خمسة ملايين برميل تشعل الجدل.. ماذا يحدث في نفط العراق؟

المستقلة/- أثارت تصريحات وزير النفط العراقي باسم محمد خضير، بشأن تجاوز إنتاج البلاد النفطي حاجز خمسة ملايين برميل يومياً، جدلاً في الأوساط الاقتصادية والنفطية، وسط تساؤلات بشأن دقة الأرقام المعلنة، ومدى انسجامها مع الالتزامات العراقية ضمن اتفاق أوبك+، ولا سيما بعد حديث الوزير عن وجود مباحثات لرفع سقف الصادرات النفطية.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة في ظل اعتماد العراق الكبير على الإيرادات النفطية لتمويل الموازنة العامة، وحساسية الأسواق العالمية تجاه أي مؤشرات على زيادة المعروض، فضلاً عن التحديات التي تواجه بغداد في الموازنة بين رغبتها في رفع الإنتاج والحفاظ على استقرار الأسعار.
ويطرح الجدل الحالي سؤالاً أساسياً: هل ينتج العراق فعلياً أكثر من خمسة ملايين برميل يومياً، أم أن الرقم يعكس الطاقة الإنتاجية التي يستطيع الوصول إليها في حال تشغيل حقوله بكامل قدراتها، بعيداً عن القيود التي تفرضها اتفاقات خفض الإنتاج؟
تصريحات الوزير تفتح باب التساؤلات

قال وزير النفط باسم محمد خضير، السبت (7 تشرين الثاني 2026)، إن إنتاج العراق يتجاوز خمسة ملايين برميل يومياً، مشيراً إلى وجود اختلاف بين الطاقة الإنتاجية والطاقة التصديرية، وأن بغداد تجري مباحثات مع منظمة أوبك لزيادة حصتها النفطية.

وأضاف أن العراق يستحق رفع مستويات إنتاجه بالنظر إلى الظروف الاقتصادية والسياسية التي مر بها خلال العقود الماضية، وحاجته إلى تعزيز الإيرادات اللازمة لتمويل مشاريع البنية التحتية والخطط الحكومية.

غير أن استخدام مصطلح «سقف الصادرات» أثار تساؤلات فنية، لأن اتفاقات أوبك+ تتعلق أساساً بمستويات إنتاج النفط الخام، وليس بفرض حصص مستقلة على صادرات الدول الأعضاء.

ثلاثة أرقام مختلفة.. أين تكمن المشكلة؟

لفهم طبيعة الجدل، من الضروري التمييز بين ثلاثة مؤشرات أساسية في الصناعة النفطية.

الأول هو الطاقة الإنتاجية، ويعني الحد الأقصى من النفط الذي تستطيع الدولة إنتاجه بصورة مستدامة وفق قدرات حقولها ومنشآتها وبنيتها التحتية.

أما الثاني فهو الإنتاج الفعلي، ويشير إلى الكميات المستخرجة بالفعل خلال فترة زمنية محددة، ويُقاس عادة بمتوسط الإنتاج اليومي.

في حين يمثل الثالث حجم الصادرات، أي الكميات التي يجري شحنها إلى الأسواق الخارجية، والتي تتأثر بالإنتاج المحلي واحتياجات المصافي وتغيرات المخزون والطاقة المتاحة للنقل والتصدير.

وبناءً على ذلك، فإن امتلاك العراق طاقة إنتاجية تتجاوز خمسة ملايين برميل يومياً لا يعني بالضرورة أنه ينتج تلك الكمية فعلياً، كما أن الوصول إلى مستوى إنتاج معين لا يعني تصدير الكمية نفسها.

وهنا تظهر الحاجة إلى توضيح رسمي يحدد طبيعة الرقم الذي أعلنه وزير النفط، ويبين إن كان يتعلق بالقدرة الإنتاجية القصوى أم بمتوسط الإنتاج الفعلي المسجل في الحقول العراقية.

أوبك+ تحدد الإنتاج وليس الصادرات

تظهر البيانات المعلنة من تحالف أوبك+ أن مستوى الإنتاج المطلوب للعراق يبلغ 4 ملايين و431 ألف برميل يومياً خلال تشرين الثاني 2026.

وكان التحالف قد قرر في اجتماعه المنعقد مطلع تشرين الثاني الإبقاء على مستويات الإنتاج المقررة لشهر كانون الأول دون تغيير، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بالتفاهمات المشتركة الرامية إلى استقرار السوق النفطية.

وهذه النقطة تكتسب أهمية فنية، إذ إن الالتزام بحصة إنتاجية لا يمكن إثباته بمجرد إبقاء الصادرات ضمن مستوى معين، لأن جزءاً من الإنتاج يُستهلك محلياً، وقد تتغير المخزونات النفطية أيضاً.

وبالتالي، فإن المقارنة الصحيحة يجب أن تكون بين الإنتاج الفعلي الخاضع للاتفاق والسقف الإنتاجي المقرر، مع مراعاة الاستثناءات والتعديلات الفنية التي تنص عليها تفاهمات أوبك+.

خبراء النفط: ضرورة الفصل بين القدرة والإنتاج الفعلي

وفي قراءة للتصريحات، أشار الخبير النفطي فرات الموسوي إلى وجود اختلاف جوهري بين السقف الإنتاجي الذي يحدده تحالف أوبك+ وبين مستويات الصادرات النفطية، مؤكداً أهمية استخدام المصطلحات الفنية الدقيقة عند الإعلان عن مؤشرات الإنتاج.

وطرح الموسوي تساؤلات بشأن ما إذا كان رقم الخمسة ملايين برميل يعكس إنتاجاً فعلياً ومستداماً، أم طاقة إنتاجية متاحة يمكن الوصول إليها، لافتاً إلى أن التصريحات وحدها لا تكفي لإثبات تحقيق هذا المستوى دون بيانات تفصيلية.

من جهته، رأى الخبير النفطي نبيل الموسوي أن تجاوز حاجز خمسة ملايين برميل يرتبط بالقدرات الإنتاجية المتاحة للعراق، وليس بالضرورة بالكميات المنتجة فعلياً كل يوم.

وأوضح أن التفريق بين الطاقة الإنتاجية والإنتاج الفعلي والصادرات يمثل مسألة أساسية لفهم واقع القطاع النفطي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالتزامات العراق الدولية وقدرته على زيادة الإيرادات.

أما الخبير النفطي عاصم جهاد، فحذر من التداعيات المحتملة للتصريحات التي تتحدث عن زيادة الإنتاج، مشيراً إلى أن الأسواق النفطية تتأثر بالتوقعات والإشارات الصادرة عن كبار المنتجين، حتى قبل حدوث أي تغير فعلي في الإمدادات.

وبحسب القراءة التي طرحها جهاد، فإن إدارة السياسة النفطية لا تقتصر على تطوير الحقول وزيادة القدرات الإنتاجية، بل تشمل أيضاً إدارة المعلومات والتصريحات بما ينسجم مع المصالح الاقتصادية للبلاد.

وتستند هذه المواقف إلى القراءات المنقولة عن الخبراء، فيما تبقى الحاجة قائمة إلى بيانات إنتاج منشورة تسمح بتقييم الرقم بصورة مستقلة.

وزارة النفط توضح موقفها بعد الجدل

عقب التصريحات التي أثارت التساؤلات، أصدرت وزارة النفط العراقية بياناً أكدت فيه التزام البلاد بسقف الإنتاج المقرر ضمن اتفاق أوبك+، والبالغ 4 ملايين و431 ألف برميل يومياً.

وأوضحت الوزارة أن العراق يسعى إلى رفع حصته الإنتاجية خلال عام 2027، استناداً إلى نمو قدراته الإنتاجية وتطوير الحقول النفطية، مع استمرار الالتزام بالتفاهمات الحالية.

كما أشارت إلى أن جهة استشارية دولية تعمل على تقييم الطاقات الإنتاجية المستدامة للدول الأعضاء، في إطار عملية فنية يمكن أن تؤثر في تحديد مستويات الإنتاج المرجعية مستقبلاً.

لكن البيان، بحسب المعلومات المنشورة، لم يقدم رقماً محدداً للإنتاج الفعلي خلال تشرين الأول، ولم يكشف عن تقدير رقمي للطاقة الإنتاجية المستدامة، الأمر الذي يجعل الجدل بشأن مستوى الخمسة ملايين برميل قائماً من الناحية الفنية.

هل تؤدي زيادة الإنتاج إلى ارتفاع الإيرادات؟

من الناحية الاقتصادية، لا تعني زيادة الإنتاج بالضرورة ارتفاع الإيرادات النفطية بالنسبة نفسها.

فالعائدات تعتمد على عاملين رئيسيين: كمية النفط المباع وسعر البرميل في الأسواق العالمية.

وإذا تسببت زيادة الإمدادات في انخفاض الأسعار، فقد تتراجع المكاسب المتوقعة من بيع كميات إضافية، خصوصاً إذا اتجه عدد من المنتجين إلى زيادة إنتاجهم في الوقت نفسه.

ولهذا السبب، تحاول الدول المشاركة في اتفاق أوبك+ الموازنة بين حجم الإمدادات والحفاظ على استقرار السوق.

وبالنسبة إلى العراق، فإن أي توسع في الإنتاج يحتاج إلى دراسة أثره المالي، ومدى قدرة البلاد على تصدير الكميات الإضافية، فضلاً عن طبيعة الطلب العالمي والاتفاقات القائمة مع المنتجين الآخرين.

صادرات العراق الفعلية أقل من الرقم المعلن للإنتاج

وبحسب معلومات نقلتها وكالة شفق نيوز عن مسؤولين في قطاع الطاقة استناداً إلى تقرير لرويترز في 4 تشرين الثاني، بلغ متوسط صادرات العراق النفطية خلال تشرين الأول نحو 3.5 ملايين برميل يومياً، منها قرابة 400 ألف برميل عبر ميناء جيهان التركي.

وهذا الرقم يختلف عن الإنتاج الفعلي، لأن الكميات المصدّرة لا تمثل جميع الكميات المستخرجة، إلا أنه يوضح أهمية الفصل بين مؤشرات الإنتاج والتصدير عند تقييم أداء القطاع النفطي.

ويعني ذلك أن إعلان امتلاك العراق قدرة على إنتاج أكثر من خمسة ملايين برميل يومياً يحتاج إلى أن يُقرأ إلى جانب معدلات الإنتاج الفعلية واحتياجات الاستهلاك المحلي والقدرات التصديرية.

خمسة أسئلة تنتظر إجابات وزارة النفط

تثير التصريحات والبيانات اللاحقة مجموعة من الأسئلة التي يمكن أن تسهم الإجابة عنها في توضيح واقع القطاع النفطي العراقي:

  1. هل يمثل رقم الخمسة ملايين برميل يومياً الإنتاج الفعلي للعراق أم الطاقة الإنتاجية القصوى المستدامة؟

  2. ما متوسط الإنتاج النفطي المسجل خلال تشرين الأول 2026، وفق البيانات الرسمية؟

  3. كيف توفق وزارة النفط بين حديث الوزير عن تجاوز الإنتاج خمسة ملايين برميل وبين تأكيد الالتزام بسقف أوبك+ البالغ 4.431 ملايين برميل يومياً؟

  4. هل تستهدف المفاوضات مع أوبك+ زيادة الحصة الإنتاجية للعراق في عام 2027، وما الحجم الذي تسعى بغداد إلى الحصول عليه؟

  5. ما العائد المالي المتوقع من أي زيادة مستقبلية، وكيف سيجري التعامل مع انعكاساتها المحتملة على أسعار النفط العالمية؟

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى