الإطلاقات العشوائية تهدد رؤوس الأبرياء.. لا منها خلاص إلا بتشديد العقوبة

بغداد / تقرير / علاء محمد

لا تزال بعض مناطق العاصمة بغداد وخارجها تشهد ظاهرة إطلاق العيارات النارية العشوائية تعبيرا عن أفراح مطلقيها أو أحزانهم، وكأن لغة الرصاص هي المُعبّر الوحيد عن شعور السعادة أو الألم، إلا أن هؤلاء لم يبالوا أن إطلاقاتهم تباغت رؤوس الأبرياء وتثير أصواتها هلع الأهالي.

ويرى قضاة تحقيق أن تشديد الإجراءات والمحاسبة القانونية ممكن أن تضع حدا لهذه الظاهرة، لكنهم شددوا على أن الحل الحقيقي يكمن في إيجاد تشريع أو تعديل يخصص عقوبة مشددة لهؤلاء، كما حصل عندما تصدى مجلس القضاء الأعلى لظاهرة الدكة العشائرية التي عد مرتكبيها إرهابيين.

يقول قاضي محكمة تحقيق مدينة الصدر حارث عبد الجليل إن “الإطلاق العشوائي للعيارات النارية هي من الظواهر المنتشرة في أغلب المجتمعات ذات الطابع العشائري للتعبير عن الفرح والحزن، حيث تنتشر خارج عواصم كثير من الدول وخارج مراكز المدن”، لافتا إلى أن “هذه الظاهرة كانت تحصل في مناسبات محدودة لكنها أصبحت ظاهرة متفشية في الوقت الحاضر ليصبح إطلاق النار العشوائي كأنه السبيل الوحيد للتعبير عن الأفراح والأحزان”.

وفي البحث عن الحلول يرى عبد الجليل أن “الحل يمكن أن يكون في تشديد الاجراءات القانونية ومحاسبة جميع مطلقي العيارات النارية بكافة اشكالها، خاصة بعد توجيه مجلس القضاء الأعلى بهذا الخصوص وخصوصا في شأن ما يسمى عرفاً بالدكة العشائرية التي اصبحت تعتبر من الجرائم التي تنطبق عليها احكام قانون مكافحة الارهاب رقم ١٣ لسنة ٢٠٠٥”، مؤكدا أن “هذه الجريمة شهدت انخفاضا ملحوظا كونها كانت تحصل بشكل جماعي وهجومي ويتفاخر البعض منهم بعرضها على مواقع التواصل الاجتماعي الامر الذي يثير الرعب في نفوس المواطنين كافة”.

وتابع أن “المسؤول الأول عن مكافحة والقضاء على هذه الظاهرة هي قوى الأمن الداخلي بكافة تشكيلاتها من خلال متابعة مطلقي العيارات النارية وتسليمهم الى مراكز الشرطة المحلية لعرضهم على القضاء وكذلك المتضررين من الاعتداءات بإطلاق العيارات من خلال تقديم الشكوى بحق الفاعل فضلا عن تكثيف حملات التفتيش وضبط السلاح غير المرخص”.

وأكمل القاضي أن “الشائع من قضايا إطلاق العيارات النارية هي أما اعتداء لوجود خلافات عشائرية وقد تم معالجة هذه الظاهرة من خلال اعتبار واقعة الدكة العشائرية وكذلك حوادث اطلاق العيارات النارية لغرض التهديد وقد عالجتها المواد ٤٣٠ و ٤٣١ من قانون العقوبات العراقي رقم ١١١ لسنة ١٩٦٩ المعدل فضلا عن اطلاق العيارات النارية بشكل عشوائي في المناسبات الاجتماعية او الأحداث الرياضية على سبيل المثال و قد عالجها قرار مجلس قيادة الثورة المنحل بالقرار رقم ٥٧٠ لسنة ١٩٨٢”.

ويضيف قاضي محكمة تحقيق مدينة الصدر قائلا إن “جميع فئات المجتمع مسؤولة عن نشر التوعية بخطورة هذه الظاهرة وبغض النظر عن سبب الإطلاق، ابتداءً من رب الأسرة وشيخ العشيرة ورجال الدين والإعلام لما لها من نتائج وتبعات كارثية على المواطنين حيث ان اغلب ضحايا اطلاق العيارات النارية هم اشخاص ابرياء ولا ذنب لهم سوى رعونة واستهتار مطلق العيارات النارية وهذا ما نلمسه في القضايا والاخبارات التي تعرض امام المحاكم وعلى سبيل المثال عندما يتعرّض دار مواطن لما يسمى بالدكة العشائرية يتبين ان ساكني هذه الدار لا علاقة لهم بالمشكلة العشائرية أو سقوط مقذوفات نارية طائشة على المواطنين لا يعرف مصدر الإطلاق وان هذه الاصابات تحدث غالباً بالتزامن مع اعراس او مجالس عزاء او مراسم تشييع او مناسبات عامة”.

القاضي حارث عبد الجليل لفت الى “ضرورة تعاون المواطنين بتزويد قوات الأمن الداخلي بتسجيلات كاميرات المراقبة في حال يوجد تسجيل للحادث حيث يعتبر التصوير (الفيديو) ذا قيمة قانونية بسير التحقيق والمحاكمة”.

من جانبه، يقول قاضي محكمة تحقيق الرصافة جاسم محمد كاظم إن “ظاهرة العيارات النارية لاتزال مستمرة في اوساط المجتمع بسبب الموروث الاجتماعي والعشائري الذي اعتاد التعبير عن حالة الفرح والحزن عبر اطلاق العيارات بصورة عشوائية دون الاخذ بالاعتبار ما يسببه ذلك من خسائر بالارواح نتيجة لاتخاذ بعض ملامح القوة واظهارها مثل العراضة والاخذ بالثأر وغيرها من العادات والتقاليد التي يجب ان يوضع لها حد كونها تحولت لظاهرة تستوجب المعالجة”.

ويرى كاظم أن “الحل يكمن في مواجهة ذلك بالسياسة التشريعية للقوانين واصدار قانون يعالج هذه الظاهرة إذ أن النص القانوني المعتمد هو قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 570 لسنة 1982 الذي عاقب مطلق العيارات النارية بالحبس مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على ثلاث سنوات وهذا النص اصبح لا يوافق المتغيرات ومواجهة الظاهرة المذكورة والتي تعتبر جريمة تمس الحق العام، ويمكن لأي شخص تحريك الشكوى امام القضاء سواءً وقعت عليه الجريمة أم لم تقع وإنما شاهد احد الاشخاص يقوم باطلاق العيارات النارية”.

وعن كيفية الحد من هذه الظاهرة أشار إلى أن “معالجات مثل هكذا موضوع تكمن في زيادة حملات التوعية في مواجهة هذه الظاهرة التي تقع على عاتق السلطات التنفيذية والاعلامية كما يمكن الاستفادة من مواقع التواصل الاجتماعي في اطلاق حملات من هذا الجانب اضافة الى زيادة الحملات الاعلامية من خلال المناسبات الدينية والمجتمعية في حث المواطن على تركها وتشجيع الاخرين عن الابلاغ على مرتكبيها”.

ويتحدث كاظم أيضا عن تصدي مجلس القضاء الاعلى لظاهرة (الدكة العشائرية) بعدما اعتبرها “جريمة إرهابية لما تسببه من ازهاق لأرواح الابرياء، إذ قابلها بعقوبات مشددة بحق مرتكبيها فحققت الردع الخاص والعام وانخفضت هذه الظاهرة، وفي ما يخص ظاهرة اطلاق العيارات النارية العشوائية فانها تحتاج الى اتخاذ تدابير قاسية لمواجهتها اضافة الى قوانين صارمة فهي محددة بمجلس النواب وتحتاج الى تشريع قانون يعالجها لوضع حدا لها”، مبينا أن “الظاهرة المذكورة تعد تهديدا للسلم المجتمعي وتزيد من النزاعات وتولد جرائم اخرى بسبب ردة الفعل من المتضرر في حال إزهاق الأرواح او الإضرار بهم”.

 

التعليقات مغلقة.