حكومة علي الزيدي بعد 50 يومًا.. تنفيذ محدود وأولويات أمريكية تضغط على بغداد

المستقلة/- تواجه حكومة رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، بعد خمسين يومًا على نيلها ثقة مجلس النواب، اختبارًا مبكرًا بين وعود داخلية واسعة بالإصلاح ومكافحة الفساد، وأولويات أمريكية قالت مصادر سياسية إنها باتت تضغط على بغداد في ملفات السلاح والمال والطاقة والعلاقة مع واشنطن.

وقال مصدر سياسي مطلع لـ”المستقلة” إن الولايات المتحدة تتعامل مع حكومة الزيدي وفق معيار “ما يُنفذ على الأرض”، لا وفق الشعارات أو التعهدات السياسية، مشيرًا إلى أن لقاء الزيدي بالمبعوث الأمريكي توم باراك وضع أمام الحكومة خمسة ملفات رئيسية ستقيس واشنطن من خلالها جدية الأداء الحكومي.

وأضاف المصدر، الذي اشترط عدم ذكر اسمه، أن هذه الملفات تشمل حصر السلاح بيد الدولة، وضبط المال والطاقة، وإعادة تنظيم العلاقة الاستراتيجية مع واشنطن، وتحسين ملف حقوق الإنسان والحريات العامة، وترسيخ استقلال القضاء وسيادة القانون.

وجاء اللقاء مع باراك في وقت لا تزال فيه حكومة الزيدي في مرحلة تقييم أولي. فقد نالت الثقة في 14 أيار/مايو الماضي بكابينة غير مكتملة، بعد التصويت على 14 وزيرًا وتأجيل حسم 9 حقائب وزارية، بينها حقائب أمنية وخدمية وسياسية مهمة.

ومنذ ذلك الحين، عقد مجلس الوزراء تسع جلسات اعتيادية، فيما بلغ المجلس الوزاري للاقتصاد جلسته الخامسة برئاسة وزير المالية ووزير التخطيط وكالة فالح الساري. كما أجرى الزيدي، بحسب رصد سياسي أولي، ما لا يقل عن 29 لقاءً واتصالًا رسميًا مع مسؤولين عراقيين وسفراء وممثلين دوليين وقيادات سياسية واقتصادية واجتماعية.

غير أن هذه الحركة لم تحسم بعد الأسئلة الرئيسية التي تواجه الحكومة، وفي مقدمتها استكمال الكابينة الوزارية، وتحويل حملة مكافحة الفساد إلى إجراءات مؤسسية، وضبط السلاح خارج إطار الدولة، وإظهار نتائج اقتصادية ملموسة في ظل ضغوط مالية متزايدة.

وقال المصدر إن ملف السلاح يأتي في مقدمة الأولويات الأمريكية، إذ تريد واشنطن من حكومة الزيدي إثبات قدرتها على استعادة احتكار الدولة لقرار القوة، وضبط الفصائل المسلحة، وإنهاء مظاهر السلاح المنفلت، ومنع أي تشكيل خارج الإطار الرسمي من التأثير في الأمن الداخلي أو في علاقات العراق الخارجية.

وركز لقاء الزيدي وباراك، بحسب بيانات وتغطيات إعلامية، على خطط بغداد لنزع السلاح وحل الجماعات المسلحة خارج سلطة الدولة، وحصر السلاح بيد الحكومة، بالتزامن مع تحضيرات لزيارة مرتقبة إلى واشنطن لبحث مستقبل العلاقة بين البلدين.

أما الملف الثاني فيتعلق بالاقتصاد والمال والطاقة. وقال المصدر إن واشنطن تراقب منظومة الدولار والنفط والرقابة المالية، وتربط بين الإصلاح المالي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الجهات الخاضعة للعقوبات، فضلًا عن تعزيز الرقابة على صادرات النفط وإدارة الإيرادات ومنع تهريب الدولار والنفط.

ويضع هذا الملف حكومة الزيدي أمام اختبار حساس، لأن أي إصلاح فعلي في المنظومة المالية سيصطدم بمصالح راسخة داخل مؤسسات الدولة والسوق. كما أن ضبط الدولار والنفط يحتاج إلى قرارات رقابية وقضائية وتنفيذية متزامنة، لا إلى تعليمات إدارية فقط.

وفي ملف العلاقة الاستراتيجية، قال المصدر إن واشنطن تسعى إلى إعادة تنظيم علاقتها مع بغداد ضمن إطار أوسع من التعاون الأمني التقليدي، ليشمل الطاقة والاقتصاد والاستثمار والدبلوماسية. وأضاف أن هذا المسار يرتبط بقدرة الحكومة العراقية على منع تحول البلاد إلى ساحة نفوذ مضاد للمصالح الأمريكية.

ويحاول الزيدي تقديم حكومته بوصفها حكومة سيادة وتوازن، لا حكومة اصطفاف. لكنه يواجه، في الوقت نفسه، معادلة معقدة بين الحاجة إلى دعم واشنطن سياسيًا واقتصاديًا، وبين ضغوط الداخل المرتبطة بملف السلاح والنفوذ الإيراني ومراكز القوى داخل النظام.

وتشمل الأولويات الأمريكية، بحسب المصدر، ملف حقوق الإنسان والحريات العامة، بما في ذلك حرية الإعلام والتعبير، وأوضاع المهجرين والموقوفين، ومنع استخدام مؤسسات الدولة أو الجماعات المسلحة في انتهاك الحقوق العامة.

ويحمل هذا الملف حساسية إضافية، لأن أي حملة أمنية أو قضائية ضد الفساد أو السلاح قد تتحول إلى نقطة ضعف إذا افتقرت إلى الضمانات القانونية أو بدت انتقائية. ولذلك، ستكون الحكومة مطالبة بإثبات أن إجراءاتها تجري ضمن القانون ولا تستخدم مؤسسات الدولة لتصفية الخصوم.

ويرتبط الملف الخامس باستقلال القضاء وسيادة القانون. وقال المصدر إن واشنطن ترى أن ترسيخ الثقة بالدولة يتطلب قضاءً مستقلًا ومحاكمات عادلة وحماية للحقوق والحريات، إضافة إلى إنهاء الإفلات من العقاب في قضايا الفساد والسلاح والانتهاكات.

ولم تصدر هذه الأولويات في وثيقة أمريكية معلنة واحدة، لكنها تعكس، بحسب المصدر، طبيعة المقاربة الأمريكية تجاه حكومة الزيدي: دعم مشروط بالتنفيذ، وانفتاح اقتصادي مرتبط بإجراءات أمنية ومالية وسيادية ملموسة.

في المقابل، تقول أوساط قريبة من الحكومة إن ما تحقق خلال خمسين يومًا لا يمثل حصيلة نهائية، بل بداية لمسار سياسي وتنفيذي يتطلب وقتًا أطول. وتشير إلى أن الحكومة رفعت شعار مكافحة الفساد، ودفعت باتجاه ضبط السلاح، وفعّلت اجتماعات مجلس الوزراء والمجلس الوزاري للاقتصاد، وفتحت قنوات مباشرة مع واشنطن ودول أخرى.

كما اتخذت الحكومة قرارات وتوجيهات في ملفات اقتصادية ورقابية، بينها متابعة المنافذ الحدودية، وتوحيد بعض الإجراءات الجمركية والضريبية، ومراجعة ملفات التعاقدات والاستثمار، فضلًا عن طرح خطاب يربط بين مكافحة الفساد وإصلاح المال العام.

لكن خصوم الزيدي ومراقبين سياسيين يقولون إن الحكومة ما زالت في مرحلة الإعلان أكثر من مرحلة النتائج. فالكابينة الناقصة تكشف استمرار ثقل التوافقات السياسية، وحملة مكافحة الفساد لم تُختبر بعد أمام كبار المتهمين، وملف السلاح يحتاج إلى قرارات صعبة لا يمكن حسمها بالخطابات أو الاجتماعات.

وتقول مصادر سياسية إن الزيدي يواجه معادلة دقيقة. فهو مطالب داخليًا بإثبات أن حكومته ليست انتقالية ضعيفة، ومطالب خارجيًا بإقناع واشنطن بأن بغداد قادرة على الالتزام بتعهدات أمنية ومالية وسياسية، من دون أن تظهر وكأنها تعمل تحت ضغط أمريكي مباشر.

ولا تبدو الخمسون يومًا الأولى حكمًا نهائيًا على حكومة الزيدي، لكنها تكشف حدود المرحلة المقبلة. فالحكومة التي بدأت بوعود كبيرة وحركة سياسية واسعة ستجد نفسها أمام اختبار أكثر صعوبة: تحويل اللقاءات والبيانات إلى نتائج قابلة للقياس، أو البقاء في دائرة التنفيذ المحدود تحت ضغط الداخل وأولويات واشنطن.

زر الذهاب إلى الأعلى