التباين الطبقي وصنعة الروائي في “مذكرات خاتون كرخية”

نزار عبد الغفار السامرائي

الرواية ليست مجرد حكاية تروى، بل خطاب سردي محكم تكمن في ثناياه أفكار معينة يحاول الروائي ايصالها الى المتلقي لغرض بيان نظرته الى المجتمع والحياة عبر ثنايا الحكاية التي تشكل الوعاء الذي يضم تلك الأفكار، ما يجعل المتلقي امام مهمة تخطي المضمون الظاهر للرواية ومحاولة الغوص الى داخلها لاستكشاف الرسالة التي يريد الكاتب ان يوصلها للقراء.

ووفق هذا المنظور يقدم خضير فليح الزيدي في روايته “مذكرات خاتون كرخية” الصادرة عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق عام 2025، فكرتين متجاورتين، تتعلق الأولى بالتباين الطبقي الذي ينبني المجتمع العراقي عليه، والثانية تخص صنعة الروائية نفسها، عبر الإشارة الى فعل الكتابة الروائية واخلاقيات الكاتب.

ويعمل الزيدي على بناء أفكاره عبر نموذج روائي متعدد المسارات، يعتمد على الروي المتعدد، اذ يسير السرد بأربعة مسارات، ترتبط ببعضها، رغم أن كلّ منها يحمل موضوعا مختلفا.

تبدأ الرواية على لسان زيد ابن الروائي المغمور حسب الحاج الذي يموت في المشهد الأول، تاركا ابنه في حيرة يبحث عن تابوت لنقله من المستشفى، ولما لم يجده بسبب حظر التجوال يضطر الى حمل الجثة على كتفيه ويسير بها في الشوارع وصولا الى البيت… مشهد عبثي يذكرنا بميرسو اللامبالي في رواية الغريب للكاتب الفرنسي البير كامو حين يتم إبلاغه بوفاة امه في دار المسنين.

لكن زيد على العكس من ميرسو يعمل على تنفيذ وصية والده الأخيرة التي تقضي بأن يعمل على اكمال روايته التي بدأها ولم يستطع اكمالها، فهو مجرد روائي بسيط نال الشهرة عبر قصة واحدة لم يستطع أن يتجاوزها…  وفي هذا الامر يبحث زيد عن كاتب مغمور اخر يدعى جميل سالم القربان يعمل حرضحال، ويجلس في مقهى شعبي بجانب الكرخ… وهنا يبدأ مسار ثان للرواية يتعلق بالمقهى الصغير المنزوي في منطقة الجعيفر من جانب الكرخ، و في هذا المسار يعرّفِنا جميل القربان على رواد المقهى من قاع المجتمع والذي يشكلون مجموعة غريبة، تتعامل مع الامور ببساطة، كما أن فلسفتها في الحياة تتلخص بأن تعيشها كما هي يوما بيوم، وهم جميعهم كما يخبرنا جميل يكذبون ” دينهم ومذهبهم وعقيدتهم قائمة على الكذب” وبقدر ما يكذبون ويصدقون كذبهم فأنهم يبررون ذلك ” من أن إنسان العصر لا يعيش في هذا المقهى من دون الكذب، لأنه يخلص البشر من الاحراج”.

وبعيدا عن كذبهم يروي جميل القربان حكاية كلّ واحد منهم كما هي بدون رتوش لنتعرف على ياسر الطويل، المطرب العاطل عن العمل، وسموعي الذي ناهز السبعين من عمره والذي يجيد التلصص على الاخرين، حيث كان يعمل رجل امن ابان النظام السابق.

اما حقاوي الأعمى الداهية فيمتلك أكثر من وجه وموقف، وهناك أيضا منظمة توم وجيري المتعلقين بأفلام الكارتون، وسمسم الذي يتعامل مع الحياة ببطيء شديد، يذكرنا بالنص الذي ينقله المؤلف في بداية الرواية عن فيدور دوستويفسكي ” والسلاحف أكثر حكمة من الأرانب، ففي هذه الحياة، لا شيء يستحق الركض”. ومع تعدد الشخصيات وجميعهم من تلك الشخصيات الهامشية يشير القربان الى ان المميز فيهم أنهم ” كتيبة غامضة، فهم أكثر شراسة و إجراما من الأشقياء والمجرمين المحترفين أنفسهم، حين تتاح لأحدهم فرصة الانتقام من البشر، إنهم يكرهون أنفسهم، فكيف لا يكرهون الاخرين”… يسير هذا المسار ليعرفنا برواد المقهى واحدا بعد الآخر حتى نكاد نظن أنهم الثيمة الأساس في الرواية، قبل أن يتحول بنا السرد الى المسار الثالث والذي يتعلق بجميل سالم القربان نفسه، الذي يسرد لنا تحت عنوان ” باب الأنا…مذكرات السيرة الذاتية”، أمله بأن يصبح كاتبا روائيا على الرغم من انه لم يتم مشروعا واحدا بعد!… فيغرق بالديون ويقيده صاحب المقهى بكمبيالات واجبة الدفع…هذه السيرة هي ما يوصلنا الى المسار الرابع والأخير والذي يتعلق بعنوان الرواية “الخاتون الكرخية” حيث يتحول المسار السردي الى داخل أروقة العائلات الارستقراطية التي تنحدر من أصول تركية، وتتمتع بثروات كبيرة ومكانة مميزة في المجتمع.

ويمكن أن نحدد مسار السرد الروائي بالمخطط الآتي:

وفاة الروائي المغمور حسب الحاج← ابنه جميل يسعى لتنفيذ الوصية واكمال رواية الخاتون الكرخية← جميل يلتقي العرضحال (الروائي) جميل القربان ← القربان يستعرض لجميل حكايات رواد المقهى الشعبي (الطبقة المهمشة) ← القربان يستعرض حكاية الخاتون الكرخية المغتصبة← جميل يترك القربان بعد حصوله على الحكاية دون ايفاء ديونه.

ولكن إذا أردنا أن نعيد ترتيب الحكاية كما هي سنكون امام الآتي:

الخاتون سعاد الاورثلي تكشف لجميل القربان اسرارها وكيف تم اغتصابها← جميل القربان يفشي السرد ← الروائي المغمور حسب الحاج يطلع على الحكاية فيحاول ان يكتب رواية عنها لكنه لم يستطع اكمالها← حسب الحاج قبل موته يوصي ابنه جميل بإكمال الرواية عبر الاتصال بجميل القربان← القربان يحكي لجميل سر الخاتون الكرخية المغتصبة مقابل أن يسدد الديون التي عليه← جميل بعد اطلاعه على الحكاية يترك القربان دون تنفيذ وعده بتسديد الديون.

مسار السرد هذا يجعلنا نستنتج ما لم تبح به الرواية وهو أن جميل يكمل رواية ابيه وينشرها باسمه فيكتسب شهرة لا يستحقها. ما يجعلنا نسأل ما المسكوت عنه في هذه الرواية بعيدا عن الخاتون الكرخية؟ وهو ما سنتناوله لاحقا.

مع نهاية مسار السرد الروائي الذي يشكل المضمون الظاهر للنص، تنكشف لنا تلك الفوارق الطبقية داخل المجتمع البغدادي، فابن الكاتب المغمور يمكن أن يمثل الطبقة الوسطى، طبقة عالقة في عالمها لا تملك الا ما يجعلها تعيش الحياة بالشكل المقبول، لكنها في الحقيقة حين تواجه بالسلطة تجد نفسها حالها حال بقية افراد المجتمع، فهو لا يستطيع أن ينقل جسد والده المتوفي من المستشفى الى البيت بشكل لائق بسبب منع التجوال فيضطر الى حمل الجثة بنفسه، لكنه في الوقت نفسه يمارس سطوته على من هو اقل منه قدرة، فهو يغادر المقهى بعدما سمع من جميل القربان ما يريده دون أن ينفذ الاتفاق بينهما ويدفع ديونه ليواجهه جميل بحقيقته؛ انسان “بلا اخلاق” وهو ما يمكن ان يوصله الى “مركز الأضواء”!

اما جميل ومرتادي المقهى فهم الطبقة الدنيا، المهمشة، التي نراهم يوميا دون أن يلفتوا الانتباه، وهنا كأن الروائي خضير الزيدي يريد تسليط الأضواء عليهم، أن يخرجهم من الزوايا التي يتجمعون بها، الى الفضاء الواسع، ليكشف ذلك العالم المدفون في الطبقات الدنيا من المجتمع، حيث يتجنبهم الجميع، ويبتعدون هم أيضا عن الآخرين، الا بما يساعدهم على المضي بالحياة سواء اكتسبوا ذلك بالديون المتراكمة، او السرقة، او بالأفعال الدنيئة، ويرون أنهم الأكثر خبرة بالحياة وربما أفضل من الآخرين!

الطبقة العليا المتمثلة بسعاد الاورثلي، الخاتون الكرخية، وعائلتها التي تنتظر موتها لتحوز على ثروتها، فهي على كل ما تتعامل به من مظاهر وتسلط، لا تختلف كثيرا عن طبقة المهمشين من حيث المؤامرات ومحاولات الاستئثار بالسلطة، والتعامل بتعالي مع الآخرين الذين يرونهم أقل شأنا منهم كون نسبهم لا يمتد الى عوائل كانت تتسلط على المجتمع يوما، لاسيما أولئك الذين ينحدرون من عوائل جاءت مع الاحتلال العثماني للعراق، والذين رغم افلاسهم وسقوط سلطتهم الا انهم بقوا يتعاملون بذات التوجه والاستعلاء مع الآخرين.

ما يميز الروائي خضير الزيدي أنه لم يعرض ذلك الصراع الطبقي بالشكل الذي اعتدناه من الروائيين في السابق ولاسيما في الروايات التي تندرج تحت تصنيف ” الواقعية” بل لم يضع ذلك الصراع هدفا بحد ذاته في بنية الرواية، بل جعل كلّ مسار يسير بشكل مستقل عن الآخر ليضع المتلقي امام مهمة المقارنة والتمييز، وهنا يكون مسار السرد خارج افق التوقع للقارئ ما يجعل الرواية لا تفصح عن نفسها بشكل كلي حتى نصل الى النهاية الصادمة.

النهاية الصادمة للرواية تضعنا أمام أمر آخر، والذي يمثل المسكوت عنه في الرواية، وهو ما يتعلق بصنعة الروائي،  فالزيدي يضع الكاتب الروائي (العرضحال) جميل القربان الشخصية الأساسية في الرواية، وليس كما يوحي العنوان “الخاتون الكرخية” ، وهو بذلك يقدم لنا وصفة للكتابة الروائية، او بالأحرى للكاتب الروائي النزيه، وذلك الذي “بلا أخلاق” الأول يبقى منزويا بعيدا عن الشهرة لأنه طيب وخلوق، ” فالطيب والخلوق سيفشل في الوصول الى المكانة المرموقة في الأدب، الطيبة والأخلاق عنصران معرقلان في الأدب، فالكتابة الأدبية تحتاج كاتبا ذكيا يحمل جينة الشر” ليصل الى أن يخاطب زيد ابن الروائي المتوفي ” الكاتب يجب ان يكون بلا اخلاق مثلك كي يصل الى مركز الأضواء”.

رؤية سوداوية وقاسية يقدمها الزيدي لكتاب الرواية، او بالأحرى لعدد من كتاب الرواية الذين لا يتوانون عن سرقة جهد الآخرين، او أفكارهم من اجل الوصول الى شهرة زائفة، فيما يبقى من يلتزم بالأخلاق والمبادئ بعيدا عن تلك الشهرة.

لكنه في الوقت نفسه يعمل على إعطاء وصفة للكتابة الروائي مثل” تتحول الكتابة الى خيانة عظمى إذا ما تسلل الصدق لجسد الحدث”!(ص80)  ما يجعلنا نتساءل: هل استل الزيدي رؤيته هذه من الواقع وهو القريب من المشهد الروائي، والأدباء، ام كان مجرد رؤية سردية استوجبها مسار السرد الروائي؟

اسم الكتاب: مذكرات خاتون كرخية

دار النشر: الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين

سنة النشر: 2025

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى