الادعاء العام في العراق.. جهاز دستوري بصلاحيات واسعة وحضور ضعيف!

المستقلة/- أعاد الأمر القضائي والخاص بنقل القاضي عادل خضير عباس من هيئة الإشراف القضائي إلى رئاسة الادعاء العام وتكليفه بمهام رئيس الادعاء العام، فتح النقاش بشأن موقع هذا الجهاز داخل المنظومة القضائية العراقية، وحقيقة الدور الذي يفترض أن يؤديه في حماية الحق العام والمال العام ومراقبة مبدأ المشروعية.

فالادعاء العام في العراق ليس دائرة هامشية داخل القضاء، بل هو جهاز مركزي نص عليه الدستور ضمن مكونات السلطة القضائية الاتحادية، إلى جانب مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية ومحكمة التمييز وهيئة الإشراف القضائي. كما منحه قانون الادعاء العام رقم 49 لسنة 2017 استقلالًا ماليًا وإداريًا وشخصية معنوية، وحدد له أهدافًا تتعلق بحماية نظام الدولة وأمنها، والحفاظ على أموال الدولة والقطاع العام، ودعم النظام الديمقراطي واحترام تطبيق القانون.

لكن المفارقة أن هذا الجهاز، رغم اتساع صلاحياته القانونية، بقي في الواقع واحدًا من أضعف حلقات العملية القضائية. فهو حاضر شكليًا في المحاكم، لكنه غائب في الملفات الكبرى التي تمس المال العام والفساد والانتهاكات الإدارية والسياسية، وهي الملفات التي يفترض أن يكون فيها الادعاء العام صوت المجتمع لا مجرد طرف تابع للإدارة القضائية.

وتكشف واقعة تكليف رئيس جديد للادعاء العام بأمر صادر من رئيس مجلس القضاء الأعلى جانبًا من الإشكالية البنيوية. فالجهاز الذي يفترض أن يتمتع باستقلال مالي وإداري، يبدو في الممارسة أقرب إلى تشكيل تابع لإدارة مجلس القضاء الأعلى، تتحكم رئاسته العليا بالتكليفات والنقل والإدارة، بما يجعل استقلاله العملي أضعف من استقلاله القانوني.

وتقول قراءات قانونية إن المشكلة لا تكمن في النصوص وحدها، بل في طريقة إدارة الجهاز. فالقانون أعطى الادعاء العام صلاحيات واسعة في حماية المال العام وتحريك الدعاوى ومراقبة تنفيذ القوانين، إلا أن هذه الصلاحيات لم تتحول إلى ممارسة مؤسسية فعالة، خصوصًا بعد إلغاء مكاتب المفتشين العموميين عام 2019، وهي خطوة كان يفترض أن تعزز دور الادعاء العام في متابعة ملفات الفساد والتجاوزات الإدارية، لكنها انتهت عمليًا إلى فراغ رقابي جديد.

ويطرح ذلك سؤالًا جوهريًا: لماذا لا يجري تفعيل الادعاء العام بوصفه جهازًا مستقلًا داخل السلطة القضائية؟ ولماذا بقي تابعًا في حركته للإدارة القضائية بدل أن يكون ذراعًا فعالة لحماية الحق العام؟

أحد الأسباب يرتبط بتركيبة السلطة القضائية نفسها. فرئيس مجلس القضاء الأعلى يدير شؤون الهيئات القضائية، والادعاء العام أحد هذه المكونات، ما جعل استقلاله المالي والإداري لا يعني بالضرورة استقلال قراره العملي. وبدل أن يتحول إلى جهاز مبادر في فتح الملفات، ظل في كثير من القضايا ينتظر حركة المحاكم أو الجهات التحقيقية الأخرى.

السبب الثاني سياسي وقضائي في آن واحد. فالادعاء العام القوي يعني وجود جهة تستطيع تحريك ملفات المال العام، والطعن لمصلحة القانون، ومراقبة المشروعية، وفتح أسئلة محرجة بشأن أداء الوزارات والمؤسسات وحتى بعض الإجراءات القضائية والإدارية. وهذا النوع من الدور قد يخلق احتكاكًا مع مراكز السلطة داخل الدولة، ومع القوى السياسية، وربما داخل المنظومة القضائية نفسها.

أما السبب الثالث فيتعلق بثقافة العمل القضائي. فقد ترسخت صورة عضو الادعاء العام بوصفه حاضرًا في الجلسات أو مراقبًا للإجراءات، لا بوصفه صاحب مبادرة في الدفاع عن المجتمع والمال العام. وهذه الصورة أضعفت وظيفة الادعاء العام وحولته في أحيان كثيرة إلى موقع إجرائي، لا إلى سلطة قانونية حقيقية تراقب تطبيق القانون وتلاحق الخلل.

كما أن تعدد الجهات المعنية بمكافحة الفساد، بين هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وقضاة التحقيق واللجان الحكومية، أدى إلى تهميش دور الادعاء العام بدل أن يكون نقطة الربط بين هذه المؤسسات. وفي النتيجة، ضاعت المسؤولية بين أكثر من جهة، وبقي الادعاء العام أقل المؤسسات حضورًا في القضايا التي يفترض أن تكون في صلب اختصاصه.

وتشير تجربة السنوات الماضية إلى أن ضعف الادعاء العام أضر بالعملية القضائية نفسها. فعندما يغيب جهاز يمثل الحق العام بقوة، تصبح الملفات رهينة الشكوى الفردية أو الإرادة السياسية أو حركة الأجهزة الرقابية. وعندما لا يبادر الادعاء العام إلى رصد الخلل وتحريك الدعاوى، يفقد المجتمع أحد أهم أدوات حماية المشروعية.

ولا يعني انتقاد ضعف الادعاء العام الطعن في القضاء أو التقليل من أهمية مجلس القضاء الأعلى، بل العكس. فتفعيل الادعاء العام هو جزء من إصلاح القضاء وتعزيز ثقته أمام الرأي العام. فالسلطة القضائية القوية لا تحتاج فقط إلى محاكم تصدر الأحكام، بل إلى ادعاء عام مستقل وفاعل يلاحق انتهاك القانون ويدافع عن المجتمع والمال العام.

وإذا كانت المرحلة الحالية تشهد حملات واسعة لمكافحة الفساد، فإن غياب الادعاء العام عن واجهة هذه الحملات يطرح تساؤلًا إضافيًا: لماذا تتقدم اللجان والقرارات الإدارية والمجالس العليا، بينما يتراجع الجهاز الدستوري المختص بحماية الحق العام؟

الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار للادعاء العام، لا بتغيير الأشخاص فقط، بل بتحرير دوره من التبعية الإدارية، وتمكينه من المبادرة، وتوفير أدوات التحري والمتابعة، وإلزام المؤسسات بالتعامل معه بوصفه حارسًا للمشروعية لا موظفًا تابعًا في هرم قضائي مغلق.

فمن دون ادعاء عام قوي، ستبقى مكافحة الفساد مرتبطة بمزاج السلطة وتوقيت السياسة. أما الادعاء العام الفاعل، فهو الضمانة التي تجعل ملاحقة الفساد مسارًا قانونيًا مستمرًا لا حملة ظرفية تنتهي بانتهاء الحاجة السياسية إليها.

زر الذهاب إلى الأعلى