
فشل الدبلوماسية السعودية في العراق.. علاقات انتقائية ونتائج محدودة
المستقلة/- تكشف حصيلة العلاقات السعودية العراقية خلال العقد الأخير عن فجوة واسعة بين الثقل السياسي والديني والاقتصادي الذي تمثله المملكة العربية السعودية، وبين مستوى حضورها وتأثيرها الفعلي في العراق، رغم تفعيل قنوات رسمية وتبادل الزيارات والإعلان عن تفاهمات ومشاريع متعددة.
وفي قلب هذا التقييم يبرز أداء السفير السعودي في بغداد عبد العزيز الشمري، الذي يتولى إدارة الحضور الدبلوماسي لبلاده منذ نحو عشر سنوات، وسط انتقادات متزايدة لضعف النتائج، وشخصنة العلاقات، والتركيز على ملفات التأشيرات والاستثمار واللقاءات مع رجال أعمال وشخصيات محلية مثيرة للجدل.
وقال مصدران سياسيان ورجل أعمال عراقي لـ«المستقلة» إن سنوات عمل الشمري اتسمت بضعف القدرة على بناء نفوذ سياسي مستدام، والاعتماد على شبكة ضيقة من العلاقات الشخصية، بدل تطوير شراكة مؤسساتية راسخة بين بغداد والرياض.
وطلبت المصادر عدم الكشف عن أسمائها لحساسية الملف، مشددة على أن انتقاداتها لا تستهدف العلاقة مع السعودية، بل الطريقة التي أُدير بها تمثيلها الدبلوماسي في بغداد خلال واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ العراق الحديث.
وتولى الشمري المهمة في تشرين الأول/أكتوبر 2016، بعد أزمة السفير السابق ثامر السبهان، الذي طلب العراق استبداله عقب تصريحات اعتبرتها بغداد تدخلًا في الشأن الداخلي.
وكانت الرياض تسعى، بتعيين الشمري، إلى الانتقال من مرحلة التصعيد العلني إلى نهج أكثر هدوءًا، غير أن مصادر «المستقلة» ترى أن المشكلة لم تُحل، بل تغير شكلها فقط.
فبدل أزمة التصريحات السياسية، ظهرت أزمة أخرى تتعلق بضعف الأداء، ومحدودية القراءة السياسية، والاعتماد على شخصيات لا تعكس بالضرورة حقيقة التوازنات العراقية.
وقال أحد المصادر إن السفير قدم لبلاده، في أحيان كثيرة، «صورة انتقائية» عن العراق، من خلال الاستماع إلى دائرة محدودة من السياسيين ورجال الأعمال والوسطاء، ما أدى، بحسب المصدر، إلى تقديرات سعودية غير دقيقة لطبيعة المشهد العراقي.
ولا يمكن لـ«المستقلة» التحقق من مضمون المراسلات الدبلوماسية بين السفارة ووزارة الخارجية السعودية، لكن طول مدة بقاء الشمري في بغداد، واستمرار اعتماده على الوجوه نفسها، يثيران تساؤلات بشأن ما إذا كان التمثيل السعودي قد تحول إلى علاقة مع أشخاص، بدل أن يبقى علاقة مع الدولة العراقية ومؤسساتها.
وتقول المصادر إن السعودية، بما تمثله من ثقل ديني وسياسي واقتصادي، كان يمكن أن تؤدي دورًا أوسع في العراق، عبر الجامعات والثقافة والإعلام والتجارة والطاقة، لكنها اختزلت جزءًا مهمًا من حضورها في ملفي الحج والعمرة والتأشيرات، إلى جانب مشاريع استثمارية لم تحقق حتى الآن أثرًا سياسيًا أو اقتصاديًا يوازي حجم الترويج لها.
كما أثارت كثرة لقاءات السفير مع شخصيات تحوم حول بعضها اتهامات بالفساد أو سوء استخدام المال العام انتقادات واسعة، إذ يرى مراقبون أن ظهور دبلوماسي بوزن سفير السعودية إلى جانب هذه الشخصيات يمنحها غطاءً معنويًا وسياسيًا، حتى في غياب اتهام مباشر للسفير بأي مخالفة.
وقال رجل الأعمال إن انخراط السفارة في الترويج لبعض المشاريع، من دون وضوح كافٍ بشأن الشركاء وآليات منح الفرص، أضر بصورة الاستثمار السعودي في العراق، وحوّل مشاريع كان يفترض أن تكون جسرًا للتقارب إلى مصدر شكوك وتساؤلات.
ورغم تفعيل مجلس التنسيق العراقي السعودي وتبادل الزيارات والإعلان عن تفاهمات اقتصادية، بقيت العلاقة، وفق المصادر، دون مستوى الطموح، ولم تنجح في إنتاج اختراق سياسي أو شعبي مستدام.
ويرى المنتقدون أن السعودية تواجه في العراق أزمة دبلوماسية ممتدة: بدأت بتصعيد ثامر السبهان، ثم انتقلت في عهد الشمري إلى أزمة هادئة عنوانها ضعف التأثير، وشخصنة العلاقات، وغياب الرؤية الاستراتيجية.
ولم يصدر تعليق من السفارة السعودية بشأن هذه الانتقادات. وتؤكد «المستقلة» استعدادها لنشر أي رد رسمي.
وبعد ما يقارب عشر سنوات، تبدو الرياض أمام حاجة فعلية لمراجعة نهجها في بغداد، وإعادة بناء حضورها على أساس مؤسساتي يوازي مكانة السعودية، ويحفظ العلاقة مع العراق من أن تُختزل في التأشيرات والمشاريع والوسطاء.





