20 مليون دولار لكشف أسرار إيران النووية.. هل تقترب المواجهة؟

المستقلة/- فتحت الولايات المتحدة جبهة جديدة في المواجهة مع إيران، بعد إعلان مكافأة مالية تصل إلى 20 مليون دولار مقابل الحصول على معلومات تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، في خطوة تعكس استمرار المساعي الأمريكية لكشف طبيعة الأنشطة النووية لطهران، رغم الضربات العسكرية التي استهدفت منشآتها خلال الأشهر الماضية.

وأعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، بالتنسيق مع برنامج «مكافآت من أجل العدالة» التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، عن المكافأة التي تشمل معلومات بشأن المنشآت النووية والمعدات والأشخاص المرتبطين بالبرنامج، بمن فيهم العاملون في المجالات العلمية، فضلاً عن تحركاتهم.

ويتضمن العرض أيضاً إمكانية نقل الأشخاص الذين يقدمون معلومات إلى أماكن أخرى، وفق الترتيبات التي تقررها الجهات الأمريكية المختصة، دون أن يعني ذلك ضمان حصول كل من يقدم معلومات على المبلغ المعلن أو إعادة التوطين.

ويثير الإعلان تساؤلات بشأن حجم المعلومات التي تمتلكها واشنطن عن البرنامج النووي الإيراني، ومدى قدرتها على تقييم الأضرار التي لحقت بالمنشآت المستهدفة، خصوصاً في ظل استمرار الخلاف بشأن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب والأنشطة التي قد تجري داخل المواقع المحصنة تحت الأرض.

لماذا تعرض واشنطن 20 مليون دولار؟

لا تقتصر أهمية الإعلان الأمريكي على القيمة المالية المرتفعة، بل تمتد إلى طبيعة المعلومات المطلوبة وتوقيته السياسي والعسكري.

فالولايات المتحدة تسعى إلى الحصول على معلومات يمكن أن تساعدها في بناء صورة أكثر وضوحاً عن الوضع الحالي للبرنامج النووي الإيراني، بما يشمل المنشآت والمعدات والعاملين المرتبطين به.

ويشير اتساع نطاق الإعلان إلى اهتمام واشنطن بالمعلومات التي قد لا تظهر بصورة كاملة عبر وسائل المراقبة التقنية، مثل صور الأقمار الاصطناعية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالأنشطة التي تجري داخل منشآت محصنة.

ومن الناحية الاستخباراتية، يمكن للمعلومات البشرية أن تكمل البيانات الفنية وتساعد على التحقق منها، إلا أن الإعلان عن المكافأة لا يمثل بحد ذاته دليلاً على وجود فجوات محددة في المعلومات الأمريكية أو على اكتشاف أنشطة نووية سرية جديدة.

ولم تحدد الجهات الأمريكية علناً نوع المعلومات التي تؤهل للحصول على الحد الأقصى للمكافأة، كما لم تعلن عن نتائج استخباراتية جديدة مرتبطة بالمبادرة.

اليورانيوم المخصب.. الملف الأكثر حساسية

يأتي التحرك الأمريكي في ظل استمرار المخاوف الدولية بشأن مصير مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، وخاصة المواد التي وصلت نسبة تخصيبها إلى 60%.

وبحسب المعلومات التي نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فقد بلغ مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة تصل إلى 60% نحو 440.9 كيلوغرامات، وهو مستوى مرتفع يقترب تقنياً من نسبة 90% المستخدمة عادة في المواد الانشطارية المخصصة للأسلحة النووية.

ومع ذلك، فإن امتلاك اليورانيوم عالي التخصيب لا يعني تلقائياً امتلاك سلاح نووي جاهز للاستخدام، إذ يتطلب تصنيع السلاح مراحل تقنية إضافية.

وتؤكد طهران أن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية، بينما تطالب واشنطن بضمانات تحول دون تطوير سلاح نووي، وسط خلافات مستمرة بشأن عمليات التفتيش والتحقق الدولي.

وتتعلق إحدى أبرز المشكلات الفنية بتراجع قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على متابعة جميع عناصر البرنامج النووي الإيراني بصورة متصلة، الأمر الذي يزيد صعوبة الوصول إلى تقييم شامل للمخزونات والمعدات النووية.

المنشآت الجبلية.. تحدٍ أمام الرقابة والضربات العسكرية

تكتسب المنشآت النووية المحصنة تحت الأرض أهمية خاصة في التقديرات الأمريكية، ولا سيما الموقع المعروف إعلامياً باسم «جبل الفأس» أو «Pickaxe Mountain»، القريب من منشأة نطنز النووية.

وتشير تقارير وصور أقمار اصطناعية إلى وجود أنفاق ومنشآت عميقة داخل المنطقة، مع استمرار أعمال تحصين وتجهيز في بعض المواقع.

ويعتقد محللون أن عمق هذه المنشآت وطبيعة تحصيناتها قد يجعلان تقييم الأنشطة داخلها أكثر صعوبة، سواء من خلال المراقبة الفضائية أو بعد تنفيذ ضربات عسكرية.

لكن طبيعة الأنشطة الجارية داخل الموقع لا تزال محل خلاف، فيما تنفي إيران استخدامه لأغراض نووية عسكرية.

وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد هدد في مناسبات سابقة باستهداف الموقع، معتبراً أنه من بين المنشآت التي ما زالت تحظى باهتمام واشنطن.

هل يكشف الإعلان عن قصور في المعلومات الأمريكية؟

يثير تخصيص مكافأة بهذا الحجم تساؤلاً بشأن مدى اكتمال المعلومات المتوافرة لدى الأجهزة الأمريكية بعد العمليات العسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

فالرئيس ترامب أكد مراراً أن الضربات الأمريكية ألحقت أضراراً جسيمة بالبرنامج النووي الإيراني، في حين يشير استمرار البحث عن معلومات بشأن المنشآت والمعدات والعاملين إلى رغبة واشنطن في متابعة ما تبقى من قدرات البرنامج والتحقق من تطوراته.

غير أن وجود برنامج لجمع المعلومات لا يتعارض بالضرورة مع إعلان وقوع أضرار واسعة، لأن تقييم نتائج الضربات ومراقبة احتمالات إعادة بناء المنشآت يمثلان عمليتين مستمرتين.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة المكافأة باعتبارها وسيلة لتعزيز المعرفة الأمريكية بشأن القدرات النووية الإيرانية، وليس دليلاً قاطعاً على فشل عمليات الرصد السابقة.

البعد الاستخباراتي.. ضغوط جديدة على المؤسسة النووية الإيرانية

إلى جانب جمع المعلومات، قد تكون للمبادرة الأمريكية انعكاسات على البيئة الأمنية المحيطة بالبرنامج النووي الإيراني.

فالإعلان عن مكافآت مقابل معلومات تتعلق بالمنشآت والعاملين فيها يمكن أن يدفع المؤسسات الإيرانية المعنية إلى تشديد إجراءات حماية المعلومات ومراجعة قواعد الوصول إلى المواقع الحساسة.

ونقلت «إرم نيوز» عن الباحث السياسي الأمريكي جاكوب ستينبرج أن الخطوة تحمل رسالة ردع، إلى جانب محاولة إحداث اختراق داخل الدوائر المرتبطة بالبرنامج النووي.

وبحسب قراءته، فإن مثل هذه المبادرات قد تؤدي إلى زيادة الشكوك داخل المؤسسات المستهدفة، وتدفع الجهات الأمنية إلى فرض إجراءات رقابية أشد.

لكن هذه النتائج تبقى احتمالات تحليلية، ولا تتوافر مؤشرات مستقلة تؤكد حدوث تغييرات داخل المؤسسة النووية الإيرانية استجابة للإعلان الأخير.

واشنطن بين التصعيد العسكري والعودة إلى المفاوضات

يأتي الإعلان في مرحلة تتداخل فيها التهديدات العسكرية مع المساعي الدبلوماسية الرامية إلى احتواء المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.

ففي الوقت الذي تواصل فيه واشنطن الضغط على طهران بشأن برنامجها النووي، تحدث ترامب عن رغبة إيرانية في التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع.

وفي المقابل، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن حكومته تواصل السعي إلى معالجة الأزمة عبر الحوار.

وتشير تقارير إلى استمرار الجهود الدبلوماسية، ولا سيما الوساطة القطرية، لبحث ترتيبات تتعلق بالبرنامج النووي وعمليات التفتيش والعقوبات والتوترات العسكرية في المنطقة.

وقد تؤثر المعلومات الجديدة التي تسعى واشنطن للحصول عليها في طريقة تقييمها للموقف الإيراني، سواء عند بحث شروط اتفاق محتمل أو تقدير مخاطر استمرار المواجهة.

إلا أنه لا توجد أدلة معلنة تثبت أن برنامج المكافآت مرتبط بقرار أمريكي وشيك لتنفيذ ضربات جديدة.

المخاوف الإشعاعية تدخل حسابات التصعيد

بالتزامن مع التوترات العسكرية، أثارت تقارير إعلامية بشأن إجراءات وقائية في المناطق القريبة من بعض المنشآت النووية الإيرانية تساؤلات حول استعداد السلطات لاحتمالات وقوع حوادث إشعاعية.

ونقلت وسائل إعلام بريطانية معلومات عن توزيع أقراص اليود ونشر إرشادات للسكان بشأن كيفية التصرف عند حدوث طارئ إشعاعي.

ومع ذلك، فإن هذه المعلومات تحتاج إلى التمييز بين إجراءات الاستعداد الوقائي ووجود تهديد إشعاعي فعلي؛ إذ لا يعني إعداد خطط طوارئ أن وقوع حادث نووي أصبح وشيكاً.

كما أن أقراص يوديد البوتاسيوم لا توفر حماية شاملة من الإشعاع، وإنما تستخدم في ظروف محددة لتقليل امتصاص الغدة الدرقية لليود المشع، بناءً على توجيهات السلطات الصحية المختصة.

وتزداد حساسية هذا الملف نظراً إلى احتمالات امتداد الآثار البيئية والإنسانية لأي حادث إشعاعي كبير إلى مناطق خارج حدود المنشأة المستهدفة، بحسب طبيعة الحادث والمواد المنبعثة والظروف الجوية.

هل تصبح المعلومات الجديدة ورقة تفاوض أم أداة للتصعيد؟

يمكن أن تخدم المعلومات التي تسعى الولايات المتحدة للحصول عليها مسارين مختلفين.

الأول دبلوماسي، من خلال تحسين قدرة واشنطن على التحقق من أنشطة البرنامج النووي الإيراني، وتحديد الضمانات التي يمكن المطالبة بها ضمن أي اتفاق جديد.

أما الثاني فهو عسكري وأمني، ويتمثل في دعم تقييم المخاطر وتحديد حجم القدرات النووية المتبقية لدى إيران بعد الضربات السابقة.

وتتوقف أهمية أي معلومات جديدة على دقتها وإمكانية التحقق منها ومدى توافقها مع المعطيات المتاحة لدى الجهات المختصة.

كما أن الحصول على معلومات جديدة لا يعني بالضرورة الاتجاه نحو التصعيد؛ فقد تساهم المعلومات الموثوقة أيضاً في تقليل عدم اليقين وفتح المجال أمام ترتيبات رقابية أو تفاوضية أكثر وضوحاً.

ما الذي يعنيه الإعلان بالنسبة إلى الشرق الأوسط؟

تتجاوز تداعيات المواجهة النووية حدود الولايات المتحدة وإيران، نظراً إلى ارتباطها بأمن الخليج وحركة الملاحة الدولية وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي.

فأي تجدد واسع للعمليات العسكرية قد ينعكس على حركة السفن في مضيق هرمز، وعلى تكاليف التأمين والنقل وأسعار النفط، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي قد تواجه دول المنطقة.

وبالنسبة إلى العراق، فإن استمرار التوتر الأمريكي الإيراني يمثل تحدياً إضافياً، بحكم موقعه الجغرافي وعلاقاته مع الطرفين، وتأثر اقتصاده بالتقلبات في أسواق النفط.

ولهذا، فإن مسار الأزمة النووية الإيرانية لا يمثل شأناً ثنائياً بين واشنطن وطهران، وإنما قضية ذات انعكاسات إقليمية أوسع.

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى