسية ثنائية، وموقفه يتمثل في الإبقاء على الملف الأمني تحت إدارة القوات الاتحادية، وأن أي تغيير في الواقع الأمني يجب أن يصدر بقرار اتحادي وإجماع وطني، وليس عبر اتفاقات بين أطراف سياسية”.
ويؤكد عضو ائتلاف دولة القانون، أن “الإطار يتمسك ببقاء السيطرة الأمنية في تلك المناطق بيد القوات الاتحادية والحشد الشعبي، مع رفض أي دور عسكري مباشر لقوات البيشمركة خارج حدود إقليم كردستان”.
ويختتم الكركوشي حديثه بالتشديد على أن “أي تفاهمات جانبية بشأن المناطق المتنازع عليها تمثل، من وجهة نظر الإطار التنسيقي، خرقاً للدستور وتهديداً للسلم الأهلي، لذل يتوجب الالتزام بالسياقات الدستورية والقانونية في معالجة هذا الملف”.
ملفان منفصلان
من جانبه، يقول الخبير الأمني صفاء الأعسم، في حديث لـ”العالم الجديد” اليوم الخميس، إن “ما يتداول بشأن ربط تمرير وزير الدفاع بملف إعادة انتشار قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها لا يستند إلى واقع”، مؤكداً أن”الملفين منفصلان تماماً، وأن انتشار قوات البيشمركة يرتبط بملف حصر السلاح بيد الدولة، ولا علاقة له بآلية اختيار وزير الدفاع أو الجهة التي ترشحه”.
ويضيف، أن “انتشار قوات البيشمركة في المناطق المتنازع عليها، ومنها سنجار، يخضع لتوافقات دستورية”، منبهاً إلى أن “فصائل المقاومة سبق أن طالبت بأن يشمل مبدأ حصر السلاح بيد الدولة جميع التشكيلات، بما فيها قوات البيشمركة، إلا أن خصوصية إقليم كردستان وامتلاكه قوات أمنية خاصة تجعل هذا الملف أكثر تعقيداً”.
ويوضح، أن “ربط قوات البيشمركة بالمؤسسة العسكرية العراقية وبالقائد العام للقوات المسلحة يواجه إشكاليات، لأن رئاسة إقليم كردستان لا توافق على تلقي البيشمركة أوامرها مباشرة من القائد العام، وإنما عبر وزارة شؤون البيشمركة في الإقليم، وهو ما يجعل الملف يحتاج إلى تفاهمات خاصة”.
متاهات أمنية
ويشير الأعسم إلى أنه “لا توجد احتكاكات بين القوات الاتحادية وقوات البيشمركة، خاص مع وجود غرف عمليات مشتركة وتنسيق عالٍ بين الجانبين، إلا أن قوات البيشمركة تبقى تابعة لحكومة الإقليم، وهو ما ينعكس على طبيعة السياسة الأمنية للدولة”.
ويردف، أن “تجربة انتشار قوات البيشمركة في كركوك شهدت سابقاً توترات واعتراضات، وكادت تتطور إلى مواجهة مع الجيش العراقي قبل انسحاب قوات البيشمركة من المحافظة، التي تعد من المناطق المتنازع عليها”، لغير مستبعد طرح اتفاق جديد بهذا الشأن، لكنه لا يعتقد بإمكانية نجاحه.
ويؤكد الخبير الأمني، أن “العراق متمسك بجميع أراضيه وبإدارة ملفه الأمني عبر مؤسساته الرسمية، وقائد عمليات كركوك يتبع القائد العام للقوات المسلحة، ولم تشهد المؤسسة العسكرية أي تدخل من حكومة الإقليم بهذا الشأن”، محذراً أن “تأثير الإقليم قد يكون على المستوى السياسي والإداري، لكنه لا ينبغي أن يمتد إلى المؤسسة العسكرية، لأن ءلك سيدخل البلاد في متاهات أمنية وسياسية لا يحتاجها العراق”.
وفي 30 تموز يوليو 2026، استقبل رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، رئيس حزب تقدم محمد الحلبوسي في أربيل، في زيارة ركزت، وفق المعلن، على بحث العلاقات الثنائية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب تقدم، وتطوير التعاون المشترك في ظل الأوضاع التي يمر بها العراق والمنطقة.
وخلال مؤتمر صحفي مشترك، أكد بارزاني والحلبوسي دعمهما للحكومة الاتحادية برئاسة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، مشددين على ضرورة التعاون بين بغداد وأربيل لمواجهة التحديات الراهنة وإدارة الأزمات، مع التأكيد على استمرار دعم الحكومة الاتحادية وتعزيز التنسيق بين القوى السياسية.
وقال بارزاني، إن اللقاء تناول سبل تطوير التعاون بين الجانبين، مؤكداً أن حكومة الإقليم تدعم الحكومة الاتحادية لتجاوز الأزمات التي يواجهها العراق والمنطقة، فيما أشار الحلبوسي إلى أن المباحثات شملت تعزيز التعاون بين الأطراف السياسية، والحفاظ على مكتسبات الشعب، ومناقشة التطورات الإقليمية، مؤكداً دعم حكومة الزيدي للحفاظ على الأمن والاستقرار وسيادة العراق.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه وزارتا الدفاع والأمن من أكثر الملفات حساسية داخل المشهد السياسي العراقي، إذ يتقاطع فيهما التنافس على المناصب مع ملفات السيادة والأمن والمناطق المتنازع عليها، الأمر الذي يجعل أي تفاهم سياسي بشأنهما مرشحاً لإعادة رسم موازين القوى بين بغداد وأربيل، وبين القوى السياسية المنخرطة في مفاوضات تشكيل الحكومة.
