التشوهات المعرفية كيف تؤثر على صحة الانسان ؟

التشوهات المعرفية كيف تؤثر على صحة الانسان ؟

المستقلة / التشوهات المعرفية تعمل مثل الفيروس الكامن الذي يتصيد الإنسان وقت الضغط وانخفاض المناعة، فهي تؤثر سلبا على الصحة النفسية لدرجة قد تصل للتسبب في أنواع من المرض النفسي مثل الاكتئاب أو اضطرابات القلق، وهذا ما قام عليه العلاج المعرفي السلوكي الذي أنشأه الطبيب آرون تي بيك في 1960.

و غالبا ما يعمل عقلنا على ربط النتائج والأحداث بأفكار وافتراضات، وكثيرا ما يكون هذا الربط غير حقيقي أو غير واقعي فينتج عنه تشوهات معرفية، ولكن يفعل العقل ذلك كمحاولة لتفسير الأمور ومواقف الحياة ووضع قواعد لها.

وهذا يحدث تدريجيا بحيث غالبا لا نتمكن من ملاحظته إلا بعد أن يحدث أثرا على صحتنا النفسية.

وبشكل عام هي عبارة عن أنماط تفكير وأشياء نؤمن بها على الرغم من عدم دقتها أو صحتها مما يؤثر على صحتنا النفسية.

و من أكثر التشوهات المعرفية انتشارا
أولا: “أبيض أو أسود”
وهو ألا تعترف بدرجات الرمادي بينهما، فمثلا إما هذا الأمر مثالي ورائع أو أنه كان فشلا ذريعا، أو أن تؤدي المهام كلها أو لا تؤدي شيئا منها، أو أن تصل إلى هدف بعينه وإلا فأنت فاشل ولن تحققه أبدا.
على الرغم من أنه هناك درجات كثيرة بين القطبين، فمثلا الحدث الذي لم يكن كما توقعته لا يجعله سيء بالكلية ، فربما تعلمت أو استفدت منه شيئا.
وإن لم تستطع القيام بجميع المهام التي عليك في وقتها، فأداؤك لبعض منها ليس كتركها كلها.
وربما لم تصل بعد للهدف الصريح الذي تسعى له (مثلا خسارة وزن معين)، ولكنك في طريقك إليه وقد قطعت فيه أشواط، ولو بمجرد أخذ القرار.
تلك كلها درجات في الوسط يلغيها التفكير بالأبيض والأسود.

ثانيا: التعميم
وهو أن تأخذ حالة واحدة وتعممها وتزعم أنها ستتكرر كل مرة، فمثلا ترى موقفا سيئا من أحدهم فتحكم أن جميع الناس من نفس فئته مثله، أو تحكم أنه سيظل هكذا دائما، على الرغم من أنه ليس هناك حقائق تدعم ذلك الحكم، فواقعيا لا يوجد شخصان متماثلان كليا وأن يكون الناس جميعهم مثل بعضهم البعض سيتطلب قدرا غير منطقي من التشابه والتماثل، وحكمك أن الشخص سيتصرف هكذا دائما فيه قدر كبير من التنبؤ بمستقبل يعتمد على عوامل كثيرة لا يحصيها العقل.

ثالثا: التصفية العقلية
وهو أن تركز على الحقائق أو الأحداث السلبية وتتجاهل الإيجابية وكأن عقلك يصفي تلك السلبيات فلا يعود يرى شيئا غيرها، فمثلا تحادث صديقك لتنقل له أخبارك فتتحدث فقط عن المستجدات السلبية ولا تذكر أي شيء إيجابي، أو حتى في حديثك لذاتك.

رابعا: رفض الإيجابيات
تعترف بحدوثها ولكنك لا تقبلها، مثل أن يثني مديرك على عملك فترجع ذلك لأنه شخص مجامل أو لأنه لا يريد الخوض في سلبيات العمل الآن ولكنه سيفعل لاحقا، أو مثل أن تحقق إنجازا معينا بمجهود منك فتقول أنه جاء بمحض الصدفة.

خامسا: القفز إلى الاستنتاجات
وهو عندما تزعم أنك تعلم ما يفكر به الآخرون وتصدق ذلك وتبني عليه خصوصا عند غياب حقائق متفق عليها لتدعم استنتاجك، مثل أن ترى شخصا ممتعضا فتستنتج أن ذلك بسبب رؤيتك، على الرغم من وجود احتماليات أخرى كثيرة وأنه لم يتم التصريح بالفكرة التي في رأسك بشكل واضح، ولكنك تصدقها وتبني عليها مشاعرا وسلوكيات.

سادسا: أخذ المنطق من المشاعر
فبدلا من أن تتقبل مشاعرك وتعطيها حجمها، تستقي منها حقائقا، فمثلا أن تشعر امرأة بالغيرة على زوجها فتستقي من ذلك الشعور فكرة أنه يكن مشاعرا لأخرى وتصدقها وتتعامل على أساسها.

سابعا: “من المفترض”
وهي عبارة تستخدم بمنتهى البساطة رغم أن أثرها عظيم، فعندما نقول من المفترض أن أفعل كذا، من دون أن يكون الأمر مفروضا فعليا نحمل أنفسنا ما لا نطيق ونزيد من مشاعر الذنب واللوم.
وعندما نستخدم العبارة على من حولنا نزيد من توقعاتنا منهم التي من الوارد جدا عدم الوصول إليها، ولكننا نتعامل معها أنها فرض عليهم، مما ينتج عنه مشاعر إحباط وغضب وتنافر.
علينا أن نسأل أنفسنا دائما عند قول تلك العبارة أو التفكير فيها، من الذي فرض هذا الأمر؟ ما أهميته؟ ما نتيجة عدم القيام به؟

ثامنا: إطلاق الأحكام والمسميات
بدلا من التعامل مع الموقف كموقف، نطلق منه حكما على الآخرين أو على أنفسنا، فمثلا أخطأ طفل بأن أهمل واجبه الدراسي، فيخبره والداه أنه طفل “مهمل”، في حين أن خطأه -حتى إن تكرر- لا يعني أنه مهمل في المطلق ولا يعني أنه سيواظب على هذا الخطأ ولن يغيره، مثلما توحي تسميته بالمهمل.

تاسعا: اللوم
التصور الدائم أن الآخرين هم المسؤولون عن ألمك النفسي أو أنك أنت المسؤول عن ألمهم النفسي، فمثلا تجد نفسك تلوم الطرف الآخر على شعورك بالسوء حيال ذاتك أو العكس، في حين أن كل شخص مسؤول عن قراره من أين يستقي مشاعره وأفكاره عن ذاته، وأنه هو المتحكم الأساسي بها.

عندما تشعر بمشاعر سلبية، توقف للحظة وسجل أفكارك حيال الآتي:
ما الذي حدث؟
ما الذي تسبب في هذه المشاعر الغير مرغوب فيها؟
هل هناك تشوه معرفي مما تناولناه سابقا في أفكارك حيال هذا الحدث؟
هل هناك أي أدلة واقعية على حقيقة فكرتك؟
لقد فكرت في أسوأ السيناريوهات المحتملة، ما هو أفضلها؟
ما هو أكثرها واقعية؟
ثم قيم ماهية مشاعرك وحدتها بعد أن قمت بهذا التدريب.

من المهم أيضا لكي نتمكن من تفادي تشوهاتنا المعرفية أن نفرق بين الحقائق والآراء، فمثلا : “تمتلك الفتاة عينين سوداوين وشعرا مموجا” هذه حقائق، ولكن “تبدو تلك الفتاة جميلة” هو مجرد رأي قد يختلف من شخص لآخر، قس ذلك على ما يراودك من أفكار.
وفي النهاية، حتى وإن لم تكن مرضا نفسيا، كلما لاحظت تشوهاتك المعرفية مبكرا وعملت على تلافيها، كلما قل أثرها السلبي على صحتك ومناعتك النفسية.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.