تفجير ملف السودان: فصل من فصول الحرب الباردة الجديدة – العراق على السكة!

بقلم : سمير عبيد*

#أولا :يعتبر السودان من الدول المهمة على المستوى الاستراتيجي والاقتصادي والثقافي. فهي الدولة التي تحد اكثر من سبع دول لا تفصلها عنها جبالا ولا بحراً ولا نهرا. ومنها دول تعتبر المستودع المسيحي العالمي والتاريخي فيما لو تكلمنا عن اثيوبيا.ودول اخرى هجينة من الناحية الدينية واللغة العربية والثقافة .وبما ان السودان عربياً ومسلماً أخذ يؤثر بشكل كبير على تلك الدول ومجتمعاتها .وهذا ممنوع ضمن حسابات مخططي الحرب الدينية والايديولوجية .وضمن حسابات مخططي مخطط الاسلاموفوبيا. ناهيك عن الطمع والجشع الموجود عن الدول ذات الارث الاستعماري والتي عيونها على ثروات السودان الهائلة ،وبمقدمتها الذهب والمعادن واليورانيوم….. الخ. وهناك دول لديها اجندات سياسية واقتصادية في السودان وفي المنطقة من خلال السودان فوجدتها فرصة لتحقيق مكاسبها في هذه الدولة .

#ثانيا :-وعند العودة للوراء سريعا … فعلى سبيل ففي زمن الزعيم الاسلامي الشيخ حسن الترابي رحمه الله تقدمت ايران كثيرا داخل تضاريس ومجتمع السودان وسببه التأثر بالثورة الاسلامية الايرانية بحيث كانت تصل السفن الايرانية الى السودان وهي محملة بالكتب الثقافية والدينية والفكر الشيعي. وفتحت مراكز استراتيجية ايرانية في السودان وعملت لسنوات بحرية ويسر .ثم تقدمت السعودية مباشرة بالضد من ايران وبقوة خوفا من تشيعها حسب الروايات السعودية .وبعدها تدخلت دول خليجية بقوة ومنها دولة قطر لدعم تنظيمات الاخوان المسلمين .وبالفعل حكمت الحركة الاسلامية السودان وعلى مراحل وصولا الى حكم الرئيس السابق عمر البشير الذي جاء من رحم الحاضنة الاسلامية. وهو الذي استعان بتاجر الابل بين ليبيا والسودان وشمال افريقيا وزعيم مليشيا ( الجنجويد ) محمد حمدان دقلو (حميدتي )ليتحالف معه ليعينه في اخماد ثورة انفصال دارفور .وعندما نجح بذلك منحه رتبة عسكرية عالية ( فريق ركن) وجعله احد اركان النظام واعطى الى مليشيات حميدتي صفة رسمية واسمها ( قوات الدعم السريع) لتصبح جزء من النظام في السودان. وحميدتي زعيم شعبي وقبلي غني جدا بسبب هيمنته على تجارة الذهب والتهريب فيه .وانه ابن قبيلة كبيرة في دارفور .ومعروف عالميا ان من يتاجر بالذهب او المخدرات أو النفط أو المعادن الثمينة سوف يتعرف على شركات عالمية كبرى وعلى قادة دول واستخبارات وعلى زعماء مافيا في العالم ومن هنا توسعت علاقات حميدتي ووصلت لأمريكا وإسرائيل وروسيا .. الخ !

#ثالثا:-ولكن بعدها انقلب حميدتي على نظام البشير عندما خرجت انتفاضة الشعب السوداني ضد نظام البشير على غرار ثورات الربيع العربي التي دعمتها ومولتها الدول الخليجية بأوامر اميركية سارع حميدتي لدعم انتفاضة الشعب ضد البشير .وشارك حينها جنرالات العسكر الى جانب الشعب السوداني بالضد من نظام البشير ايضا .فسارع حميدتي هو وقواته الشعبية ” المليشياتية” لدعم الشعب والتحالف مع جنرالات العسكر ودخلوا شركاء في ادارة العملية السياسية بعد سقوط نظام البشير وتم تأسيس ( مجلس عسكري انتقالي ) على غرار المجلس العسكري في مصر .

ومر المجلس بمخاضات نتج عنها حكومة مدنية بقيادة عبد الله حمدوك .والذي ترجل فيما بعد من الحكومة بعد نشوب خلافات داخل المجلس العسكري نفسه وداخل القوى المدنية . واخرها الخلاف الخطير بين قائد المجلس العسكري الجنرال البرهان الذي يميل الى العسكر والى تركة نظام البشير ،وبين عضو المجلس الانتقالي حميدتي الذي رفض نظام العسكر ورفض عودة رجالات النظام السابق .ودارت المعارك اخيرا ودخل السودان في متاهة معارك الكر والفر .فسارعت الدول الكبرى لتتصارع في السودان عبر الوكلاء داخل السودان .

# السودان وتشابك مصالح الدول الكبرى فيه !

١-تعتبر روسيا من الاصدقاء التقليديين الى السودان بحكم علاقة روسيا مع مصر والشرق الأوسط. وتطورت تلك العلاقة حتى بعد سقوط نظام البشير وابرمت اتفاقية روسية سودانية لتأسيس قاعدة روسية في بورتسودان وهو الموضوع الذي أقلق الولايات المتحدة بقوة كونها منطقة استراتيجية تؤثر على البحر الاحمر ،والتجارة الدولية ،وعلى السعودية وعلى جيبوتي واريتريا والسودان .ومن هناك الانتشار الصيني الكبير في السودان عبر الاستثمارات في النفط والمصانع واستخراج المعادن وتقديم المنح الصينية ..الخ . وكان ولازال هذا النشاط الروسي الصيني في السودان يُزعج واشنطن ولكنه أمر واقع وتعايش معه الشعب السوداني !

٢-وجميعنا نعرف صعود المحور الصيني – الروسي اخيرا والذي أصبح يحاصر الولايات المتحدة في البقاء على رأس قيادة العالم . بحيث اصبحت الصين اخيرا لاعب متنامي في منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر نفوذا اميركيا . فلقد عقدت الصين تخالفا استراتيجيا مع ايران الخصم لواشنطن ، وتحالفا استراتيجيا مع السعودية الحليف القوي لواشنطن ( وروسيا فعلت نفس الفعل مع السعودية وايران ) . واخيرا قادت الصين مصالحة تاريخية بين ايران والسعودية .وذهبت الصين بعيدا لتتحرك في ملف الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي. ودخلت الصين بمبادرة صينية لايقاف الصراع في اوكرانيا حينها رفضت واشنطن تلك الوساطة واسقطتها والتي هي رغبة اوربية ايضا . بحيث سارع الرئيس الفرنسي وقيادات الاتحاد الاوربي لزيارة بكين واللقاء مع القيادة الصينية وهم يضغطون بعدم اسقاط المبادرة الصينية لا بل صرح الرئيس الفرنسي ماكرون حال عودته الى باريس قائلا ( يجب ان نفكر نحن الاوربيين بمصالحنا وبعيدا عن واشنطن ) فكانت صرخة اوربية وفرنسية بوجه واشنطن !

٣-وسط هذا الصعود الصيني الروسي هناك اللاعب الايراني الحليف لهما والمستهدف من قبل واشنطن بالحصار الاقتصادي الارهابي ،ومن قبل اسرائيل بحرب الاستنزاف .ودخلت بريطانيا على الخط ضد ايران فتفجرت المظاهرات الشعبية والعمليات الامنية والاغتيالات وتدمير الاقتصاد الايراني ، واتهام ايران بالمشاركة في الحرب الاوكرانية لصالح روسيا … الخ.وذهاب واشنطن والاوربيين بتجميع ملف ضخم ضد ايران على غرار ما فعلوه ضد نظام صدام حسين ويريدون دفعه فيما بعد لمجلس الأمن ليصار الى قرارات ضد ايران.ولكن ايران الذكية وبنصيحة صينية وروسية تنازلت للسعودية واطلقت يد الرئيس بشار الاسد وخففت في الملف العراقي وحثت الحوثيين على المصالحة والدخول بحكومة توافقية في اليمن. هنا بقيت واشنطن حائرة خائرة !

#تفجير اوضاع السودان !….وقبل ان تستفيق واشنطن فُتحت الفوضى في السودان والهدف تشتيت الولايات المتحدة وحلف الناتو ليخفف في اوكرانيا ويذهبون نحو القبول بايقاف الحرب. وفي نفس الوقت التخفيف على الحليف الايراني عندما تنشغل امريكا واسرائيل في الملف السوداني. وعندما تنشغل واشنطن في السودان سوف يسقط مخططها الذي بدات فيه اخيرا في سوريا بمحاولة لجر الروس الى صراع داخل سوريا .وعلى المستوى الاستراتيجي اشغال امريكا في البحر الاحمر وشمال افريقيا لكي تتراخي في منطقة النفوذ المهمة لخط الحرير الصيني وهي ” باكستان ، وبحر العرب ، فالخليج ، فالبصرة ، وايران … الخ “. والحقيقة اننا دخلنا بفصول الحرب الباردة الجديدة والتي سوف تكون بين المحاور الصاعدة والولايات المتحدة !

#العراق :..من هنا سوف يحدث تغيير سياسي قادم في العراق لا محال برعاية بريطانية واميركية لقطع الطريق على روسيا والصين وايران. فالقرار قد تم اتخاذه بإبعاد جميع حلفاء ايران وروسيا والصين في العراق لكي لا يُباشروا بالسيناريو السوداني في العراق بادوات روسية وصينية وايرانية. وان واشنطن ولندن تدرسان حاليا الاستفادة من معركة المليشيات والجيش في السودان لمقاربتها في العراق( لأن الوضع متشابه تقريبا) والخروج بخطط جديدة تتلائم مع وضع العراق الذي قررت واشنطن ولندن حسم الامور فيه !

*كاتب وسياسي مستقل

أخبار قد تهمك

زر الذهاب إلى الأعلى